قال: (مسألة: الحقيقة: اللفظ المستعمل في وضع أول، وهي: لغوية، وعرفية، وشرعية، كالأسد، والدابة، والصلاة.
والمجاز: المستعمل في غير وضع أول على وجه يصح).
أقول: الحقيقة: فعيلة من الحق، وجاء فعله لازمًا بمعنى ثبت، ومنه حقت العذاب، وجاء متعديًا، حققت الشيء أي أثبته، وفعيل أي بمعنى فاعل كعليم، وبمعنى مفعول كجريح، فمن الفعل الأول بمعنى ثابت، ومن الثاني بمعنى مثبتة، فالتاء على الأول لا إشكال في أنها للتأنيث؛ لأن فعيل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بتاء التأنيث، وعلى الثاني فالتاء أيضًا للتأنيث؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول إنما يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان الموصوف مذكورًا، وإلا وجب تأنيثه رفعًا للبس، والموصوف الكلمة، هذا اختيار صاحب المفتاح.
وقيل: إن التاء على الوجه الأخير لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية فصار شبه التأنيث من حيث إنه ثان، كما أن المؤنث ثانٍ.
قيل: إنها بمعنى الثابتة أو المثبتة ثم نقلت إلى الاعتقاد المطابق للواقع لكونه ثابتًا في نفسر الأمر، أو المثبتة ثم نقلت إلى القول المطابق لكون مدلوله ثابتًا، أو مثبتًا ثم نقلت إلى ما ذكر المصنف، وهو اللفظ المستعمل؛ لأنه ثابت في
[ ١ / ٣٢١ ]
موضعه أو مثبت فيه، فيكون منقولًا في المرتبة الثالثة.
وفيه نظر؛ لأن المناسبة متحققة بين الأول والأخير، فيجوز أن ينقل من المعنى اللغوي إلى المفهوم المصطلح ابتداء من غير واسطة، وتكون كلها مجازات عن اللغوي.
وأيضًا: ما ذكر إنما يقال فيه حق لا حقيقة، فلفظ الحقيقة في المعنى المحدود مجاز لغوي، وحقيقة عرفية.
ورسمها المصنف: (باللفظ المستعمل في وضع أول)، فاللفظ كالجنس، والمستعمل يخرج المهمل واللفظ قبل الاستعمال.
وقوله: (في وضع) أي فيما وضع له، وفيه تساهل، فتخرج الأعلام لأنها مستعملة في غير ما وضعت له.
وقوله: (أول) يخرج المجاز؛ لأنه في وضع ثانٍ، إن قلنا إن المجاز موضوع، وإن قلنا ليس بموضوع وهو الحق، على أن المصنف ما جزم بواحد منهما ها هنا.
وقيل: إن كلامه قبل يعطي أنه موضوع؛ لأنه أحد أقسام / المفرد الموضوع، وليس كذلك، وإنما جعله من أقسام الموضوع باعتبار كونه موضوعًا للمعنى الحقيقي فقط، فـ «أول» يكون زائدًا.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقيل: المراد بـ «أول» أي في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، ففائدته دخول الشرعية والعرفية وإلا خرجت؛ لأنها لم تستعمل فيما وضعت له أولًا، والحق أن اللفظ لا يدل عليه على هذا الوجه.
وقيل: أن قيدًا في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، يغني عنه ما ذكر المصنف، ولذلك ذكر فقال: (في وضع أول)، فتدخل الحقائق الثلاث، وتخرج المجازات الثلاث: اللغوي كالصلاة للركعات، والعرفي كالدابة لكل ما يدب، والشرعي كالصلاة للدعاء، ضرورة أنها من حيث كونها مجازات مسبوقة بالوضع الأول.
قلت: وفي خروجها نظر؛ لأنها وإن كانت مسبوقة بوضع أول، لكن صدق أنها استعملت في وضع أول أيضًا.
قال بعض الشراح: لفظ «في» ليس صلة للمستعمل، وإلا لكان المراد بوضع ما وضع له، وهو خلاف ظاهر اللفظ، وترد المجازات الثلاث، حتى يزاد في العرف الذي به التخاطب، أما إذا كان معناه المستعمل بحسب وضع أول، دخلت الحقائق الثلاث، [وخرجت المجازات الثلاث]، إذ ليست بحسب وضع أول بل بالمناسبة، أو بوضع غير أول لوحظ فيه وضع سابق، وهذا كقولهم: مستعمل في العرف ومستعمل في الشرع، وهو حسن.
وحينئذ تظهر فائدة أول، وهو خروج المجازات المذكورة، ولم يستلزم
[ ١ / ٣٢٣ ]
أن المجاز موضوع.
قيل: «أول» من الأمور الإضافية التي لا تعقل إلا بالنسبة إلى ثان، فيكون حد الحقيقة مستلزمًا لحد المجاز، فيتوقف عليه ويدور.
وجوابه بعد تسليم أن إضافي: أن يستلزم مفهوم الثاني، أو الوضع الثاني، وليس ذلك نفس المجاز ولا ملزومًا له.
ولو سلم، فغايته أن تصور الحقيقة والمجاز معًا ليس بمحال، وهذا التعريف يعم الحقائق الثلاث؛ لأن الوضع المعتبر فيه إما اللغة كالأسد للمفترس أو لا، وهو إما الشرع كالصلاة للركعات وقد كانت للدعاء أو لا وهي العرفية، وهذه إما من قوم مخصوصين وتسمى عرفية خاصة أو لا، وهي العامة، وغلب اسم العرفية فيها، اسم الاصطلاحية على الخاصة.
والمجاز: مفعل من الجواز بمعنى العبور، والمفعل للمصدر أو للمكان، ثم نقل إلى ما ذكره المصنف، فهو مجاز في الدرجة الأولى من جهتين:
الأولى: أنه انتقال الجسم من حيز إلى حيز، فإذا اعتبر في اللفظ كان شبيهًا.
الثاني: أنه اسم للمصدر أو للمكان، وقد أطلق بمعنى الفاعل؛ لأن اللفظ منتقل فكان مجازًا أيضًا، وهو مجاز لغوي، حقيقة عرفية.
[ ١ / ٣٢٤ ]