وكذلك تحذف أيضًا الاستثنائية وهي كالصغرى، ولم يقع الاستثنائي في القرآن إلا وهي محذوفة، وقد تحذف للإبهام، وتسمى ما حذفت فيه إحداهما: بقياس الضمي.
قال: (والضروريات: منها المشاهدات الباطنة، وهي: ما لا يفتقر إلى عقل كالجوع والألم.
ومنها الأوليات، وهي: ما يحصل بمجرد العقل، كعلمك بوجودك، وأن النقيضين يصدق أحدهما.
ومنها المحسوسات، وهي: ما يحصل بمجرد الحس.
ومنها التجريبيات، وهي: ما يحصل بالعادة، كإسهال المسهل، والإسكار.
ومنها المتواترات، وهي: ما يحصل بالأخبار تواترًا، كبغداد ومكة).
أقول: لما ذكر أن مقدمات البرهان تنتهي إلى ضرورية، أشار إلى الضروريات وهي خمس، على أن قوله: (منها) لا يعطي الحصر.
الأول: المشاهدات الباطنة: أي القضايا التي يستفاد التصديق بها من القوى الباطنة، وهي ما يفتقر إلى عقل، أي في حصول طرفيها عند مشاهدها كالجوع والألم، فإذا حصولهما عند مشاهدهما لا يفتقر إلى عقل، ولذلك تحصل للبهائم، وأما الحكم فيها فيفتقر إلى عقل كالمحسوسات الظاهرة، لا يفتقر في حصول طرفيها عند مشاهدها إلى عقل، والحكم فيها
[ ١ / ٢٤٢ ]
يفتقر إلى العقل؛ لأن الحكم بإيقاع النسبة وأن ذلك مطابق لما في الخارج أو لا مطابق أمر العقل. فإن توقف حكم / في القضية على الحس الباطن فهي الوجدانيات، وإن توقف على الحس الظاهر فهي المحسوسات، ومنها الأوليات، وهي التي لا يتوقف الحكم فيها إلا على تصور طرفيها والنسبة، سواء كان تصور طرفيها جزئيًا كعلمك بوجودك، أو كليًا كعلمك أن النقيضين لا يصدق إلا أحدهما، بخلاف غيرهما فإنها بانضمام الحواس أو العادة أو التواتر.
ومنها المحسوسات: وهي القضايا التي يستفاد التصديق بها من الحواس الظاهرة، أعني [الحواس الخمسة]، ويكفي في حصول طرفيها مجرد الحس، كالعلم بأن النار حارة، والشمس مضيئة.
ومنها التجريبيات: وهي ما تحصل بتكرر المشاهدة على وجه يتأكد منها عقد قوي لا شك فيه من غير علاقة عقلية، وهي لا تخلو مع ذلك عن قياس خفي، وهو أن الوقوع المتكرر على نهج واحد لو كان اتفاقيًا ما كثر ولا دام، وقد تختص كعلم الطبيب بإسهال المسهلات، وقد تعم كعلم العامة أن الخمر مسكر.
قيل: عبر عنها بقوله: وهي ما يحصل بالعادة، كحصول الشبع عقب الأكل كمذهب الأشعري، وليس كذلك، بل المراد بالعادة التكرر
[ ١ / ٢٤٣ ]
وما ذكر فغير مختص بهذا المكان، بل في الجميع، إذ العلم في جميع المذكور بالعادة عند الأشعري، مع أنه لا يعلم موافقة المصنف له في ذلك.
ومنها المتواترات: وهي قضايا يحكم العقل بها بسبب توالي الأخبار الموجب لسكون النفس، بحيث لا يبقى شك بسبب كثرتها بحيث يحيل العقل تواطؤ المخبرين على الكذب، ولا دور في تعريف أمر اصطلاحي [بأمر] أقوى.
وأما الحدسيات: وهي التي يجزم العقل بها بسبب حدس النفس لسبب شهادة القرائن دون الأثر، كما يقال: نور القمر مستفاد من نور الشمس، لاختلاف أحواله بسبب قربه وبعده منها.
فقيل: إنها من الضروريات. وقيل: إنها من الظنيات.
وأما القضايا التي قياساتها معها فهي من الضروريات، وعدها بعضهم من النظريات. ط