قال: (خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فورد ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فزيد بالاقتضاء، أو التخيير.
فورد كون / الشيء دليلًا وسببًا وشرطًا، فزيد أو الوضع، فستقام.
وقيل: بل هو راجع إلى الاقتضاء والتخيير.
وقيل: ليس بحكم
وقيل: الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به، أي لا تفهم إلا منه؛ لأنه إنشاء فلا خارج له).
أقول: لما كان الحاكم هو الشارع، فالحكم هو الشرعي، والكلام في تعريفه، وأقسامه، ومسائل تتعلق بأقسامه.
أما تعريفه، فقال الغزالي: «إنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين».
وعرّف المتقدمون الخطاب بأنه: الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيئ لفهمه، وعرّفه قوم: بأنه ما يقصد به الإفهام، أعم من أن يكون من قصد إفهامه متهيئًا أم لا.
قيل: والأولى أن يفسد بمدلول ما يقصد به الإفهام؛ لأن الكلام عند
[ ٢ / ٥ ]
الأشعري هو النفسي، والنفسي لا يقصد به الإفهام.
وفيه نظر؛ لأن قصد الخطاب مع النفس أو الغير، فصل الكلام النفسي عن العلم.
فقوله: (خطاب) كالجنس البعيد، وبإضافته إلى الله تعالى خرج خطاب العبد، وما ثبت بالنسبة أو بالإجماع إنما وجب بإيجاب الله، والرسول ﷺ والإجماع كاشفان عن ذلك ومعرفان له.
وقوله: (المتعلق بأفعال المكلفين) يخرج خطابه المتعلق بذاته وصفاته، والألف واللام في المكلفين ليست للعموم، يتناول ما لا يعم من الأحكام كخواص النبي ﷺ، وما هو حكم لبعض دون بعض.
فورد على طره مثل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فإنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين وليس بحكم.
[ ٢ / ٦ ]
فزيد في الحدّ بالاقتضاء أو التخيير ليندفع النقض؛ لأن ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ ليس فيه اقتضاء ولا تخيير، وإنما هو إخبار، فورد بسبب ازدياد القيد المذكور عدم الانعكاس بخروج الأحكام الوضعية، ككون الشيء دليلًا كدلوك الشمس للصلاة، وسببًا كالزنا للحدّ، وشرطًا كالطهارة للبيع، فإنها أحكام لا اقتضاء فيها ولا تخيير.
ولما اعترف بعض الأصوليين يورود هذا، زاد في الحدّ أو الوضع، فاستقام الحدّ.
فالحكم المحدود هو المتعلق أحد التعلقات؛ لأن المحدود أنواع للحكم [لا يمكن] حدّها بحد واحد، فـ «أو» للتفصيل، بالاقتضاء جزء لأحد الحدّين، والتخيير جزء للآخر، والوضع جزء للآخر.
[ ٢ / ٧ ]
وبعضهم صحح الحدّ بدون هذه الزيادة، فمنهم من منع خروجها عن الحدّ، ومنهم من منع كونها من المحدود، أما من منع خروجها؛ فلأن كون الدلوك دليل على دخول وقت الصلاة يرجع إلى الوجوب؛ إذ معناه أن الله تعالى أوجب الصلاة عنده؛ لأنه جعله دليل اقتضاء للعمل به، وجعل الزنا سببًا لوجوب الحدّ هو إيجاب الحد عنده، وجعل الطهارة شرطًا لصحة البيع جواز الانتفاع بالمبيع عندها وحرمته / دونها، فيرجع إلى الإباحة.
والمراد بالاقتضاء أو التخيير ما هو أعم من الصريح والضمني، والوضعي من الضمني، ومن منع كونها من المحدود قال: إنها علامات للحكم، أي يكون الحكم عندها، فلو زيد في الحدّ ما ذكر لاختل الطرد.
واعلم أن المراد من الخطاب هنا هو القديم؛ لأنه عرّف به الحكم، والحكم ليس بلفظ.
قيل: منع كون هذه الأشياء من المحدود أولى من ادعاء رجوعها إليه؛ لأن كون سببية الدلوك عبارة عن وجوب الصلاة عنده؛ وكون البيع صحيحًا عبارة عن الانتفاع بالمبيع بعيد، مع أن إباحة الانتفاع قد تختلف عن البيع الصحيح، كالبيع بشرط الخيار لهما، فإنه صحيح ولا يباح الانتفاع.
قلت: وفيه نظر؛ لأن ما يجب المسبب به أو عنده، فتفسير سببية الدلوك للصلاة بوجوب الصلاة عنده لا بُعْدَ فيه.
[ ٢ / ٨ ]
والصحة عبارة عن استنباع الغاية من البيع بإباحة الانتفاع بالمبيع في الحال أو بعده، فلا بُعْدَ أن يراد بصحة البيع إباحة الانتفاع، ولا يرد بيع الخيار نقضًا؛ لأن فيه إباحة الانتفاع في ثاني حال.
قيل: الحكم الشرعي ما استفيد من الخطاب لا نفس الخطاب، فلا يعرف به، وفيه نظر؛ لأن الأحكام الخمسة أعني: الإيجاب والتحريم وباقيها هي كلماته النفسية، وليس الخطاب إلا ذلك، والوجوب والحرمة ليس بحكم، وإن أطلقوه عليه فهو على تساهل منهم.
واعترض المعتزلة الحدّ المذكور: بأن خطاب الله عندكم قديم والحكم حادث، فلا يعرف به، وإنما قلنا إنه حادث؛ لأنه يوصف بالحادث، فإنّا نقول: حلت بعد أن لم تحل، فالحكم الذي هو الحل موصوف بأنه حاصل بعد أن لم يكن حاصلًا، وهو معنى الحادث، والقديم لا يوصف بالحادث. [وأيضًا]: يوصف به فعل العبد، فيقال: هذا وطء حلال، أي ذو حلٍ، وفعل العبد حادث، فالصفة أولى.
