ورد الثاني أيضًا: بأنا نختار القسم الأول.
قوله: (الاستنباط يتوقف على معرفة التفصيلية).
قلنا: نعم، لكن لا على التفصيل، بل يتوقف [على] معرفة التفصيلية بالجملة، وذلك غير خارج عن الأربعة؛ لأن معرفة الأدلة الكلية على وجه كلي، معرفة الأدلة التفصيلية بوجوه.
ورد الثالث: بأنه عبر بلفظ الترجيح عنه وعن الوقف والتخيير، وبلفظ الاجتهاد عنه وعن التقليد، إطلاقًا لاسم المقابل [الأهم] على الشيء ومقابله.
قال: (فالمبادئ: حده، وفائدته، واستمداده).
أقول: قدم [الكلام على] المبادئ وضعًا لتقدمها طبعًا؛ لأن من حاول علمًا لابد أن يتصوره، إذ لا يطلب ما لا يتصور فائدته؛ لأن
[ ١ / ١٣٥ ]
طلب ما لا فائدة فيه عبث، وأن يحصل ما يستمد منه أولى؛ ليستعين به على تحصيل المطلوب، والحصر في الثلاثة استقرائي.
والمتقدم طبعًا: هو الذي يحتاج إليه المتأخر، ولا يكون علة له، والثلاثة كذلك. والمبادئ عند المنطقيين هي: الأشياء التي ينبني مباحث ذلك العلم عليها، وهي: إما تصورات، وهي تعريف أشياء تستعمل في ذلك العلم، وهي: موضوعه، وأجزاؤه، وأنواعه، وأعراضه الذاتية، وأنواعها.
وإما تصديقات، وهي المقدمات التي يتألف منها قياسات منتجة لمسائل ذلك العلم، وهي إما بينة بنفسها، / وإما مسلمة في ذلك العلم غير مبرهن
[ ١ / ١٣٦ ]
عليها فيه، لبناء مسائل ذلك العلم عليها، سواء كانت مسلمة في نفسها أو مقبولة، على أن يبرهن عليها في علم آخر.
فالحد والفائدة ليسا من المبادئ على هذا، فلا تكون أجزاءً للأصول وإن كانت أجزاءً للمختصر لأن المبادئ عندهم [من] أجزاء العلم، وإنما يسمون المذكور مقدمات العلم، ولقائل أن يقول: المذكور من أجزاء العلم. أما الاستمداد؛ فلأن العلم ينبني عليه، والمبادئ هي الأشياء التي ينبني عليها العلم، فالاستمداد من المبادئ لأصول الفقه، ومن المسائل لعلم الكلام، وعلم العربية، وعلم الفقه.
وصرح سيف الدين بأن الاستمداد من المبادئ، والحد أيضًا من المبادئ، لاستلزامه تعريف الموضوع وذلك من المبادئ، [وكذا القول بعينه في الفائدة].
واعلم أن المبادئ تطلق على ما يتوقف عليه المقصود بوجه، وهو المستعمل عند أكثر الأصوليين، فإن توقف تصوره عليه فهو الحد، وإن توقف باعتبار الشروع فهو الفائدة، وإن توقف البحث عن مسائله عليه
[ ١ / ١٣٧ ]