ولم سلم الاتحاد أو التعدد مع التنافي، لكن لا يلزم من مناسبة الشيء بطبعه للمتنافيين حصول طبيعتهما فيه؛ لأن المناسبة الطبيعية بين نسبتين عبارة عن اتحادهما في إضافة تقتضيانهما، ولا يلزم منه حصول طبيعة أحدهما في الآخر، ولا يخفى ما فيه مما تقدم.
احتج عباد وأتباعه: بأنه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية، لكان نسبة اللفظ إلى جميع المعاني على السوية فلا يختص معنى بلفظ، وإلا كان ترجيحًا من غير مرجح.
أجاب: بمنع الملازمة؛ إذ لا ينحصر المخصص في المناسبة، وإرادة الواضع المختار تصلح مخصصة من غير انضمام شيء إليها، كتخصيص الله إيجاد العالم في وقت دون آخر، وكتخصيص الناس الأعلام بالأشخاص.
قال: (مسألة: قال الأشعري: علمها الله بالوحي، أو بخلق الأصوات، أو بعلم ضروري.
البهشمية: وضعها البشر واحد أو جماعة، وحصل التعريف بالإشارة والقرائن كالأطفال.
الأستاذ: القدر المحتاج في التعريف توقيف، وغيره محتمل.
وقال القاضي: الجميع محتمل ممكن، ثم الظاهر قول الأشعري.
قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾.
قالوا: ألهمه أو علمه ما سبق.
قلنا: خلاف الظاهر.
[ ١ / ٤٠٨ ]
قالوا: الحقائق، بدليل ﴿ثم عرضهم﴾.
قلنا: ﴿أنبؤني﴾ يبين أن التعليم لها، والضمير للمسميات.
واستدل: بقوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾، والمراد اللغات باتفاق.
قلنا: التوقيف والإقدار في كونه آية سواء).
أقول: لما كانت الدلالة وضعية، قال الأشعري، وابن فورك، وبعض الفقهاء: الواضع هو الله تعالى، والعلم به بالتوقيف الإلهامي، ولهذا سمي هذا المذهب توقيفًا، والتوقيف إما على طريق الوحي، أو بخلق الأصوات والحروف في بعض الأجسام ويسمعها لواحد أو جماعة إسماع قاصد للدلالة على المعاني، مع خلق علم ضروري في ذلك السامع بدلالة تلك الألفاظ على تلك المعاني، وأنها موضوعة لها، أو لا هذا ولا ذاك بل بأن يخلق فيهم علمًا ضروريًا أن هذا اللفظ وضع لهذا المعنى.
وذهب أبو هاشم وأتباعه إلى أنها اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة، بأن انبعثت دواعيهم إلى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني للفائدة
[ ١ / ٤٠٩ ]
السابقة في مبادئ اللغة، وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن، كما يحصل التعريف بذلك للأطفال.
قيل: تعريف الأطفال يجوز أن يكون بعلم ضروري فيهم، والإشارة والقرائن شرطه هنا.
قلنا: اعتراض على المثال، والمصنف نسب إلى أبي هاشم فقال: «بهشمية»؛ لأن النسب إلى الكناية على وجهين: ينسب إلى / الثاني فتقول في النسب إلى أبي بكر: بكري، وقد يصاغ منهما اسم فينسب إليه، كما يقال في النسب إلى امرئ القيس، مرقسي، وهنا صاغ منهما بهشمي ونسب إليه.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أن القدر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى الوضع توقيف، وغيره يجوز أن يكون اصطلاحيًا وأن يكون توقيفيًا.
وقال القاضي أبو بكر: كل واحد من المذاهب الثلاثة لو فرض لم يلزم منه محال، ولا شيء من أدلة المذاهب المذكورة بمفيد للقطع، فوجب الوقف، اللهم إلا أن يكون النزاع في الظهور لا في القطع، فالظاهر قول
[ ١ / ٤١٠ ]
الأشعري لظهور أدلته.
قال الله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ والتعليم ظاهر في التفهيم بالخطاب، وأنه تعالى الواضع لا البشر، فكذا الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفرق، ولأن التكلم بالأسماء وحدها يعسر؛ ولأن الجميع أسماء في اللغة ومن حيث إنها ترفع المسمى إلى الأذهان والتخصيص اصطلاح نحوي، فيكون المعنى: وعلم آدم أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة الاسم على المسمى وعوض منه الألف واللام، مثل: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ والمخالف تارة تأول التعليم، وتارة تأول ما وقع فيه التعليم.
أما الأول فقالوا: المراد بقوله تعالى: ﴿وعلم آدم﴾ أي ألهمه أن بضع، مثل: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم﴾، أو علمه ما سبق وضعه من خلق قبل آدم.
أجاب: بأنه خلاف الظاهر، إذ المتبادر من تعليم الأسماء تعريف وضعها لمعانيها، والأصل عدم وضع سابق.
وأما تأويلهم ما وقع فيه التعليم، فقالوا: المحذوف المضاف لا المضاف إليه.
[ ١ / ٤١١ ]
والمعنى: وعلم آدم مسميات الأسماء، يدل عليه ﴿ثم عرضهم﴾؛ لأن ضمير المذكر لا يصلح لأسماء، فهو للمسميات التي دل عليها الأسماء، ولما كان في المسميات العقلاء أغلبهم مذكر.
