أعادها معهم، كان إعادة، ولا يتناوله الرسمان.
قال: (الواجب على الكفاية على الجميع ويسقط بالبعض.
لنا: أثم الجميع بالترك باتفاق.
قالوا: سقط بالبعض.
قلنا: استبعاد.
قالوا: كما أمر بواحد مبهم أمر ببعض مبهم.
قلنا: إثم واحد مبهم لا يعقل.
قالوا: ﴿فلولا نفر﴾.
قلنا: يجب تأويله على المسقط جمعًا بين الأدلة).
أقول: اختلفوا في الواجب على الكفاية، وهو ما كان مطلوبًا حصوله في / الواقع، وأمكن حصول الفرض منه بفعل البعض، هل هو واجب على جميع المكلفين أو على البعض؟، واختلف القائلون بأنه
[ ٢ / ٣٠ ]
يجب على البعض، فقال بعض: يجب على بعضٍ أيَّ بعض كان.
وقال بعضهم: إّنه واجب على البعض الذي يشهد ذلك الشيء، كصلاة الجنازة مثلًا.
وقال بعضهم: هو واجب على بعض معين عند الله منكر عندنا.
واختار المصنف المذهب الأول، واحتج عليه: بأنه لو كان واجبًا على بعض المكلفين، لما أثم جميع المكلفين بتركهم إياه، واللازم باطل، أما الملازمة: فلاستحالة تأثم المكلف بترك ما لا يكون واجبًا عليه، وأما بطلان التالي: فبالاتفاق.
وقيل في تقرير المذهب المختار: الإيجاب على الجميع من حيث هو جميع لا على كل واحد، فإن الوجوب إذا تعين على كل واحد، فإسقاطه عن الباقي يكون رفعًا للطلب بعد تحققه، وذلك لا يكون إلا بالناسخ، ولا يلزم ذلك إذا قلنا: يجب على الجيمع من حيث هو جميع، إذ يلزم من إيجاب الحكم على جملة إيجابه على كل واحد، ويكون تأثيم الجملة من حيث هي جملة بالذات، وتأثيم كل واحد بالعرض.
[ ٢ / ٣١ ]
وفيه نظر؛ فإن سقوط الأمر قبل الأداء كما يكون بالنسخ يكون بانتفاء علة الوجوب؛ لأنه وجب لمعنى، فإذا حصل ذلك المعنى انتفى الوجوب، فالسقوط ليس لفعل البعض، وإنما هو لانتفاء علة الوجوب، إلا أنه لما كان فعل البعض سببًا لانتفاء علة الوجوب، نسب السقوط إليه مجازًا.
أو نقول على أصل أهل السنة: لا نسلم أن الرفع لا يكون إلا بخطاب جديد، لم لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة، وهنا قد جعل أداء بعضهم أمارة على سقوط الفرض عن الباقين؛ لأنه لو بقي التكليف به لكان تكليفًا بتحصيل الحاصل.
احتج الآخرون بوجوه ثلاثة:
الأول: أنه يسقط بفعل البعض، فلو وجب على الجميع لما سقط بفعل البعض، أما الملازمة: فإنه من المستبعد سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره.
الجواب: أن دليل الملازمة استبعاد وهو لا يكون حجة، مع أنه لا استبعاد في الحقيقة، فإن السقوط لانتفاء علة الوجوب، ولو قال في بيان الملازمة: الواجب ما لا يسقط عن المكلف بفعل غيره كفرض العين وإلا لم يكن واجبًا، منع أن ما يسقط بفعل الغير لا يكون واجبًا، فإن الاختلاف في طريق السقوط لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، فإن القتل الواجب بسبب الردة لا يخالف القتل الواجب بسبب القصاص في الحقيقة، مع أن أحدهما
[ ٢ / ٣٢ ]
يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة، والآخر بالعكس.
قالوا ثانيًا: لو امتنع أمر بعض مبهم، لامتنع الأمر بواحد منهم، واللازم باطل، أما الملازمة: فلأنه لا مانع إلا الإبهام، وهو ملغى.
أجاب: بالفرق، وهو أن إثم واحد غير معين لا يعقل، بخلاف الإثم بواحد غير معين فإنه معقول، فيصح أن يكون متعلقًا للوجوب، فليس المانع كونه غير معين فقط، بل المانع لزوم كون الإثم غير معين وهو غير معقول.
وهذا الجواب إنما يتم لو كان مذهبهم إثم واحد بالترك، أما إذا كان مذهبهم أثم الجميع بالترك فلا، وهو كذلك، ويدل عليه قوله: (لنا: أثم الجميع بالترك باتفاق)، فحينئذ إن أراد تأثيمه بانفراده غير معقول فمُسلّم، وليس كذلك، وإن أراد تأثيمه / على تقدير تأثيم الجميع غير معقول، فممنوع.
قالوا ثالثًا: قوله تعالى: ﴿فلولا نفر﴾ إلى آخرها، يدل على كون البعض مأمور بالتفقه في الدين الذي هو من فروض الكفاية، والبعض غير معين، وهو المطلوب.
أجيب: بأن الدليل دلَّ على الوجوب على الجميع، والآية وإن كانت ظاهرة في الوجوب على البعض، لكن الظاهر يجب تأويله لأجل الدليل، فتحمل على غير ظاهرها جمعًا بين الأدلة، فتؤول بأنّ فعل الطائفة من الفرقة مسقط للوجوب عن الجميع، فيحمل النافر على المسقط.
[ ٢ / ٣٣ ]