ثم قال: والحق أن كون المجاز أغلب، لا يقابله شيء مما ذكر.
قال: (مسألة: الشرعية واقعة خلافًا للقاضي، وأثبت المعتزلة الدينية أيضًا.
لنا: القطع بالاستقراء أن الصلاة للركعات، والزكاة والصيام والحد كذلك، وهي في اللغة للدعاء، والنماء، والإمساك مطلقًا، والقصد مطلقًا.
قولهم: باقية والزيادات شروط.
رد: بأنه في الصلاة، ولا داع ولا متبع.
قولهم: مجاز، إن أريد استعمال الشارع لها فهو المدعى، وإن أريد أهل اللغة فخلاف الظاهر، لأنهم لم يعرفوها، ولأنها تفهم بغير قرينة).
أقول: لا نزاع في وقوع الحقيقة اللغوية والعرفية.
وأما [الحقيقة] الشرعية وهي شاملة للمنقول الشرعي، وهو اللفظ الموضوع لمعنى ثم نقل في الشرع إلى معنى ثانٍ لمناسبة بينهما، وغلب استعماله في الثاني حتى صار المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق من غير قرينة، هو المعنى الشرعي، وشاملة للموضوعات المبتدأة وهي ألفاظ وضعها الشارع لمعان، إما من غير نقل من اللغة، أو معه لكن من غير اعتبار مناسبة، ولا نزاع في الإمكان، والخلاف في الوقوع.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ومختار المصنف وقوعها مطلقًا، وبه قال المعتزلة [بالمعنى] الثاني.
قال الإمام فخر الدين: «زعموا أن الحقيقة الشرعية منقسمة إلى أسماء أجريت على الأفعال كالصلاة والزكاة، وإلى أسماء أجريت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق، وهذا الضرب يسمى بالحقائق الدينية»، والمصنف لا يوافقهم على أن ما أجري على الفاعلين حقائق شرعية.
ونفاها القاضي، وبعض الفقهاء.
فأما القاضي فقال: «إن الواقع في الشرع من ذلك باق على حقيقته اللغوية، ولم يزد في معناها، والزيادات شروط لصحة تلك المدلولات الشرعية، والشرط خارج».
وقال الفقهاء: إنا لشرع ما وضع ابتداء ولا نقل، وإنما تجوز عن المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية لمناسبة، فهي مجازات لغوية؛ لأنها على طريقتهم لا حقائق شرعية، ضرورة انتفاء الوضع الذي هو جزء مفهوم
[ ١ / ٣٥٤ ]
الحقيقة، هذا تحقيق النقل في هذا المكان.
احتج المصنف: بأن القطع حصل بالاستقراء أن الصلاة اسم للركعات بما فيها من الأقوال والهيئات، والزكاة للمقدار المخرج من النصاب، والصيام للإمساك الشرعي زمانًا مخصوصًا مقرونًا بنية، والحج لقصدٍ مخصوصٍ، وهذه المعاني متبادرة إلى الذهن عند إطلاق هذه الألفاظ بدون قرينة، بعد أن كانت في اللغة الصلاة للدعاء، والزكاة للنماء، والصيام / للإمساك مطلقًا، والحج للقصد مطلقًا، وهذا ما حصل إلا بتصرف الشرع ونقله إليها، وهو معنى الحقيقة الشرعية.
قيل: قوله: (الصلاة للركعات) يبطل مذهب النافي.
وقوله: (وهي في اللغة الدعاء) يبطل مذهب المعتزلة.
وفيه نظر؛ لأنها عندهم أعم من أن تكون منقولة لم تعتبر فيها المناسبة، أو غير منقولة فجاز أن يكون المذكور لم يعتبر الشارع فيه مناسبة، نعم لم ضم
[ ١ / ٣٥٥ ]
إلى ما ذكر قولنا: لو لم يعتبر الشرع المناسبة لزم الاشتراك، انتهض عليهم. واعترض على الدليل المذكور من وجهين:
أحدهما: قولكم: الصلاة للركعات، نمنعه، بل هي باقية على معانيها اللغوية، والشارع أوجب تلك المعاني اللغوية، واعتبر في إسقاط الفرض بها شروطًا لا يسقط الفرض بدونها، فلا نقل، فكانت الصلاة المجزئة شرعًا صلاة لغوية مقترنة بالركعات، لا أن الصلاة اسم للركعات.
رد: بأنها لو كانت باقية على معانيها اللغوية، لم يصح استعمالها في صورة فقدان تلك المعاني، لكن الصلاة لغةً إما الدعاء أو الاتباع، ومنه سمي المصلي وهو التالي في الحلبة، وقد فقد الأمران في صلاة الأخرس المنفرد. وفي هذا الرد نظر؛ لأن الدعاء لا يختص باللسان.
وأيضًا: الاتباع موجود؛ لأنها تابعة الإيمان، وأيضًا: لا ينحصر معنى الصلاة لغة فيما ذكر، مع أنه كلام على المستند.
