إثباتـ[ها] نفسها، وأنها قائمة بذات الله ﷾، فإن ذلك من علم الكلام، والعلم به من مبادئ الأصول، فلا دور.
واعلم أن التصديق بالأحكام من حيث هي محمولات مسائل الأصول، كقولنا: الأمر للوجوب، ومن حيث تعلقها بمسائل الأصول، كقولنا: العام إذا خص بمبين يكون حجة في الباقي، لا يكون من المبادئ؛ لأن المسائل تتوقف على المبادئ، فلو استمد الأصول منه لزم توقف الشيء على نفسه.
قال: (الدليل لغة: المرشد، والمرشد: الناصب، والذاكر، وما به الإرشاد.
وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
قيل: إلى العلم به، فتخرج الأمارة.
وقيل: قولان فصاعدًا يكون عنهما قول آخر.
وقيل: يستلزم لنفسه، فتخرج الأمارة).
أقول: لما وقع [له] الدليل من حد [ي] الفقه وأصول الفقه، وكذا العلم، ووقع النظر بعد ذلك من تعريف الدليل، عرفها لتعلم.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال الآمدي ومن تابعه: «إن هذا من المبادئ الكلامبية».
ولما كانت من المبادئ، تعرض لها أولًا.
وفيه نظر؛ لأن البحث عن الدليل وأقسامه لا يختص به الكلام، مع أن ما بعد هذا منطق، فلا ينسب إلى مبادئ الكلام لكونه آلة لجميع العلوم. والدليل: فعيل بمعنى فاعل، أي دال، قال الجوهري: «يقال: دل دلالة ودلالة، بفتح الدال وكسرها، والفتح أعلى.
وقيل: الفتح في الأعيان، والكسر في المعاني، يقال: دله على الطريق دلالة، ودل الدليل دلالة».
قال المصنف في الأمالي: «لغة» انتصب على أنه مصدر مؤكد، أي
[ ١ / ١٦٢ ]
يدل دلالة لغة.
قلت: والمصدر المؤكد لا يتقدم الجملة ولا يتوسطها إلا عند الزجاج.
قيل: قدم على المرشد، لبيان أنه لدلالة الدليل، ولو أخر لصلح لكل منهما.
قيل: وليس بتمييز عن النسبة، إذ لا إبهام في حمل المرشد على الدليل ولا عن المفرد وهو الدليل، إذ الإبهام غير مستقر لكونه مشتركًا.
قلت: ولا عن مضاف محذوف بمعنى مدلول الدليل، إذ المميز مطلقًا موصوف في الأصل عما انتصب عنه، ولا توصف اللغة بذلك، ولا ينصب بإسقاط الخافض لالتزامهم تنكيره.
وفي عرف الفقهاء: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب
[ ١ / ١٦٣ ]
خبري.
فما يمكن، يشمل القول وغيره، وهو المعنى الحاصل في الذهن.
وقوله: (بصحيح النظر) يخرج المقدمات الصحيحة المرتبة ترتيبًا أن ترتبها ترتيبًا صحيحًا وقد حصل، ويخرج ما يمكن التوصل به بالنظر الفاسد كالمقدمات الكاذبة، ولا تخرج المقدمات الصحيحة التي أمكن التوصل بها بنظر فاسد إلى مطلوب؛ لأن إمكان / التوصل بالنظر الفاسد فيها لا ينافي إمكانه بالنظر الصحيح فيها.
وقوله: (إلى مطلوب خبري) يخرج التصوري، هذا إذا أردنا بصحيح النظر إيقاع النظر.
وإن أريد بصحيح النظر الواقع فيه [أيضًا]، دخل القياس المنطقي.
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال المتكلمون: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم به.
والضمير المجرور يعود على المطلوب الخبري فتخرج الأمارة، إذ لا يمكن التوصل بصحيح النظر فيها إلى العلم بالمطلوب الخبري، بل إلى الظن به.
وإنما خص المتكلمون الدليل بقيد العلم؛ لأن الدليل يتوصل به إلى المطلوب، ومطالبهم يقينية، والموصل إلى اليقين لا يكون أمارة.
ولما كانت مطالب الفقهاء عملية، والعمل لا يتوقف على العلم، فلذلك كان الدليل عندهم أعم.
ولما كان أصول الفقه متعلقًا بهما، احتيج فيه إلى الاصطلاححين، فلهذا عرفه بالتعريفين، لكونه مستمدًا من الكلام وأصلًا للفقه.
ولما كان تعلقه بالفقه أقوى - ولهذا سمي بأصول الفقه ولم ينسب إلى الكلام مع كونه مقصودًا للفقه لا لذاته - عرفة في اصطلاح الفقهاء أولًا،
[ ١ / ١٦٥ ]
وأيضًا: موضوع أصول الفقه الأدلة السمعية وهي أعم من العلمي والظني. واعلم أن النقلي الصرف لا يفيد اليقين؛ لأنه ما لم يثبت صدقه لا يفيد، وصدقه لا يعلم إلا بالعقل، بنظره في دلالة المعجزة.
وعرفه قوم بأنه: قولان فصاعدًا يكون عنهما قول آخر، أي قضيتان ولم يقل: مقدمتان؛ لأن المقدمة تعرف بأنها جزء الدليل، فلو عرف بها لدار.
