فإطلاقه على الله تعالى مجاز، وعسى فعل حقيقة للحدث والزمان، فإذا أطلق للحدث مجردًا، كان من إطلاق الكل للجزء وهو مجاز.
وقولهم: رحمان اليمامة، من كفرهم وتعنتهم، إذ لم يقصدوا به حقيقة ذلك، وإنما تسمى باسم الله.
وأما عسى فلم يسمع مستعملًا فيما وضع له.
قيل: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
قلنا: المراد العدم في الجملة، وقد ثبت.
قال: (مسألة: إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجاز أقرب؛ لأن الاشتراك يخل بالتفاهم، ويؤدي إلى مستبعد من ضد أو نقيض، ويحتاج إلى قرينتين.
ولأن المجاز أغلب، ويكون أبلغ وأوفق وأوجز، ويتوصل به إلى السجع، والمقابلة، والمطابقة، والمجانسة، والروي.
وعورض: بترجيح الاشتراك باطراده فلا يضطرب، وبالاشتقاق فيتسع، وبصحة المجاز فيهما فتكثر الفائدة، وباستغنائه عن العلاقة، وعن الحقيقة، وعن مخالفة ظاهر، وعن الغلط فيهما عند عدم القرينة.
وما ذكر من أنه أبلغ إلى آخرها، فمشترك فيهما.
والحق أنه لا يقابل الأغلب شيء مما ذكر).
[ ١ / ٣٤٧ ]
أقول: التعارض بين المجاز والاشتراك يُتصور إذا عُلم أن اللفظ حقيقة في شيء ثم استعمل في غيره، وخفيت العلاقة السابقة أو عدمت، وترددنا بين أن يكون وضع للآخر أيضًا فيكون مشتركًا، أو تُجوز عن الموضوع له إلى هذا المعنى فيكون مجازًا.
قال المصنف: (فالحمل على المجاز أقرب) لمفاسد الاشتراك، وفوائد المجاز.
لا يقال: لا يتصور هذا التعارض؛ لأنه إن تبادر الذهن إلى ذلك الموضوع فهو مجاز في الآخر، وإلا فهو مشترك.
لأنا نقول: ليس بعلامة على ما سبق، أو قد يكون مفقودًا، إذ لا يلزم انعكاسها.
لا يقال: إن كانت بينه وبين الأول علاقة فمجاز وإلا فمشترك؛ لأن العلاقة قد تكون بين المشتركين، فلا نعرف هل الاستعمال لأجل العلاقة أو للوضع.
الأول: أن الاشتراك / يخل بالتفاهم عند عدم القرينة إذ لا يفهم منه شيء، ولا كذلك المجاز؛ لأنه مع القرينة يحمل عليه، وعند عدمها يحمل على الحقيقة.
[ ١ / ٣٤٨ ]
الثاني: أن المشترك إذا فهم منه المراد يكون مؤديًا إلى مستبعد، وهو حمل الكلام على ما لا يناسب مراد المتكلم من ضد أو نقيض؛ لأنه قد يكون مشتركًا بين الضدين، كما لو قال: لا تطلق في القرء، ففهم الطهر، فطلق في الحيض، ولا كذلك المجاز، إن حمل على غير المراد لم يكن مستبعدًا، ضرورة المناسبة بين مفهوميه.
وفيه نظر؛ لأنه لا يؤدي عند القرينة، وأما عند عدمها فلا نفهم شيئًا، وإلا لم يخل بالتفاهم، وأيضًا: قد يتجوز عن أحد الضدين إلى الآخر.
وما قيل: إنه لما اعتبرت فيه المناسبة بين مفهوميه، فحمله على غير المراد وإن كان هذا غير مستبعد لأنه حمل على المناسب، ساقط.
الثالث: أن المشترك يحتاج في استعمال كل من معنييه إلى قرينة خاصة، بخلاف المجاز فإنه تكفي فيه قرينة واحدة عند استعماله في المفهوم المجازي، وكلما كان احتياجه أكثر كان محذوره أشد.
لا يقال: قد تكون له مجازات فيحتاج إلى قرائن؛ لأن المراد الأمر اللازم.