أجاب: بأن التعليم متعلق بما ت علق به الإنباء، والذي تعلق به الإنباء الأسماء، لقوله: ﴿أنبؤني بأسماء هؤلاء﴾، ﴿أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم﴾، ويحققه أن الكلام في معرض الامتنان على آدم بأنه علمه ما لم تعلم الملائكة، وإنما يتبين ذلك إذا سأل الملائكة عما علمه آدم، أما لو سألهم عن شيء آخر، لم يتم الإلزام، لجواز أن يكونوا عالمين بما علمه آدم.
وأما الضمير في ﴿ثم عرضهم﴾ فللمسميات وإن لم يتقدم لها ذكر؛ لأن القرينة الدالة على المسميات وهي كالأسماء مذكورة.
ولو قيل: المراد بالأسماء سمات الأشياء وخصائصها، كان متجهًا.
لا يقال: المراد في الجميع الحقائق.
لأنا نقول: يلزم تكثر المجاز وإضافة الشيء إلى نفسه.
واعلم أن ما ذكروه على الآية إن لم يقدر على أنه معارضة في المقدمة، وإلا كان الجواب كلامًا على المستند.
[ ١ / ٤١٢ ]
واستدل على أنها توقيفية بقوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ وليس المراد الجارحة، إذ لا كبير اختلاف في العضو، وإذ بدائع الصنع في غير اللسان من العين والأذن أكثر، بل المراد اللغات تسمية للشيء باسم محله، أي من آياته خلق اختلاف لغاتكم، وكونه فاعلًا لاختلاف الألسنة من غير واسطة أبلغ، وإلا كانت من آيات غيره /.
أجاب: بأن الحقيقة التي هي الجارحة لما لم تكن مرادة، جاز أن يكون المراد من الألسنة القدرة على الوضع، وحينئذ التوقيف عليها بعد الوضع وإقدار الخلق على وضعها في كون اختلاف الألسنة آية من آيات الله سواء.
لا يقال: الحمل على اللغات أولى لما ذكرنا أولًا، ولأنه مجاز مشهور ولزيادة الإضمار في الحمل على الإقدار؛ [إذ المعنى حينئذ]: ومن آياته [الإقدار على وضع لغاتكم، ولما يلزم من اختلاف الإقدار]، لقوله: ﴿واختلاف ألسنتكم﴾ وهو واحد؛ لأنه معارض بأن القدرة على اللغات أقرب إلى المفهوم الحقيقي؛ لأن القدرة واسطة بين المفهوم الحقيقي واللغات، والأقرب إلى الحقيقة أولى، فتتعارض وتبقى المساواة.
قلت: والحق أن قوله: والمراد اللغات باتفاق لا يصح.
نعم الجارحة ليست مرادة باتفاق، لكن لا يلزم إرادة اللغات؛ لأنه
[ ١ / ٤١٣ ]
أظهر في اختلاف النغمات وأجناس النطق وأشكاله، إذ لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، أو جهارة واحدة، أو رخاوة واحدة، أو فصاحة، أو لكنة، أو نظم، أو أسلوب، يدل عليه اختلاف ألوانكم، إذ لا ترى لونين من ألوان البشر متفقين، ولا كذلك اللغات؛ لأن الخلق الكثير تكون لهم لغة واحدة، ولو كان المراد اللغات لكان التوقيف أظهر من الإقدار لكثرة وجوه ترجيحه كما تقدم.
قال: (البهشمية: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾، دل على سبق اللغات، وإلا لزم الدور.
قلنا: إذا كان آدم هو الذي علمها، اندفع الدور.
وأما جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات أو بعلم ضروري، فخلاف المعتاد.
الأستاذ: إن لم يكن القدر المحتاج في التعريف توقيفًا لزم الدور، لتوقفه على اصطلاح سابق.
قلنا: يعرف بالقرائن والترديد كالأطفال).
أقول: احتج القائلون بأنها اصطلاحية بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ أي بلغتهم، فدل على أن اللغة سابقة على الإرسال، فلو كانت بالتوقف، وهو متوقف على الإرسال، لزم الدور.
أجاب: بمنع الملازمة؛ لأن الله تعالى علمها لآدم كما تقدم، [ولا
[ ١ / ٤١٤ ]
قوم] له، فتأخرت اللغات عن نبوته وتقدمت عن بعثة جميع الرسل، وإن صح إطلاق القوم على بنيه الذين أرسل إليهم، فالله تعالى علمه ذلك قبل نزوله إلى الأرض، ثم بعد نزوله وحدوث بنيه وإرساله إليهم، أرسل إليهم باللسان الذي علمهم آدم، فهو لسان قومه، وهو مما علم آدم قبل ذلك بالتوقيف، فلا دور.
قال في المنتهى: وأما الجواب بأنه يجوز أن يكون التوقيف بغير الرسل من خلق الأصوات أو خلق علم ضروري كما تقدم فلا يلزم الدور، بخلاف المعتاد، وإن كان جائزًا لكنه خلاف الظاهر، إذ المعتاد في التعليم هو التفهيم بالخطاب، على أن الكلام في شيء غير معتاد، فيصلح ما ذكروه لدفع الدور.
احتج الأستاذ: بأن القدر المحتاج إليه في التنبيه على الاصطلاح، وهو القدر الذي به يدعو الإنسان غيره إلى الوضع، لو لم يكن توفيقًا لزم الدور، أما الملازمة؛ فلأنه / لو كان الجميع اصطلاحيًا، لاحتيج في تعليمها إلى اصطلاح آخر سابق عليه، لتوقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر، والمفروض أنه يعرف بالاصطلاح، فيلزم توقفه على سبق الاصطلاح على معرفته، وذلك دور.
قيل: المراد من قوله: على اصطلاح سابق، أي موصوف بالسبق لا
[ ١ / ٤١٥ ]