غير مقيد في معنى، فإذا استعملوه في غيره مقيدًا بذلك الغير أو بلوازمه، علم أنه مجاز، كنار الحرب، وجناح الذل؛ لأن الغرض من وضع اللفظ أن يكتفى به في الدلالة على المعنى، فإذا قيدوه عُلم أنه استعمل في غير الموضوع إذ لم يكتفوا بذلك اللفظ، فكان ما اكتفوا فيه به حقيقة إذ هو الأغلب، أو لأن عادتهم ألا يستعملوا الحقائق مقيدة، ويستعملون المجازات مقيدة.
وقال: (بالتزام تقييده) لأن المشترك قد يقيد لكن لم يلتزموا تقييده [والمثال معترض بقوله تعالى: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾].
السادس: أن يكون اللفظ المستعمل في موضعين يتوقف استعماله في أحدهما على استعماله في الآخر، وعبر عنه في المنتهى بأن يكون إطلاقه لأحد المسميين متوقفًا على تعلقه بالمسمى الآخر، فالمتوقف مجاز، كالمكر بالنسبة إلى الله تعالى، لما كان متوقفًا على تصور مسمى المكر من الخلق كان مجازًا، وما ذكر من الآية ليس استدلالًا على التوقف، لجواز أن لا يكون متوقفًا، بل قد وقع مثل: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾، بل الدليل النقل عن أهل اللغة أنهم لا يسندون المكر إلى الله قبل أن يسندوه إلى غيره.
قال: (واللفظ قبل الاستعمال ليس بمجاز ولا حقيقة.
وفي استلزام المجاز الحقيقة خلاف، بخلاف العكس.
المستلزم: لو لم يستلزم لعري الوضع عن الفائدة.
[ ١ / ٣٤١ ]
النافي: لو استلزم لكان لنحو: قامت الحرب على ساق، وشابت لمة الليل حقيقة. وهو مشترك الإلزام، للزوم الوضع.
والحق أن المجاز في المفرد، ولا مجاز في التركيب.
وقول عبد القاهر في نحو: أحياني اكتحالي بطلعتك: «إن المجاز في الإسناد»، بعيد لاتحاد جهته.
ولو قيل: لو استلزم لكان للفظ الرحمن حقيقة، ولنحو: عسى كان قويًا).
أقول: اللفظ قبل الاستعمال لا يتصف بكونه حقيقة ولا مجازًا لانتفاء حديهما عنه، واتفقوا على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، إذ قد يستعمل اللفظ فيما وضع له ولا يستعمل في غيره البتة، واختلفوا في المجاز، هل يستلزم الحقيقة؟ .
فذهب بعض الحنفية إلى أن كل لفظ استعمل في غير ما وضع له، لابد وأن يكون مستعملًا فيما وضع له أولًا.
وذهب الأكثر إلى أنه لا يستلزم ذلك.
احتج القائل بالاستلزام: بأنه لو لم يستلزم، لعري / الوضع عن الفائدة، واللازم باطل.
[ ١ / ٣٤٢ ]
بيان اللزوم؛ أن فائدة الوضع للمعنى إفادة ذلك المعنى من ذلك اللفظ، فإذا لم يستعمل فيه، عري الوضع الأول عن الفائدة.
وضعفة بين، ولذلك لم يتعرض له المصنف.
وبيانه: منع الملازمة، إذ الفائدة لا تنحصر فيما ذكر، ومن فوائده أن يتجوز عنه.
سلمنا، ونمنع بطلان التالي، وليس كلما يقصد به فائدة تترتب عليه.
احتج النافي للاستلزام: بأنه لو استلزم المجاز الحقيقة، لكان لنحو: قامت الحرب على ساق، وشابت لمة الليل، ونحوها من المركبات حقائق، واللازم باطل. أما الملازمة؛ فلأن المذكور مجاز بالنسبة إلى ما استعمل فيه، مع أنه لم يستعمل في غيره.
وأجاب عنه بنقيضين: إجمالي وتفصيلي، وهو أن المجاز مسبوق بالوضع لمعنى اتفاقًا، فيجب أن تكون هذه المركبات موضوعة لمعنى، وليس كذلك.
وهو إلزامي، يعني نفس هذا الدليل يمكن به إلزام الخصم بالمعارضة، إما في المقدمة، أو في الحكم.
أما أولًا: فبأن نقول: ما ذكرت ليس مجازًا، وإلا لكان موضوعًا لمعنى للزوم سبق الوضع على المجاز.
أو نقول: لو لم يستلزم، لكان ما ذكرت موضوعًا لمعنى.