وقوله: (فصاعدًا) ليتناول القياس المركب.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقوله: (لا يكون عنهما قول آخر) ليخرج قضيتان لا يكون عنهما قول آخر، مثل: زيد قائم، عمرو قاعد، وإن كان مجموعهما يستلزم إحداهما، لكن ليس ذلك بقول آخر مغاير لهما، وهذا يشمل البرهان والأمارة؛ لأن قوله: (يكون عنهما [قول آخر]) أعم من أن يكون لازمًا أو لا.
ويشمل الاقتراني، والاستثنائي؛ لأن النتيجة قول يغاير كل واحدة من المقدمتين أيضًا.
وبين الدليل بهذا المعنى وبينه بالأولين عموم من وجه، لصدق الأولين على المعقول دون الثالث لتقييده بالقول، وصدق الثالث دونهما على القضايا المرتبة بالفعل ترتيبًا صحيحًا، وصدقهما على الأقوال الصحيحة الغير مرتبة.
وإن أريد المعنى الثاني فيما تقدم، كان أخص من الأول مطلقًا، وبينه وبين الثاني عموم من وجه، لصدق الثاني دونه على المعقول، وصدق الثالث دونه على المركب من الظنيات.
[ ١ / ١٦٧ ]
وعرفه [بعض] المنطقيين بأنه قولان فصاعدًا يستلزم لنفسه قولًا آخر.
فقوله: (يستلزم) أي مجموعهما، فتخرج الأمارة؛ لأنه ليس بينهما وبين ما تفيده ربط عقلي / يقتضي لزوم ذلك القول عنهما، إذ لو استلزمت شيئًا ما تخلف؛ لامتناع تخلف اللازم عن الملزوم، لا يقال: الأمارة تستلزم لكن لا لنفسها بل مع عدم المانع، لأن المصنف قال في الذي قبله: يكون عنهما قول، ولم يقل: يستلزم، حتى يكون قيد لنفسه يخرج الأمارة.
فقوله: (لنفسه) ليخرج قياس المساواة، كقولنا: (أ) مساوٍ لـ (ب)، و(ب) مساوٍ لـ (ج) [فإنه يستلزم: (أ) مساوٍ لـ (ج)، لكن لا لنفسه بل بواسطة مقدمة أجنبية، وهي مقدمة غير لازمة لشيء من مقدمتي القياس، وهو قولنا: كلما هو مساو لـ (ب)، مساو لـ (ج)، وهذا ليس بدليل عند المنطقيين؛ لأن الدليل عندهم ما يستلزم لذاته، وقول من قال: لنفسه يخرج المستلزم بواسطة عكس إحدى مقدمتيه بعكس النقيض، فاسد على رأي المصنف؛ لأنه بين الضرب الرابع من الشكل الثاني بذلك،
[ ١ / ١٦٨ ]
وهو دليل عند المنطقيين.
ولو قيل: يستلزم لنفسه قيد واحد يخرج الأمارة؛ لأنها تستلزم مع عدم المانع، أو لكون المصنف لم يقل: فتخرج الأمارة وقياس المساواة، لكان أقرب إلى كلام المصنف، وهذا أعم من أن يكون الاستلزام بينًا كالشكل الأول، أو لا كالثلاثة الباقية، ويدخل الاستثنائي أيضًا.
والدليل بهذا المعنى أخص منه، فالثالث مطلقًا وبينه وبين الأولـ[ين] عموم من وجه مما تقدم في الثالث معهما، هذا على التفسير الأول.
وأما على الثاني فهو أخص من الأول مطلقًا، وكذا من الثاني أيضًا.
قال: (ولابد من مستلزم للمطلوب، حاصل للمحكوم عليه، فمن ثم وجبت المقدمتان).
أقول: يعنى أنه لابد في كل دليل من مقدمتين؛ لأن نسبة الأكبر إلى الأصغر لما كان محمولًا، [فلابد] في الدليل من أمر يوجب العلم به، وذلك هو المسمى عند المنطقيين بالحد الأوسط، لتعلقه بطرفي النسبة، فبحسب كل تعلق حصلت مقدمة، والمطلوب انتساب الأكبر إلى الأصغر.
والمراد بقولنا: (حاصل للمحكوم عليه) أنه متعلق به تعلقًا إسناديًا، وعلى هذا يشمل الأقيسة الأربعة، والاستثنائي.
[ ١ / ١٦٩ ]
وإن فسر (حاصل) بمعنى ثابت، لم يتناول إلا الشكل الأول، وضربين من الثاني.
وقيل: مراده الشكل الأول؛ لرجوع الباقي إليه، فيكون المعنى: ولابد من مستلزم حاصل للمحكوم عليه والمحكوم به حاصل له أو مسلوب عنه، ومن ثم أتى، من أجل أنه لابد من مستلزم للمطلوب حصلت الكبرى، حاصل للمحكوم عليه حصلت الصغرى، وهما المقدمتان.
قال: (والنظر: الفكر الذي يطلب به علم أو ظن).
أقول: النظر في اللغة يطلق على الانتظار، وعلى رؤية العين، وعلى الإحسان، وعلى المقابلة.
ويطلق ويراد به الاعتبار، وهذا هو النظر في عرف المتكلمين.
ورسمه القاضي أبو بكر: «بالفكر الذي يطلب له علم أو ظن».
[ ١ / ١٧٠ ]