قبل أيضًا: هذا تعريف بالأنواع، فهو تعريف بالأخفى؛ لأن ما يطلب به علم أخص من النظر، وكذا ما يطلب به ظن.
رد: بأن انقسام النظر إلى الأمرين خاصة له، فصح تعريفه بهما.
واعلم أن الحركة في قولهم: «حركة النفس في المبادئ»، إنما هي حركة في الكيف، بمعنى أنها تكيفت بكيفية بعد تكيفها بغيرها، ثم تنتقل إلى أخرى وأخرى، فحركة النفس إلى المبادئ هو تكليفها بالمعاني المخزونة عندها، وانتقال النفس فيها بانتقالها من تكيف بواحد إلى تكيف بآخر، إلى أن تجد المبادئ المؤدية إلى المطلوب، بعد تكيفها بالمطلوب بوجه ما / وتكيفها بالمعنى هو اتصافها بالحالة التي تعرضها عند ملاحظتها المعنى، فإذا حصل معنى غير ذلك، حصلت كيفية غير تلك.
قال: (والعلم، قيل: لا يجد، فقال الإمام: لعسره، وقيل: لأنه ضروري من وجهين:
أحدهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره كان دورًا.
وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره، فلا دور.
الثاني: أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة.
وأجيب: بأنه لا يلزم من حصول أمرٍ تصوره، أو تقدم تصوره).
[ ١ / ١٧٣ ]
أقول: العلم يطلق على المنقسم إلى مطلق التصور ومطلق التصديق، وهو المراد في قوله: والعلم ضربان.
ويطلق على المنقسم إلى تصور خاص وتصديق خاص، وهما اللذان يوجب كل واحد منهما لمن قام به تمييز لا يحتمل النقيض، وهو المختلف فيه عند المصنف، وهو الذي حده في قوله: وأصحها.
ويطلق على مطلق التصديق وهو المراد من قوله: ويسمى تصديقًا وعلمًا. ويطلق على تصديق يقينى، وهو المراد في قوله: وقيل إلى العلم به، فتخرج الأمارة.
وبعضهم جعل الاختلاف في العلم بالمعنى الأول، لا فيما ذكر المصنف، وهو خطأ، يعلم ذلك من طالع كلام إمام الحرمين، ومن طالع المستصفى.
قال إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما: إن لا يحد - أي حدًا حقيقيًا - لعسر تحديده، قال الغزالي: «أكثر المحسوسات مثل الروائح والطعوم يعسر تحديدها، لعسر الاطلاع على الذاتي المشترك والذاتي الأخص، فما ظنك
[ ١ / ١٧٤ ]
بالمعقولات»، وقال غيره: إن في العلم إضافة أشبهت أن تكون ذاتية له أو عارضة، ولهذا اختلف فيه أجوهر هو أم عرض؟، وعلى أنه عرض أهو من مقولة الإضافة أم [من] مقولة الكيف أم [من] مقولة الانفعال؟، وإذا لم تتميز ذاتياته من عرضياته، عسر تحديده، [فلا يتأتى إلا نادرًا من مؤيد يعلم ذاتياته، فيكون في حكم العدم]، فلا طريق إلا بأن نميزه عن غيره بالقسمة، بأن نأخذ المشترك بينه وبين غيره، ثم نأخذ المميز حتى يخرج لنا العلم من بينهما، فيكون ذلك رسمًا له.
[ ١ / ١٧٥ ]
والحق: أن العسر لا يوجب منع تحديده، إلا لمن لم يعلم من أي مقولة هو، يخرج من مذهب هؤلاء أنه كسبي يرسم ولا يحد، وقال الإمام فخر الدين الرازي: لا يحد - أي حقيقيًا ولا رسميًا - لأنه ضروري، واحتج على ذلك بوجهين: الأول: لو لم يكن ضروريًا، لكان كسبيًا، إذ لا واسطة، ولو كان كسبيًا لأمكن تحصيله بالمعرف، لإمكان اكتساب النظري بالمعرف، لكنه لا يكتسب من غيره، وإلا لزم الدور. بيان اللزوم؛ أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، لامتناع تعريف الشيء بنفسه، فلو علم العلم بغيره لزم تقدم العلم بذلك الغير، ضرورة وجوب سبق العلم بالحد على العلم بالمحدود، لكن العلم بالغير متأخر عن العلم لأنه إنما يعلم به، فيتوقف العلم على ذلك الغير المتوقف على العلم، ويلزم الدور وهو باطل بما نقرر في علم الكلام.
وأجاب بعضهم: بأن غير العلم ينكشف بالعلم لا بالعلم بالعلم، والغير كاشف للعلم بالعلم، وليس بمحال أن يكون العلم كاشفًا عن غيره، وغيره كاشفًا عن العلم به.
وهو حسن، لكنه يغاير كلام المصنف بوجه ما.
[ ١ / ١٧٦ ]
وجواب المصنف: أن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بذلك الغير لا على تصور العلم، أي يتوقف تصور الغير على علم جزئي وهو تعلق العلم بذلك الغير، لا على تصور حقيقة العلم، والتوقف على الغير حقيقة العلم لا حصول جزئي منه، وإنما يلزم الدور لو توقف تصور الغير على تصور حقيقة العلم، أما على [حصول] [تصور] جزئي من العلم فلا دور. فإن قيل: تصور غير العلم هو حصول العلم بغيره فتوقف على نفسه. أجيب: بأن تصور غير العلم أخص من حصول العلم بالغير، لانقسام حصول العلم بالغير إلى التصور والتصديق، ولا ضرورة في توقف الخاص على العام. قال: إلا أن تصور العلم يتوقف على تصور الغير، لأن تصور المحدود يتوقف على تصور الحد، وتصور الغير يتوقف على حصول العلم به، لا على حقيقة العلم [به]، فلا دور.
والمصنف وضع الظاهر في قوله: ([غيره) موضع المضمر، ولو قال به لكان أحسن؛ لأن وضع الظاهر في قوله: (بغيره) موضع المضمر، ولو قال به لكان أحسن؛ لأن وضع الظاهر موضع المضمر قليل في كلامهم، ووقع في المنتهى وفي بعض النسخ.
[ ١ / ١٧٧ ]
وأجيب: بأن توقف تصور العلم على حصول العلم بغيره لا على تصوره أي تصور العلم يتوقف على تلعق العلم بالغير؛ لأنه إذا توقف على تصور حده الذي هو الغير، والغير متوقف على تعلق العلم به، صدق أن العلم يتوقف على تعلق العلم بالغير، وحصول العلم بالغير لا يتوقف على تصور العلم، لجواز حصول العلم بالشيء مع الذهول عن تصور ماهية العلم.
والضمير في قوله: (لا على تصوره) أي لا على تصور العلم بالغير، وإلا لتوقف على تصور العلم لأنه جزