لأنه كائن في المكان المغصوب والمعصية مستمرة، وإن كان في حركاته حالة الخروج ممتثلًا للأمر، كالصلاة في الدار المغصوبة، يمتثل بها من وجه، ويعصي من آخر».
واستبعده المصنف؛ لأن المعصية لا تكون إلا بفعل منهي عنه أو ترك مأمور به، وإذا سلم أنه مأمور بالخروج مع انقطاع النهي عنه، فلا يبقى للحكم بالمعصية وجه.
وللإمام أن يمنع كون المعصية لا تكون إلا بأحد الوجهين المذكورين؛ لأن عصيانه عنده بارتباكه في المعصية، مع أنه انقطع النهي عنه.
فإن قيل: يتعلق الأمر بتخليص ملك الغير والنهي [بالغصب]، كما قال في الصلاة في دار الغصب.
قلنا: يلزم التكليف بالمحال هنا، بخلاف ثم، فإنه يمكن الامتثال، وإنما جاء ذلك في اختيار المكلف الجمع، وهنا يتعذر الإمساك بالخروج لو كان منهيًا عنه.
قال: (مسألة: المندوب مأمور به، خلافًا للكرخي والرازي.
لنا: أنه طاعة، وأنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب.
قالوا: لو كان لكان تركه معصية، ولما صح: «لأمرتهم بالسواك».
قلنا: المعني بالأمر الإيجاب فيهما).
أقول: لما فرغ من مسألتي الحرام، شرع في أحكام المندوب وذكرها
[ ٢ / ٧٥ ]
في مسألتين، والمندوب لغة: المدعو لمهم.
وفي الشرع: الفعل الذي تعلق به الندب، كما تقدم.
واعلم أن العلماء اختلفوا في المندوب، وهل هو مأمور به أم لا؟ .
فذهب القاضي أبو بكر، وجماعة من أصحابنا إلى أنه مأمور به.
وحكى المازري عن الأِشعري أنه غير مأمور به.
وحكى القاضي عياض القولان عن المالكية.
والبحث لفظي؛ لأن الأمر إن كان طلب الفعل، فهو مأمور به، وإن كان مع الجزم فلا، ولا منافاة بين مختاره هنا واختياره مذهب الجمهور،
[ ٢ / ٧٦ ]
حيث قال: إن صيغة افعل للوجوب فليتأمل.
واحتج المصنف على الكرخي والرازي: بأن المندوب طاعة، وكل طاعة مأمور بها؛ لأن الطاعة تقابل المعصية التي هي مخالفة لها.
قال المازري: الطاعة عندنا موافقة الأمر، وقد يكون الشخص مطيعًا [غير متقرب]، كنظر الكافر في الإيمان، فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر، غير متقرب؛ لأن شرط المتقرب أن يكون عازمًا بالتقرب إليه، وهو حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى.
الثاني: أن العلماء قسّموا الأمر إلى: إيجاب، وندب، ومورد القسمة مشترك بين القسمين بالضرورة، فيكون المندوب مأمورًا به.
لا يقال: اللازم عن الدليل: بعض المأمور به مندوب، وينعكس: بعض المندوب مأمور به، والمدعى: كل مندوب مأمور به.
لأنّا نقول: لا قائل بالفرق، وأيضًا: مورد القسمة مشترك بين جميع أفراد أقسامه، فيكون كل مندوب كذلك؛ لاستلزام الأخص الأعم، والنقض بانقسام الإنسان إلى أسود وغيره، مع أنه ليس كل أسود حيوان غير
[ ٢ / ٧٧ ]
وارد الصدق على جميع أفراد أقسامه، والجماد الأسود ليس من أفراد أقسامه فلا يضر عدم صدقه عليه.
قيل على الأول: إن أردتم بالطاعة ما يتوقع الثواب على فعله، سلمنا الصغرى ونمنع الكبرى؛ لأن الطاعة بهذا المعنى لا تقابل المعصية، لأن تاركها لا يستحق الذم، وإن أريد بالطاعة فعل المأمور به فالكبرى مسلمة، لكن الصغرى مصادرة.
وعلى الثاني: إن الأمر حقيقة للوجوب، فإذا أطلق الندب كان مجازًا، ونحن نمنع إطلاق اسم المأمور به على المندوب بطريق الحقيقة.
احتج الكرخي والرازي بوجهين:
الأول: لو كان المندوب مأمورًا به، لكان تركه معصية؛ إذ لا معنى للمعصية إلا مخالفة الأمر وترك المأمور به، محققًا لقوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾، والتالي باطل إجماعًا.
الثاني: لو كان مأمورا به، لما صح قوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، بيان الملازمة: أن الحديث دلّ على
[ ٢ / ٧٨ ]
سلب الأمر عن السواك، فلو كان المندوب مأمورًا به، كان السواك لكونه مندوبًا بالاتفاق مأمورًا به، فلا يصح سلب الأمر عنه، ولأن الوجوب هو الذي يتضمن المشقة دون المندوب.
والجواب عن الأول: أن المعصية مخالفة أمر الإيجاب.
وقوله في الثاني: «لأمرتهم» أي أمر إيجاب، كلاهما وإن كان على سبيل المجاز، لكن يجب المصير إليه جمعًا بين الأدلة، مع أن الدلالة بالحديث إنما تتم لو كان السواك مندوبًا زمان قوله ﵇: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» وهو ممنوع؛ لجواز أن يكون الندب بعد.
لا يقال: الحكم بالندبية ثابت / أزلًا، فهو مندوب إليه عند تلفظه ﵇؛ لأنا نقول: المندوب ليس حكمًا شرعيًا، بل متعلق الحكم مع أنه لا منافاة بين كونه مندوبًا في الأمر إذ ذاك وغير مندوب بأمره ﵇.
لا يقال: السياق يدل على ندبيته حينئذ، لأنّا نقول: لا يدل على ندبيته قبل التلفظ.