وفي لفظ المصنف مناقشة، إذ الأحمر لا يدل على ذات متصفة بسواد.
قال: ([مسألة]: لا تثبت اللغة قياسًا خلافًا للقاضي وابن سريج، وليس الخلاف في نحو: رجل، ورفع الفاعل.
أي لا يسمى مسكوت عنه إلحاقًا بتسمية لمعين لمعنى يستلزمه وجودًا وعدمًا، كالخمر للنبيذ للتخمير، والسارق للناش للأخذ خفية، والزاني للائط للوطء المحرم، إلا بنقل أو استقراء التعميم.
لنا: إثبات اللغة بالمحتمل).
أقول: هذه كالخاتمة للمشتق من حيث أطلق الاسم في كل صورة وجد فيها المشترك، واختلف في جواز إثبات اللغة بالقياس.
فمنعه الحنفية، وأكثر الشافعية، وجماعة / من الأدباء.
[واختاره المصنف. وجوزه القاضي أبو بكر منا.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وابن سريج من الشافعية، وأكثر الفقهاء، وأكثر الأدباء].
ثم حرر المصنف محل الخلاف فقال: ليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل والضارب، إذ الرجل موضوع لواحد من ذكور بني آدم أي واحد كان، وكذا الضارب وما في معناه لأنه الموصوف بتلك الصفة، فهو موضوع لكل من تحقق فيه معنى المشتق منه. وليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول فإنا إذا لم نسمع رفع الفاعل مثلًا منا لعرب لا نرفعه بالقياس، بل تتبعنا أوضاعهم فوجدناهم يرفعون كل ما أسند الفعل أو شبهه إليه وقدم عليه، فعلمنا أن كل فاعل مرفوع.
ثم قال: (أي لا يسمى مسكوت عنه) فأي تفسير يعني أن محل الخلاف هل يسمى مسكوت عنه باسم إلحاقًا له بمعين سمي بذلك الاسم، لمعنى تدور معه التسمية بذلك الاسم في غير المسكوت عنه وجودًا وعدمًا، فيظن أنه ملزوم للتسمية، وأنه حيث ما وجد وجدت التسمية به.
فقوله: «لا يسمى مسكوت عنه»، بدل من قوله: «لا تثبت اللغة قياسًا»، و«إلحاقًا» مفعول من أجله وبه يتعلق بتسمية، ويصح أن يتعلق بلا
[ ١ / ٣٨٧ ]
يسمى، و«لمعين» يتعلق بتسمية، و«لمعنى» يتعلق بلا يسمى ولا يتعلق بتسمية، إذ لم يتحقق أن التسمية لأجل المعنى، والضمير في «يستلزمه» يعود على الاسم الذي هو معنى التسمية.
وهذا كتسمية النبيذ خمرًا إلحاقًا له بالعقار، لأجل التخمير الموجود فيهما الذي دارت معه التسمية، فماء العنب إذا لم توجد فيه لا يسمى خمرًا، وإذا وجدت سُمي به، وإذا زالت سُمي خلًا، وكذا تسمية النباش سارقًا للأخذ خفية، وتسمية اللائط زانيًا للإيلاج المحرم.
وقوله: (إلا بنقل أو استقراء التعميم) يصح أن يكون متصلًا من قوله: لا تثبت اللغة إلا ننقل أو استقراء التعميم، فلا تثبت قياسًا.
وليس الخلاف في [نحو] رجل، ورفع الفاعل؛ لأن الأول بالنقل، والثاني بالاستقراء، ويصح أن يكون استثنى من لا يسمى مسكوت عنه إلا بنقل التعميم أو استقراء التعميم، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه؛ لأنه وإن سكت عن هذا الشخص مثلًا لكن التعميم منقول عنهم، وإن لم يظهر ذلك وحملنا النقل على التنصيص عليه عينًا لم يكن مسكوتًا عنه، فيكون الاستثناء منقطعًا.
وقيل: إنه راجع إلى المثل، أي إلا أن يثبت في شيء من هذه الصور نقل أو استقراء فيخرج عن محل النزاع، ولا يكون المثال مطابقاُ ولا يضر ذلك، إذ المراد بالمثال التفهيم لا التحقيق.
