فيتصف بهما شرعًا أيضًا.
قال: (وعلى الجبائية: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب، لم يكن تعلق الطلب لنفسه، لتوقفه على أمر زائد، وأيضًا: لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفته، لم يكن الباري تعالى مختارًا في الحكم؛ لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فيلزم الآخر فلا اختيار.
ومن السمع: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، لاستلزام مذهبهم خلافه).
أقول: لما كان ما تقدم لا ينهض على الجبائية؛ لأنه إذا كان بوجه واعتبار اندفع الأول بجواز الاختلاف والثاني بجواز الاجتماع، احتج الآن عليهم بالعقل والنقل. أما العقل فوجهان:
الأول: لو حسن الفعل أو قبح لأمر حاصل للفعل غير أمر الشارع ونهيه، لم يكن تعلق الطلب بالفعل لذات الطلب، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلتوقف تعلق الطلب حينئذ على الوجه والاعتبار الزائدين على الفعل.
وأما بيان بطلان التالي؛ فلأن الطلب من حقيقته التعلق، لأن الطلب صفة ذات إضافة تستلزم مطلوبًا عقلًا، ولا تتعلق إلا متعلقة بمطلوب، وما هو للشيء بالذات لا يتوقف على أمر زائد، ثم التعلق نسبة بين الفعل
[ ١ / ٤٣٥ ]
والطلب، والنسبة عقلًا وخارجًا لا تتوقف على غير المنتسبين.
قيل عليه: تعلق الطلب يتوقف على الفعل، والطلب يتوقف على الاعتبار الحاصل للفعل الموجب للحسن أو القبح، والمتوقف على المتوقف متوقف، فحينئذ لا نسلم بطلان التالي.
وردّ: بأن الوجه حادث والطلب قديم، والقديم لا يتوقف على الحادث فالتوقف إنما يكون للتعلق، على تقدير كون الجهة موجبة للحسن، لأنه ما لم تكن الحجة لم يتعلق الطلب به، فيعود السؤال.
قلت: وفيه نظر؛ لأنا نريد التعلق العقلي، فحينئذ يكون أيضًا عقليًا، فلا يلزم توقيف القديم على الحادث، ويكون أحد المنتسبين الفعل الموصوف بتلك الصفة، فما لم / تحصل لا يتعلق الطلب بالفعل، واستلزم الطلب المطلوب عقلًا إنما يدل على وجوب تعلقهما معًا لكونهما إضافيين، لا عدم توقف تعلق الطلب بالمطلوب في الخارج على أمر زائد.
قيل: الضمير في نفسه يعود على الفعل، والتقرير إلخ.
وقيل: إن عاد إلى الطلب كان دليلًا على الجميع، وإن عاد على الفعل كان دليلًا على الجبائية فقط.
واستدل الأصحاب أيضًا بدليل ينهض على جميعهم، تقريره: لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لازمة أو عارضة، لم يكن الباري تعالى
[ ١ / ٤٣٦ ]
مختارًا في الحكم، واللازم باطل إجماعًا.
بيان اللزوم؛ أن الأفعال حينئذ غير متساوية بالنسبة إلى الأحكام؛ لأن الفعل الحسن يكون راجحًا على القبيح في كونه متعلق الوجوب، والقبيح راجح على الحسن في كون متعلق التحريم والحكم بالراجح متعين لأن الحكم بالمرجوح خلاف صريح العقل، فلا يتمكن من تحريم الحسن ولا من إيجاب القبيح فلا يكون مختارًا لوجوب حكمه بالبعض وامتناع حكمه بالبعض.
قيل: إنما يتم لو كان ترك الراجح مطلقًا قبيحًا، أما لو لم يكن كذلك بل كان تركه مع الإتيان بالمرجوح قبيحًا فلا.
وهو فاسد؛ لأنه قبيح مطلقًا عندهم، ثم قد لا يكون بينهما واسطة.
قيل: الوجوب بالغير الذي هو الحسن لا ينافي الاختيار.
قلنا: إن كان الحكم فيه لكونه على وفق الحكمة، لزم تعليل أحكامه تعالى بالحكم والأغراض وهو باطل، وإن لم يكن لذلك كان منافيًا للاختيار وهو الجواب على قول من قال: امتناع الفعل لقيام صارف القبح لا ينافي الاختيار، نعم يقال من جانب الجبائية: الحكم بالمرجوح الاعتباري غير ممتنع وبالراجح الاعتباري غير لازم.
احتج الأصحاب أيضًا على إبطال مذاهب جميع المعتزلة بدليل من السمع تقريره: أن العقل لو كان مدركًا للأحكام، لزم التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعض قبل البعثة، واللازم باطل.
[ ١ / ٤٣٧ ]
أما الملازمة؛ فلتحقق الوجوب والتحريم قبل البعثة على ذلك التقدير، وهما يستلزمان التعذيب عندهم؛ لأنهم لا يجوزون العفو عن الكبائر قبل التوبة.
وأما بطلان اللازم؛ فلقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، ومعنى لاستلزام مذهبهم خلافه، أي في عدم جواز العفو؛ لأن حسن بعض الأفعال وقبح بعضها قبل البعثة مستلزم لوجوب بعضها وحرمة البعض، ومن ترك الواجب أم فعل الحرام عذب، والتعذيب قبل البعثة مناف لمقتضى الآية الثابت، فيبقى مذهبهم وهو إلزامي؛ لأن استحقاق العذاب عن الترك هو لازم الوجوب لا وقوع العذاب، والآية لم تدل على نفي استحقاق العذاب، لكن لما كان لازم الوجوب عندهم العقاب على الترك انتهض عليهم.
أو نقول: وقوع العذاب وإن لم يكن لازمًا لهما، فعدم الأمن من العذاب لازم؛ لترك الواجب وفعل المحرم، وقد دلّت الآية على نفيه قبل الشرع؛ لأن الله تعالى أمنهم من العذاب قبل البعثة بإخباره بذلك، وعلى هذا يكون إلزاميًا، بل برهانيًا.
قيل: المقصود من الرسول العقل، أو المقصود وما كنا معذبين بالأوامر والنواهي الشرعية، أو في الأوامر التي لا يستقل بها العقل، حتى نبعث رسولًا.
[ ١ / ٤٣٨ ]