وقال: (معًا) لأن الدال بالمطابقة قد يكون مفردًا ومركبًا لكن في حالين، كعبد الله علمًا وغير علم.
وفيه نظر؛ لأن دلالة الالتزام ليست مهجورة مطلقًا لاعتبارها في الحد الناقص والرسم، وثانيًا: لا محذور في اللازم؛ لأن المفهوم التضمني فيه تعدد فيجوز أن يكون اللفظ بالنسبة إلى أحد المفهومين مفردًا وإلى الآخر مركبًا.
قال: (وينقسم المفرد إلى: اسم، وفعل، وحرف).
أقول: هذا تقسيم آخر للمفرد، ووجه الحصر أن اللفظ المفرد إن لم يستقل بالمفهومية فهو حرف، وإن استقل بالمفهومية، فإن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة فهو الفعل، وإلا فهو الاسم، وقد علم بذلك حدودها، للإحاطة بالمشترك، وبما به امتياز كل واحد وهو الفصل.
قال: (ودلالته اللفظية في كمال معناها دلالة مطابقة، وفي جزئه دلالة تضمن، وغير اللفظية التزام، وقيل: إذا كان ذهنيًا).
أقول: الدلالة: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
وذلك الشيء إن كان لفظًا فالدلالة لفظية، وإلا فغير لفظية، كدلالة الخطوط، وعقد الحساب، والإشارات، والنصب، ودلالة الأثر على المؤثر. واللفظية منحصرة في ثلاثة بحكم الاستقراء، وهو كاف في مباحث الألفاظ.
وضعية: كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.
وطبيعة: كدلالة أح على وجع الصدر.
وعقلية: كدلالة اللفظ المسموع على وجود اللافظ /.
[ ١ / ٢٩٤ ]
والعقلية والطبيعية غير منضبطتين، لاختلافهما باختلاف الأفهام والطباع فاختص النظر بالوضعية وهي: كون اللفظ بحيث إذا أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه للعلم بالوضع.
ثم الوضعية: إما مطابقة، أو تضمن، أو التزام؛ لأن ما يدل عليه اللفظ بطريق الوضع، إما تمام المعنى الموضوع له، أو جزؤه، أو خارج عنه.
والأول: مطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى.
والثاني: تضمن؛ لأنه في ضمن المعنى الموضوع له.
والثالث: التزام؛ لأنه خارج عن المعنى الموضوع له ولازم له.
وقيد في الثلاثة بقولنا: من حيث هو كذلك؛ لأن اللفظ يكون مشتركًا بين الكل والجزء، كالإمكان المشترك بين مفهومه العام والخاص، ويكون مشتركًا بين الملزوم واللازم، كالشمس للجرم والنور، فلم يقيد حد دلالة المطابقة لانتقض بدلالة التضمن والالتزام؛ لأنه إذا أطلق الإمكان وأريد مفهومه الخاص، دل على الإمكان العام تضمنًا، مع أنه يصدق أنه دلالة اللفظ على تمام مسماه، وعند التقييد لا انتقاض؛ لأنها ليست من حيث إنه وضع له، وإذا أطلق لفظ الشمس وأريد الجرم، دل على النور التزامًا، مع أنه تمام ما وضع له، ولا انتقاض عند التقييد؛ لأن تلك الدلالة ليست من حيث هو موضوع له، بل من حيث هو لازم، وكذا لو لم يقيد في الدلالتين لانتفضتا بالمطابقة؛ لأن لفظ الإمكان إذا أريد منه الإمكان العام، دل مطابقة مع أنه جزء ما وضع له، ولا نقض عند التقييد؛ لأنها ليست من حيث هو جزؤه، وكذلك إذا أريد من لفظ الشمس الضوء الدلالة مطابقية وهو لازم
[ ١ / ٢٩٥ ]
ما وضع له، لكن ليست من حيث هو لازم.
قيل: لا ينفع التقييد على هذا الوجه؛ لأن اللفظ المشترك عند إرادة المعنى الكلي أو الملزوم يدل على الجزء واللازم مطابقة، غايته أنه يدل عليه دلالتين من جهتين، فيصدق عليه الحد.
قلت: صدق الحد عليه باعتبارين لا يضر؛ لأن دلالته عليه مطابقة من حيث هو تمام أيضًا، ودلالته عليه تضمن لا من حيث هو تمام، والضمير في ودلالته يعود على المفرد، وفي كمال معناه مستدرك؛ لأنه احتراز عن جزء المعنى وقد خرج؛ لأن جزء المعنى غير المعنى، وتعديته بفي مستدرك، وإنما يعدى بعلى، وكذا قوله: (معناها) أضاف المعنى إلى الدلالة، وإنما يضاف إلى اللفظ، وأراد التنبيه بأن اللفظ لا ينسب إليه المعنى إلا باعتبارها، وأن الدلالة واحدة، وتختلف التسمية باعتبار ما تنسب إليه.
والمصنف جعل الالتزامية غير لفظية كما فعل صاحب الإحكام، بل قال صاحب الدقائق: «من جعل الالتزامية لفظية فقد أخطأ».
ووجهه: أن الدلالة الوضعية إما أن تكون على المعنى الخارج عن المسمى بواسطة المسمى، أو على المسمى الغير خارج عنه، والثانية لفظية لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى المعنى ابتداء، إما إلى كمال معناه وهو المطابقة، أو إلى جزئه وهو التزام، والأولى غير لفظية بل عقلية؛ لأن الذهن ينتقل من اللفظ إلى معناه، ومن معناه إلى اللازم، والتضمن غير خارج عن مسمى اللفظ
[ ١ / ٢٩٦ ]
بخلاف الالتزام، وإلا فكل منهما منسوبة إلى اللفظ، وكل منهما عقلية.
وشرط المنطقيون في دلالة الالتزام اللزوم الذهني بين المسمى والأمر الخارجي، وهو أن يحصل في الذهن متى حصل المسمى فيه، وإلا لم يفهم من اللفظ المعنى / الخارجي؛ لأن فهم المعنى من اللفظ إما بسبب أن اللفظ موضوع له، أو بسبب انتقال الذهن إليه من المعنى الموضوع له، والكل منتف على ذلك التقدير، فلم يكن دالًا عليه.
وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من عدم الانتقال على الوجه المخصوص عدم الانتقال مطلقًا، لجواز أن ينتقل بواسطة، أو ينتقل باعتبار تصورهما لا تصور المسمى فقط، ولا يشترط اللزوم الخارجي، أي تحقق اللازم في الخارج متى تحقق المسمى فيه، إذ لو كان شرطًا لما تحقق دلالة الالتزام بدونه، لكن العمى يدل على البصر بالالتزام، ولا لزوم خارجي بينهما، هذا معنى قوله.
وقيل: إذا كان ذهنيًا، أي وإلا فلا فهم، فلا دلالة.
والأصوليون لا يشترطون ذلك، بل اللزوم الأعم من الذهني والخارجي وهو أظهر، وإلا لم تنحصر الدلالات لخروج المجازات.
ولأنا نفهم شيئًا من بعض الألفاظ في وقت دون وقت ولا لزوم ذهني.
وأيضًا المسميات دالة على معانيها وليست لوازم ذهنية؛ لأن فهمها بعد كلفة، وكذا دلالة المنطوق على المفهوم، بل بعض دلالات الاقتضاء
[ ١ / ٢٩٧ ]