قال: (ابتداء الوضع ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية.
لنا: وضع اللفظ للشيء ونقيضه، وضده، وبوقوعه كالقرء والجون.
قالوا: لو تساوت لم تختص.
قلنا: تختص بإرادة الواضع المختار).
أقول: البحث الثالث في ابتداء الوضع، زعم عباد بن سليمان الصيمري وأهل تكسير الحروف، وبعض المعتزلة، أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية.
واعلم أن اختصاص دلالة اللفظ بمعنى دون آخر أمر ممكن يحتاج إلى مؤثر مخصص، وذلك المخصص إما ذات اللفظ أو غيره، فذهب بعض السلف ومن تقدم ذكره إلى الأول.
واحتج المصنف على فساده: بأنا قاطعون بجواز وضع اللفظ للشيء
[ ١ / ٤٠٦ ]
ونقيضه وضده، وبوقوعه كالقرء الموضوع للطهر والحيض، والجون الموضوع للأسود والأبيض، وحينئذ يلزم أن يكون الشيء يناسب بطبعه النقيضين وما بالذات لا يتخلف، فيلزم من ثبوت اللفظ ثبوت المعنى وانتفاؤه ويلزم أن يكون لشيء واحد لازمان متنافيان، مع أنه لو كان كذلك ما اختلفت اللغات باختلاف الأمم؛ لأن ما بالذات لا يزول كحرارة النار، ويلزم امتناع نقل اللفظ إلى معنى آخر لا ينتقل الذهن عند سماعه إلى المعنى كما في المجاز المنقول والأعلام؛ لأن ما بالذات لا يتغير.
وأشار صاحب المفتاح إلى أن هذا تنبيه على ما دعاه أهل الاشتقاق وأهل التكسير من أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف، كالجهر والهمس والشدة والرخاوة، وأن الواضع لاحظ تلك المناسبة بين اللفظ ومدلوله حين [الوضع]، فوضع للأمر الذي فيه شدة كلمة حروفها شديدة، وللأمر الذي فيه رخوة كلمة حروفها رخوة، كالفصم مثلًا بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير بينونة، والقضم / بالقاف الذي هو حرف شديد للكسر مع البينونة، فيكون لأنفس الكلم تأثير في اختصاصها بالمعاني، وهذه المناسبة هي المرجحة لإرادة الواضع في تخصيصه بعض الألفاظ ببعض المعاني، فحينئذ لا يلزم المحال المذكور؛ لأنه يكون ببعض الحروف مناسبًا لمعنى، وببعضها مناسبًا لآخر، أو تكون جهة مناسبة اللفظ لمعنيين متعددة من غير تناف بين الجهتين، وبأن يدل مثلًا على شيء وبالوضع على آخر،
[ ١ / ٤٠٧ ]