ثم شرع في فوائد المجاز منها:
- أنه أكثر وقوعًا في اللغة، والأكثر أرجح، ولذلك قيل: من أحب شيئًا أكثر من ذكره، حتى قيل: أكثر اللغة مجاز؛ لأنك إذا قلت:
[ ١ / ٣٤٩ ]
ضربت زيدًا، إنما ضربت بعضه.
- ولأنه أبلغ؛ لأن قولنا: زيد أسد، أبلغ في وصفه بالشجاعة [من قولنا: زيد شجاع]، ومن قولنا: زيد كالأسد.
- ولأن المجاز قد يكون أوجز، كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾، وإن كان لفظ الحقيقة تارة أوجز، مثل: جدارًا مائلًا، لكن عدل عنه لفائدة في ﴿يريد أن ينقض﴾ مفقودة في الحقيقة.
- ولأنه قد يكون أوفق، إما للطبع لثقل لفظ الحقيقة، أو عذوبة في المجاز، وإما للمقام.
- إما لتعظيم يقتضيه الحال أو لتنزيه السماع، كقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾، وكذا ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، وإما لإهانة يقتضيها الحال.
- ومنها أنه يتوصل به إلى السجع، كقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾، لو قال: لفي الجنة، فات السجع.
-
[ ١ / ٣٥٠ ]
والمقابلة، كقولك: اتخذت للأشهب أدهمًا، ولو قلت: قيدًا، فاتت المقابلة.
- والمطابقة، كقوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه﴾، لو قال: فهديناه، فاتت المطابقة.
- والجناس، كقولك: سبع سباع، لو قلت: شجعان، فات الجناس.
والروي بأن يكون لفظ المجاز يوافق روي القصيدة دون لفظ الحقيقة وهو ظاهر.
وهذه الوجوه ذكرت أسبابًا للعدول عن الحقيقة، وذكرها المصنف مرجحات.
وعورض: بأن الاشتراك أولى أيضًا لفوائد فيه، وخلوه عن مفاسد يشتمل عليها المجاز.
- منها: أن المشترك حقيقة ومن علاماتها الاطراد، والمجاز غير مطرد،
[ ١ / ٣٥١ ]
وما يكون مطردًا لا يكوم مضطربًا، وقد علمت أن بعض المجازات مطرد.
- ومنها: أن الحقيقة من خواصها الاشتقاق، فيشتق عن كل واحد فتتسع العبارات، وذلك أمر مطلوب، بخلاف المجاز.
وفيه نظر؛ لأن المجاز يجمع، وهو نوع من الاشتقاق.
- ومنها أن المشترك يتجوز عن كل واحد من مفهوميه، بخلاف الآخر إذ لا يتجوز إلا عن المفهوم الحقيقي، فتكثر الفوائد فيكون أولى.
- ومنها: خلو الاشتراك عن مفاسد المجاز؛ لأن المشترك يستغني عن العلاقة بين مفهوميه للوضع / لكل واحد منهما، بخلاف المجاز فإنه لا يتجوز إلا بعد ملاحظة العلاقة.
- ومنها: أنه لا يفتقر إلى وضع سابق عنه، بخلاف المجاز.
وكلام المصنف إنما يتم على القول بالاستلزام، بخلاف ما ذكرنا، وعن مخالفة ظاهر، فإن استعمال اللفظ في مفهومه المجازي استعمال في غير الظاهر لأن ظاهره ما وضع له، وعن الغلط لأن المشترك عند عدم القرينة لا يحمل على شيء فلا يقع غلط، ولا كذلك المجاز؛ لأنه عند عدم القرينة يحمل على الحقيقة، وقد يكون المراد المجاز.
ثم قال: (وما ذكرنا من أن المجاز أبلغ إلى آخر الوجوه)، فقد يكون للمشترك؛ لأنها أمور تابعة للبلاغة التي تكون للحقيقة والمجاز، فيكون أبلغ إذا اقتضى المقام الإجمال وأوجز، كالعين للجاسوس، ويتوصل به أيضًا إلى المذكور.
[ ١ / ٣٥٢ ]