يكون بين ذاتيهما اتصال أو لا.
والأول المجاورة، والثاني إما أن يحصلا لذات أو لا.
والأول وصفان بينهما تقدم وتأخر، فإن استعمل المتأخر للمتقدم أو بالعكس، فهو ما كان عليه، وما يؤول إليه.
والثاني: أمران لا اتصال بينهما بالذات، ولا هما في محل.
فإن لم يكن لهما حال يشتركان فيها، فلا علاقة قطعًا، وتلك الحال إما صورة محسوسة وهو الشكل، أو غيرها وهو الصفة الظاهرة.
قال: (ولا يشترط النقل في الآحاد على الأصح.
لنا: لو كان نقليًا لتوقف / أهل العربية، ولا يتوقفون.
واستدل: لو كان نقليًا لما افتقر إلى النظر في العلاقة.
وأجيب: بأن النظر للواضع.
ولو سلم، فللاطلاع على الحكمة.
قالوا: لو لم يكن، لجاز: نخلة للطويل غير إنسان، وشبكة للصيد، وابن للأب، وبالعكس.
وأجيب: بالمانع.
قالوا: لو جاز، لكان قياسًا أو اختراعًا.
وأجيب: باستقراء أن العلاقة مصححة، كرفع الفاعل).
أقول: بعد الاتفاق على وجوب العلاقة في المجاز، وعلى اشتراط النقل في نوعها، مثلًا: إذا لم ينقل عن أهل اللغة اعتبار اسم الكل في الجزء، لم يجز لنا أن نطلقه عليه مجازًا.
[ ١ / ٣٢٩ ]
اختلف، هل يشترط في آحاد النوع أن ينقل إلينا عن أهل اللغة أم لا، ويكتفى بالعلاقة في جواز التجوز وهو المختار.
لنا: لو كان نقليًا لتوقف أهل العربية أعني الأدباء في التجوز على النقل ومن استقرأ علم أنها لا يتوقفون ولا يخطئون المتجوز، ولذلك لم يدونوا المجازات تدوينهم الحقائق.
أما الملازمة؛ فلاستحالة وجود المشروط بدون الشرط.
قيل في بيان عدم التوقف: إن الخليل، وسيبويه أطلقوا رفع الفاعل، ونصب المفعول، وكذا أهل كل اصطلاح، ولم ينقل عن العرب.
قلت: فيه نظر؛ لا لما قيل: إنها بالنسبة إليهم حقائق عرفية؛ لأنها بعد صارت حقائق، بل قد يقال: إنها موضوعات مبتدأة، وإلا فأين نقل أصل أنواع هذه المجازات عن العرب؟ ومتى استعمل الدوران في معناه الآن؟ .
واستدل: لو كان النقل في الآحاد شرطًا في الاستعمال، لما افتقر
[ ١ / ٣٣٠ ]
المستعمل إلى النظر في العلاقة عند الإطلاق، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة؛ فلأن المقصود من النظر فيها جواز الإطلاق، فإذا كان النقل عنهم شرطًا في الإطلاق، فلا حاجة إلى النظر فيها لحصول النقل عنهم المستلزم لحصولها.
وأما بطلان التالي؛ فلاتفاقهم على الافتقار إلى النظر فيها.
أجاب أولًا: بمنع انتفاء التالي، وأن المستعمل لا يفتقر إلى نظر فيها، وأن المفتقر إلى النظر هو الواضع.
سلمنا أن المستعمل مفتقر أيضًا، ونمنع الملازمة، والاستغناء عن النظر فيها في جواز الاستعمال لا يوجب الاستغناء مطلقًا، إذ قد يفتقر إليه في الاطلاع على الحكمة لا في الإطلاق، إذ الاطلاع لا يصلح شرطًا للإطلاق، لتقدير كونه نقليًا، وبالجملة النقل شرط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط.
وقيل: المنع الأول راجع إلى الملازمة، والثاني منع لبطلان التالي، كأنه فهم لما افتقر بوجه، فمنع الملازمة للاتفاق على نظر الواضع فيها، لا أن المستعمل يفتقر.
سلمنا أن المستعمل أيضًا يفتقر، لكن للاطلاع لا للإطلاق.
واحتجوا بوجهين:
الأول: لو لم يكن النقل في الآحاد شرطًا، لجاز إطلاق اسم النخلة لكل
[ ١ / ٣٣١ ]
طويل غير إنسان للمشابهة الصورية، وجاز إطلاق الشبكة على الصيد للمجاورة، واسم الأب على الابن للسببية، وبالعكس للمسببية، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلظهور العلاقة المعتبر نوعها في الصور المذكورة، والسببية والمسببية من المجاورة على ما تقدم، وما قيل من أنه من قبيل ما كان عليه، فيه نظر؛ لأن البنوة أمر ثابت لا يفارق إلا أن يريد بالابن الصغر، فيحسن ويترجح بعدم الإطلاق، إذ بالمعنى الأول لا يختلف في جواز الإطلاق /.
وأما بطلان؛ فبالاتفاق.
أجاب: بمنع الملازمة، وأن عدم جواز الاستعمال لثبوت المانع لا لعدم المقتضي، وخصوصية هذه المحال مانع من جواز استعمال اللفظ فيها، وأن أهل اللغة منعوا من الاستعمال في الصور المذكورة.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأن المنع لم يثبت عنهم، وتجويز المانع مع ثبوت المقتضي لا يرفع جواز الاستعمال، فلم يبق المانع إلا عدم النقل وهو المدعى.
والأولى في الجواب: أنه لم يثبت المشابهة في الصور المذكورة في أخص الصفات وأشهرها، فلم يكن علاقة معتبرة، فيكون التخلف لعدم المقتضي.
الوجه الثاني: لو جاز الإطلاق في الآحاد بمجرد وجود العلاقة من غير سماع، لكان إما بالقياس أو الاختراع، فاللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة؛ فلأن إطلاق لفظ الحقيقة على تلك الصورة المعينة إما على جامع بينها وبين المجازات المسموعة أو لا، والأول قياس في اللغة، والثاني اختراع لغة، وكلاهما باطل.
[ ١ / ٣٣٢ ]