والأعداد، وأنواع الروائح، وهي غير متناهية، والألفاظ متناهية لتركبها من الحروف المتناهية، وما تركب من المتناهي فمتناهي، وإذا وزعت على المعاني [بحيث] يخص كل معنى بلفظ، خلت أكثر المسميات عن الأسماء لعدم استغراق المتناهي لغير المتناهي.
وأما بيان بطلان اللازم؛ فلأن الحاجة ماسة إلى التعبير عن المعاني، فلابد من الوضع لها.
أجاب أولًا: بمنع الملازمة، وتقريره: أن قولكم في بيانها: المعاني غير متناهية، تريدون المعاني المتضادة، وهي الأمور الوجودية التي يمتنع اجتماعها في محل واحد في وقت واحد كالسواد والبياض، والمختلفة وهي التي حقائقها مختلفة ولا يمتنع اجتماعها في محل كالحركة والبياض، أو المتماثلة وهي الأمور المتفقة الحقائق كأفراد الأنواع.
إن أردتم الأول، فلا نسلم أنها غير متناهية، وإن أردتم الثاني فلا يفيد عدم تناهيها في بيان اللزوم، إذ يكفي الوضع للمشترك فلا يلزم الخلو.
سلمنا أن المختلفة والمتضادة غير متناهية، لكن المتعقل منها متناه، لامتناع إحاطة الذهن بما لا يتناهى، والوضع إنما يحتاج للمتعقل.
سلمنا أن المتعقل غير متناه، ولا نسلم أن الألفاظ متناهية، وكونها ركبت من متناه لا يستلزم تناهيها، والمستند أسماء العدد، فإنها اثنا عشر
[ ١ / ٣٠٨ ]
والمركب منها غير متناه، ولم يرفض الشيخ في الشفاء من هذه الأنواع الثلاثة إلا الثاني.
قلت: وهو الحق؛ لأن أنواع الأعداد متضادة مع عدم تناهيها، وأما الاعتراض على هذا المنع بأن الوضع للقدر المشترك يوجب المجاز في الأفراد، بأنه سلم أن عدم تناهي المتماثلة يفيد الاشتراك، [ثم منعه في قوله: لا نسلم أن المتعقل غير متناه حتى يلزم الاشتراك]، فيكون منعًا غير موجه فساقط /؛ لأن استعمال المتواطئ في كل فرد باعتبار المعنى الموجود فيه حقيقة وإنما يكون مجازًا باعتبار خصوصيته، ثم هو أولى من الاشتراك، ولأنه إنما سلم من المتضادة، والمختلفة غير متناهية فقط.
وأما المنع الثالث؛ فلأن المراد من التركيب التركيب الخاص كما هو الموجود من أن الكلمة ثلاثية ورباعية وخماسية، وأسماء الأعداد إنما لم تتناه للتكرار؛ لأنك تقول: مائة ألف ألف ألف إلى ما لا نهاية له، ولا يستقيم ذلك هنا، ثم سلم المصنف الملازمة ومنع بطلان اللازم، وإليه أشار بقوله: (منعت الثانية) فإنه يجوز خلو أكثر المسميات، إذ من المعاني المختلفة أنواع
[ ١ / ٣٠٩ ]
الروائح ولم يوضع لها، ولم يختل المقصود من الوضع، إذا يمكن التعبير عنها بالإضافة إلى المحل.
قال: (واستدل: لو لم يكن لكان الموجود في القديم والحادث متواطئًا لأنه حقيقة فيهما، وأما الثانية؛ فلأن الموجود إن كان الذات فلا اشتراك، وإن كان صفة فهي واجبة في القديم، فلا اشتراك.
وأجيب: بأن الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ كالعالم والمتكلم).