ثم أجاب بالجواب الحق وهو: أن قولك: لكان لنحو قامت الحرب حقيقة يعني مفرداته، نسلم الملازمة ونمنع بطلان التالي، فإن «قام» وضع
[ ١ / ٣٤٣ ]
أولًا للإخبار عن انتصاب قامةٍ في زمن ماض واستعمل فيه، و«الساق» للعضو المخصوص، و«شاب» للإخبار عن اختلاط سواد الشعر ببياضه، و«اللمة» للشعر المحاذي لشحمة الأذن، وهي مستعملة في ذلك.
وإن عنيت لابد لها مركبة من حقائق من حيث هي مركبة، منعنا الملازمة، إذ لا مجاز في المركب، ويكون «قام» استعمل للشدة، فهو في غير ما وضع له، فيكون مجازًا لغويًا في المفرد.
ثم أورد على نفسه سؤالًا وهو: أن عبد القاهر الجرجاني من أئمة البيان، قال في نحو «أحياني اكتحالي بطلعتك»: إن المجاز في الإسناد، فإن الإحياء بمعنى المسرة مجاز، والاكتحال بمعنى الرؤية مجاز، وإسناد أحدهما إلى الآخر مجاز، إذ فاعل السرور هو الله تعالى.
أجاب: بأنه قول بعيد؛ لأن الإسناد المذكور لو كان مجازًا لكان له جهتان: جهة كونه مجازًا، وجهة كونه حقيقة، كالأسد للمفترس وللشجاع، لكن جهة وضعه الأول ليس إلا إسناد الإحياء إلى الاكتحال؛ لأن هذا الإسناد موضوع لذلك وضعًا أوليًا وهو ظاهر، ولو كانت تلك الجهة هي جهة كونه مجازًا لاتحدت جهة الإسناد، فيكون الإسناد الواحد من
[ ١ / ٣٤٤ ]
جهة واحدة مجازًا غير مجاز، فحينئذ يكون التجوز في إضافة الفعل إلى السبب العادي.
واعلم أن العلماء اختلفوا في نحو: أنبت الربيع البقل، لعدم كون الربيع فاعلًا حقيقة، فلابد من تأويل في اللفظ، أو في المعنى، أو في التركيب، فهذه أربع:
الأول: التأويل في المعنى، وهو أنه أورده ليتصور، فينتقل الذهن منه إلى إنبات الله فيه فيصدق به، وهو قول الإمام فخر الدين، وأن المجاز عقلي لا لغوي.
الثاني: أن التأويل في أنبت، وهو السبب العادي، وإن كان موضوعًا للسبب الحقيقي، وهو قول المصنف.
الثالث: التأويل في الربيع، بأن يتصور بصورة فاعل حقيقي، فأسند إليه كما يسند إلى الفاعل الحقيقي، وهو قول السكاكي.
الرابع للجرجاني: التأويل في التركيب، وهو أن كل هيئة تركيبية وضعت بإزاء تأليف معنوي، وهذه وضعت لملابسة / الفاعلية، فإذا
[ ١ / ٣٤٥ ]
استعملت لملابسة الظرفية كان مجازًا، نحو: صام نهاره، وقام ليله.
والحق أنها تصرفات عقلية، ولا حجر فيها، والكل ممكن، وإذ قد ظهر المقصود، فيصح حمل كلام المصنف (لا مجاز في التركيب) أي المجاز الغير عقلي، ومراد عبد القاهر المجاز العقلي، ولا محذور؛ لأن جهة إسناد المجاز العقلي هو خلاف ما عند المتكلم من الحكم، وجهة الإسناد الحقيقي العقلي هي ما عند المتكلم من الحكم، ضرورة أن المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم لضرب من التأويل، إفادة للخلاف لا بتوسط وضع، والحقيقي هو المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه، والظاهر أن النزاع في أن المجاز يستلزم الحقيقة إنما هو في المفرد لا في المركب، وظهر أن المجاز في المفرد يخالف المجاز في المركب وكذا الحقيقة، ولا يدخلان تحت حد واحد، وأن المجاز العقلي سمي مجازًا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي، لا لكونه مستعملًا في غير ما وضع له، وسمي عقليًا لعدم رجوعه إلى الوضع، إذ صيغ الأفعال والفاعلين غير منقولة، فليس المجاز إلا في نسبته تلك الأفعال إلى أولئك الفاعلين، وذلك أمر عقلي.
ثم قال: (ولو قيل: لو استلزم المجاز الحقيقة لكان للفظ الرحمن حقيقة) لأنه مجاز في الباري تعالى [لأنه من الرحمة] وهي رقة القلب، وذلك محال على الله تعالى، فيكون مجازًا، وأيضًا: فعلان وضع للمذكر حقيقة،
[ ١ / ٣٤٦ ]