احتج: بأنه لو جاز القياس في اللغة، لكان إثباتًا للغة بالمحتمل واللازم
[ ١ / ٣٨٨ ]
باطل، أما الملازمة؛ فلأن الواضع يجوز أن يكون الحامل له على التسمية وجود المعنى المشترك، ويجوز أن يكون الحامل له على التسمية معنى يختص بذلك المعين، ولا ترجيح لأحدهما. وأما بطلان التالي؛ فبالاتفاق.
وقد يقرر بوجه آخر وهو: أنه يحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلًا على التعدية، ويحتمل أن لا يكون لاحتمال تصريحهم بالمنع، كما منعوا طرد الأدهم، والأبلق، والأحول، والأخيل، والقارورة، فعند السكوت يبقى على احتمال المنع.
وأما الثانية؛ فلأنه بمجرد احتمال وضع / اللفظ للمعنى، لا يصح الحكم بالوضع فإنه تحكم. وأيضًا: [كان] يجب الحكم بوضع اللفظ بغير قياس إذا قام الاحتمال وهو باطل اتفاقًا.
والتقرير الأول أظهر؛ لقوله بالمحتمل، وإلا لقال: مع الاحتمال.
قيل: فيه مصادرة، إذ الغرض أن التسمية لمعنى يستلزمه وجودًا وعدمًا فكيف يقال: يحتمل أن يكون علة للتسمية، ولا يكون علة له.
وأجيب: بأن ذلك إنما يستلزم لو كان [لمعنى] يتعلق بتسمية.
[ ١ / ٣٨٩ ]
لا يقال: من قال لمعنى يستلزمه التسمية وجودًا وعدمًا فلا يكون إثباتًا لها بالمحتمل. لأنا نقول: يستلزمه في غير المسكوت، فسقط الاعتراض.
قال: (قالوا: دار الاسم معه وجودًا وعدمًا.
قلنا: ودار مع كونه من العنب، ومال الحي، وقبلًا.
قالوا: ثبت شرعًا والمعنى واحد.
قلنا: لولا الإجماع لما ثبت، وقطع النباش وحد النبيذ، إما لثبوت التعميم، وإما بالقياس، لا لأنه سارق أو خمر بالقياس).
أقول: احتج المثبت بوجهين:
الأول: أن الاسم دار مع المعنى وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي ماء العنب الذي فيه الشدة فإنه يسمى خمرًا، وأما عدمًا فلأنه قبلها يسمى عصيرًا وبعدها خلًا، فقد دار الاسم مع التخمير، وكذا اسم السارق مع الأخذ خفية، وكذا اسم الزاني مع الوطء المحرم، والدوران دليل عليه المدار الذي هو المعنى، وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة.
أجاب: بالمعارضة على سبيل القلب، أي دار أيضًا مع المحل ككونه ماء العنب، ومال الحي، ووطء في القبل، وإذا كانت العلة نفس المحل أو
[ ١ / ٣٩٠ ]
جزؤه، بطل الإلحاق على ما سيأتي، وكما جاز أن تكون العلة ما ذكرتم، جاز أن تكون جزء علة، فلو أثبتنا به التسمية لكان إثباتًا بالمحتمل، مع أن الدوران لا يفيد العلية.
الثاني: لو لم يثبت القياس لغة لم يثبت شرعًا، أما الملازمة؛ فلأن ما ذكرت من الاحتمال قائم فيه، فلو كان مانعًا منع من القياس الشرعي.
وجوابه: المنع، وإنما يلزم ذلك لو لم يقم الإجماع على جواز الإلحاق عند الاحتمال.
وله تقرير آخر وهو: أنه ثبت القياس شرعًا فيثبت لغة، إذ المعنى الموجب للإلحاق واحد وهو الاشتراك في معنى يظن اعتباره.
أجاب: بأنا لا نسلم أن المعنى الموجب واحد، إذ الموجب الشرعي هو الإجماع، أو الإجماع مع ظن اعتبار المشترك المذكور.
قوله: (وقطع النباش وحد النبيذ) جواب عن سؤال مقدر تقريره: لو لم يصح القياس لغة لما قطع النباش، ولما حد شارب النبيذ؛ لأن النص إنما ورد في السارق وشارب الخمر، وقد أوجب مالك والشافعي الحد فيهما.
أجاب: بأن ذلك إما بتعميم اسم الخمر للنبيذ، والسارق للنباش بالنقل، على ما ذكر في نحو: رجل، لا بالقياس لغة، وإما بالقياس الشرعي للأمر الجامع بينهما، لا بالقياس اللغوي.
[ ١ / ٣٩١ ]