أقول: استدل أيضًا على وقوع المشترك بدليل آخر مزيف، تقريره: لو لم يكن المشترك، لكان صدق الموجود على القديم والحادث متواطئًا، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة، فلأنه يطلق على عليهما بطريق الحقيقة اتفاقًا، كما قال في المنتهى، وكما في الإحكام، وهو المراد من قوله: (لأنه حقيقة فيهما) إذ لا يريد أنه وضع لكل واحد منهما، وإلا لكان مصادرة، وهذا البيان أولى من قولهم: إذ لو كان مجازًا لصح نفيه؛ لأنها علاقة فاسدة عند المصنف وإذا كان حقيقة فيهما، فلو انتفى الاشتراك اللفظي لثبت المعنوي الذي هو أعم من المتواطئ والمشكك، وهو مراده على توسع.
[ ١ / ٣١٠ ]
وأما بطلان التالي وإليه أشار بقوله: (وأما الثانية)؛ فلأن المسمى بالموجود إما أن يكون عين ذات القديم وعين ذات الحادث، أو صفة زائدة عليهما، وأيًا ما كان لا اشتراك معنوي.
أما الأول؛ فلمخالفة ذاته تعالى لسائر الذوات بتمام حقيقتها، إذ لو لم تخالفها في شيء لزم وجوب الكل، وإن خالفتها في البعض لزم تركيب ذاته وهو محال.
وإن كان صفة، فهي واجبة في القديم وممكنة في الحادث، فلا تكون شيئًا واحدًا مشتركًا، وإلا لكان الواحد بالحقيقة واجبًا لذاته ممكنًا لذاته.
أو نقول: الوجوب والإمكان متنافيان، وتنافي اللوازم ملزوم لتنافي الملزومات.
وتقرير الجواب: أن نمنع بطلان الثاني، ونختار أنه صفة، والوجوب والإمكان لا ينفيان الاشتراك المعنوي إلا إذا كانت الصفة واجبة لذاتها في القديم وليس كذلك؛ لأن وجوبها لذات الموصوف، ولا ينافي الإمكان الذاتي، والمراد بوجوبها أنها ممتنعة الزوال، نظرًا إلى ذات الموصوف لا إلى ذات الوجود.
ومعنى وجوبها، أن ذات القديم من حيث هي تقتضي تلك الصفة.
ومعنى إمكانها: أن ذات الممكن من حيث هي لا تقتضيها.
ويجوز أن تكون صفة واحدة مشتركة بين مختلفين بالحقيقة، وأحدهما يقتضي تلك الصفة لذاته فتكون واجبة، والآخر لا يقتضيها فتكون ممكنة،
[ ١ / ٣١١ ]
مع أن تلك الصفة مشتركة من حيث المعنى [بينهما]، كالعالم والمتكلم اشترك فيهما القديم والحادث من حيث المعنى، مع كونه واجبًا / في القديم ممكنًا في الحادث بعين ما ذكرنا، وتنافي اللوازم لا يستلزم ألا يكون من الملزومات قدر مشترك، لجواز أن يكون مشككًا كما هنا.
قال: (قالوا: لو وضعت لاختل المقصود من الوضع.
قلنا: يعرف بالقرائن، وإن سلم فالتعريف الإجمالي مقسوم كالأجناس).
أقول: احتج المانعون: بأنه لو وضع لاختل المقصود من الوضع، واللازم باطل.
بيان اللزوم؛ أن المقصود من الوضع إفهام المخاطب مراد المتكلم، وفهم المراد من اللفظ المشترك ممتنع، لتساوي دلالته بالنسبة إلى معانيه.
وأما بطلان التالي؛ فلأنه مهما انتفى الموجب للوضع ينتفي وضع المشترك وإلا لزم وقوع الممكن بدون سببه، فثبت أنه يلزم عدم وقوعه على تقدير وقوعه، وأنه محال.
والجواب: منع الملازمة، لجواز أن يعرف مراد المتكلم بالقرائن.
سلمنا الاحتلال التفصيلي إما لخفاء القرائن أو لعدمها، لكن لا نسلم أن الإفهام التفصيلي مقصود من الوضع دائمًا، إذ قد يكون المقصود الإفهام الإجمالي، كأسماء الأجناس فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها، فتفيد القدر
[ ١ / ٣١٢ ]