وأيضًا: الحكم يعلل بفعل العبد، كقولنا: حلّت بالنكاح وحرمت بالطلاق، ما كان معللًا بالحادث الذي هو النكاح والطلاق اللذان هما فعل
[ ٢ / ٩ ]
العبد، أولى أن يكون حادثًا.
وأيضًا: لا ينعكس بخروج الحكم بضمان الصبي لكونه غير مكلف.
والجواب: لا نسلم أن الحكم يوصف بالحادث، بل الحادث تعلق الحكم إذ معنى حلّت بعد أن لم تحل: تعلق الحلّ بعد أن لم يتعلق، ولا يلزم من حدوث لا تعلق حدوث المتعلق الذي هو الحكم.
ولا نسلم أن الحكم في قولنا: وطء حلال، صفة لفعل العبد، بل الحكم متعلق به؛ إذ معناه: هذا وطء تعلق الحلّ به، ولا يلزم من تعلق الشيء بالشيء كونه صفة له، ومعنى كونه حلالًا: كونه مقولًا فيه إني رفعت الحرج / عن فاعله.
فالمتعلق قديم وتعلقه ومتعلقه حادثان، كالقول المتعلق بالمعدوم، كما يقال: شريك الإله ممتنع، فإن هذا القول متعلق بمعناه الممتنع في الخارج، وليس صفة لمعناه، وإلا لزم قيام الصفة الوجودية بالممتنع مع أن ما يقع صفة للحادث بواسطة ذو لا يجب أن يكون حادثًا، إذ يقال: العبد ذو ربّ، ولا نسلم أن الحكم معلل بفعل العبد، بل هو معرّف له، كالعلم الحادث المعرَّف للصانع القديم.
قال بعض الشراح: هذا تسليم أن قدم الخطاب يستلزم قدم الحكم وهو ممنوع؛ لأن الحكم هو الخطاب المقيدة بهذه القيود لا الخطاب وحده،
[ ٢ / ١٠ ]
ولا يلزم من قدم الجزء قدم الكل؛ لأن المراد بقولنا المتعلق بأفعال المكلفين: أنه خطاب من شأنه أن يتعلق بأفعال المكلفين؛ لأنه متعلق بالفعل بجميع أفعالهم، وإلا لم يوجد حكم أصلًا.
وإذا كان المراد كذلك لم يكن حادثًا وإلا لزم حدوث قدرة الله تعالى وعلمه، إذ من شأنهما التعلق بالمقدور والمعلوم الحادثين، ولا نسلم أيضًا أن معنى تعلق الضمان بالصبي أنه مطلوب به، بل معناه تكليف الولي بالأداء من مال الصبي.
قيل: جعل الشيء ونحوه سببًا إنما يثبت بالإخبار، كقوله: جعلت الدلوك سببًا، والوضوء شرطًا فحينئذ يكون سابقًا على الإخبار؛ لأن شرط صحة الإخبار عن الشيء كونه سابقًا، يريد فلا يدخل تحت الحكم الذي هو قديم.
وردّ: بأن الصيغة وإن كانت صيغة إخبار لكن المعنى إنشاء، فلا يتوقف على السبق كصيغ العقود، وقول بعض الشراح: يجوز أن يجعله الشارع سببًا ثم يخبر عنه فاسد؛ لأن خبره تعالى قديم.
قال الآمدي: «والأولى أن يقال في حدّ الحكم الشرعي: إنه خطاب الشارع بفائدة شرعية»، فخطاب الشارع احتراز من خطاب غيره، والقيد الثاني احتراز من خطابه بفائدة عقلية.
وأورد عليه المصنف في المنتهى: أن الفائدة إن فسرت بمتعلق الحكم
[ ٢ / ١١ ]
فدور وإضمار لا دليل في اللفظ عليه، وإلا ورد على طرده الإخبار بما لا يحصى من المغيبات، مثل: ﴿ألم غلبت الروم﴾، فزيد تختص به، أي لا تحصل إلا منه ولا دور؛ لأن حصول الشيء غير تصوره.
فتصور الفائدة سابق، وحصولها متأخر عن الحكم، والخبر لما كان له معنى ثابت في النفس، ولفظ يدل عليه، ومتعلق لذلك المعنى يشعر بوقوعه في الخارج، فإن كان مطابقًا فصدق وإلا فكذب، فهو إذًا مما يمكن علم وقوع متعلقه بغير الخبر؛ لأنه لما كان شرط صحة الإخبار عن شيء كونه سابقًا، على أن الإخبار كان بكل خبر خارجي سابق تحقيقًا أو تقديرًا، ولهذا احتمل الصدق والكذب بمطابقته للخارجي وعدم مطابقته له، على أن الخبر / الكاذب يجوز ألا يكون مسبوقًا بخارجي، وأما الإنشاء نحو: (فعل) فلا خارج له عن النفس يراد إعلامه، إنما يراد به إعلام النفس الذي هو الطلب، لأن الإنشاء هو المقتضي لوجود معناه بخلاف الخبر، فالإنشاء لا يعلم إلا بالتلفظ باللفظ الدال عليه توقيفًا فمثل: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، ﴿كتب عليكم الصيام﴾ متردد بين كونه حكمًا أو خبرًا.
قيل: قيد يختص به مستغنى عنه؛ لأن وصف الفائدة بالشرعية يشعر بأنه إلا تحصل إلا من الشرع، وفيه نظر.
[ ٢ / ١٢ ]