الثاني من جانب الفقهاء: لا نسلم أن الاستعمال المذكور بطريق الحقيقة، وإنما بطريق المجاز والعلاقة متحققة، والدعاء جزء الركعات، وتسمية الكل باسم الجزء مجاز مشهور، والزكاة للنماء وهو سبب للشرعي، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقيل: إنه من جانب القاضي، أي لو سلّم أن الزيادات داخلة في مفهومها، لزم كونها مجازًا، فلا تكون حقائق شرعية.
ثم أجاب: ما تريدون بكونها مجازًا؟ .
إن أردتم أن الشارع استعملها في معانيها لمناسبة للمعنى اللغوي اصطلاحًا لم يعهد من أهل اللغة ثم اشتهر حتى صار يفهم بغير قرينة، فهو الحقيقة الشرعية.
وإن أريد أن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني والشارع تبعهم فيه، فهو خلاف الظاهر لوجهين:
الأول: أنهم لا يعرفون تلك المعاني، واستعمال اللفظ في المعنى فرع معرفته.
الثاني: أن هذه المعاني تفهم من هذه الألفاظ عند الإطلاق من غير قرينة فلا تكون مجازًا.
قلت: وفيه نظر؛ إذ له أن يختار الأول، ولا يلزم من الاستعمال الوضع الذي هو جزء المفهوم الحقيقي، فقد يكون الشارع تجوز للعلاقة، واشتهر حتى صارت قرائن الأحوال دالة على أن مراد الشارع عند استعمالها المعنى المجازي، فلا يلزم أن يكون حقيقة، وهذا مدعانا لا مدعاكم.
فقوله: (وهو المدعى) ليس كذلك.
قال: (القاضي: لو كان كذلك لفهمها المكلف، ولو فهمهما لنقل
[ ١ / ٣٥٧ ]
لأنا مكلفون مثلهم، والآحاد لا تفيد، ولا تواتر.
وأجيب: بأنها فهمت بالتفهيم بالقرائن، كالأطفال.
قالوا: لو كانت لكانت غير عربية، [لأنهم لم يضعوها، وأما الثانية فلأنه يلزم ألا يكون القرآن عربيًا.
وأجيب: بأنها عربية] بوضع الشارع لها مجازًا، أو أنزلناه ضمير السورة، ويصح إطلاق / اسم القرآن عليها، كالماء والعسل، بخلاف نحو: المائة والرغيف. ولو سلم، فيصح إطلاق العربي على ما غالبه عربي كشعر فيه فارسية وعربية).
أقول: قال القاضي: لا تكون هذه الأسماء حقائق شرعية، وإلا لزم أن يفهمها الشارع للمكلفين أولًا، لأن الفهم شرط التكليف، ولو فهمها لنقل إلينا، لأنا مكلفون مثلهم، والفهم شرط التكليف، ولو نقل إلينا، فإما بالتواتر ولم يوجد قطعًا، وإلا لما وقع خلاف، وإما آحاد ولا تفيد العلم.
أجاب: بأنها فهمت لنا ولهم بالترديد بالقرائن، كالأطفال يتعلمون اللغات من غير أن يصرح لهم بوضع اللفظ للمعنى، لامتناعه بالنسبة إلى من لا يعلم شيئًا من الألفاظ، وهذا طريق قطعي لا ينكر، فإن عنيتم بالتفهيم والنقل ما ذكرتم منعنا الملازمة، وإن عنيتم ما هو أعم منعنا بطلان التالي، والشارع فهمهم حال الخطاب لا قبله بالقرائن.
احتجوا أيضًا: بأن الأسماء المذكورة لو كانت حقائق شرعية، لكانت غير عربية، واللازم باطل.
[ ١ / ٣٥٨ ]
أما الملازمة؛ فلأن نسبة الألفاظ إلى اللغات إنما كنسبة دلالتها بالوضع على المعاني في تلك اللغة، وواضعوا لغة العرب لم يضعوها على ذلك التقدير فلا تكون عربية، وأما الثانية؛ فلأنه يلزم ألا يكون القرآن عربيًا؛ لأن ما بعضه عربي وبعضه غير عربي لا يكون عربيًا كله، [لكنه عربي كله]، لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾.
أجاب أولًا: بمنع الملازمة، أي لا نسلم أنها تكون [غير] عربية، وإنما يلزم ذلك لو لم يضعها الشارع لشيء يكون بينه وبين المعنى اللغوي مناسبة، والشارع عربي، فهي مجازات لغوية؛ لأن معنى كون اللفظ عربيًا إفادته لمعناه على طريق العرب، إما على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز، فلما نقلها واشتهرت في الثاني، صارت حقائق.
سلمنا، ونمنع بطلان التالي.
قولكم: «لكنه عربي كله» نمنعه، وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه﴾ ضمير السورة، وقوله: (ويصح إطلاق اسم القرآن عليها) جواب عن سؤال تقريره: السورة بعض القرآن، والقرآن اسم للمجموع، وبعض الشيء غيره.
أجاب: أن القرآن اسم جنس يطلق على القليل والكثير منه، ولذلك لو
[ ١ / ٣٥٩ ]
حلف أن لا يقرأ القرآن حنث بسورة، وجزء الشيء إذا شارك غيره في معناه صح أن يقال هو كذا، وهو بعض كذا بالاعتبارين، كالماء والعسل، إذ القرآن الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، فما وجد فيه هذا المعنى أطلق عليه قرآن، بخلاف ما إذا لم يشارك الجزء الكل في المعنى، كالمائة والرغيف.
سلمنا أن الضمير للقرآن لا للسورة، لكن لم لا يجوز أن يكون بعضه غير عربي، ويطلق العربي على المجموع لكون غالبه عربيًا، كشعر فيه ألفاظ فارسية، فإنه يقال له عربي وإن كان بطريق المجاز، لكن الأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمنع الأول أحسن، لكن بتقدير أن تكون مبتدأ من غير نقل، المنع الثاني أولى.
قال: (المعتزلة: الإيمان التصديق، وفي الشرع العبادات؛ لأنها الدين المعتبر، والدين الإسلام، والإسلام الإيمان، بدليل ﴿ومن يبتغ﴾ فثبت أن الإيمان العبادات، وقال تعالى: ﴿فأخرجنا من كان / فيها من المؤمنين﴾، وعورض بقوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾.
قالوا: لو لم يكن لكان قاطع الطريق مؤمنًا وليس بمؤمن؛ لأنه مخزي بدليل: ﴿من تدخل النار فقد أخزيته﴾ والمؤمن لا يخزى، بدليل: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾.
وأجيب: بأنه للصحابة، أو مستأنف).
أقول: قالت المعتزلة: «الإيمان التصديق لغة، وفي الشرع العبادات
[ ١ / ٣٦٠ ]
المخصوصة»، ولا مناسبة مصححة للتجوز قطعًا.
أما الأول: فبالإجماع.
وأما الثاني: فلأن العبادات هي الدين المعتبر، لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ أي الملة المستقيمة المعتبرة، وذلك إشارة إلى جميع ما ذكر، فثبت أن العبادات هي الدين المعتبر، والدين المعتبر هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فغير المعتبر لا يكون إسلامًا، والإسلام الإيمان، لأنه لو كان غيره لم يقبل من مبتغيه، لقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه﴾، لكن الإيمان مقبول من مبتغيه، ينتج: العبادات إيمان، ينعكس: الإيمان هو العبادات.
وأيضًا: الإسلام الإيمان لأنه استثنى المسلمين من المؤمنين، والمنقطع مجاز والمتصل يدل على دخول المستثنى في المستثنى منه فالمسلمون مؤمنون، فالإسلام إيمان. ثم قال. (وعورض بقوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا﴾)، وهذا يصلح أن يكون معارضة في المقدمة.
وتقريره: أن ما ذكرتم من الآيتين وإن دلتا على أن الإسلام هو الإيمان، لكن عندنا ما ينفيه؛ لأنه لو كان الإسلام هو الإيمان لما ثبت الإسلام عند
[ ١ / ٣٦١ ]
سلب الإيمان، والتالي باطل لقوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾، يصح أن يكون معارضة للدليل.
وتقريره: الإيمان ليس العبادات والإ لكان إسلامًا بعين ما ذكرتم، وليس بإسلام لقوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا﴾، وفي هذه المقدمات نظر.
أولًا: نمنع عود الإشارة إلى جميع المذكور، وظاهر أنه إلى الإخلاصفقط، سلمنا قولكم: لو كان غيره لم يقبل من مبتغيه، نمنعه، والآية دلت على أن الدين الذي هو غير الإسلام غير مقبول، لا على أن كل شيء ما عدا الإسلام غير مقبول، فجاز أن يكون غير دين فلا يلزم أن لا يكون مقوبلًا.
قلت: ونلتزمه، وهو مذهب السلف وأكثر العلماء؛ لأنهم يقولون: الإيمان في الشرع التصديق والنطق بالشهادة، بحيث لو أخل بأحدهما لم يكن مؤمنًا، وأما الآية فلا تدل إلا على أن المسلم هو المؤمن، ولا يلزم من صدق شيئين على شيء اتحاد مفهوم ذينك الشيئين، إذ شرط الاستثناء صدق أحدهما على الآخر، لا اتحاد المفهومين.
سلمنا، ولا ينعكس إلا بعض الإيمان عبادات، وليس المدعى.
قالوا: لو لم يكن نفسها، لكان قاطع الطريق مؤمنًا؛ لأنه لو لم يكن فعل العبادات، لكان نفس تصديق النبي ﷺ، إذ لا قائل بثالث إجماعًا، فحينئذ يكون قاطع الطريق مؤمنًا لوجود التصديق الخاص منه.
وأما بطلان التالي؛ فلأن قاطع الطريق مخزي، ولا شيء من المؤمن
[ ١ / ٣٦٢ ]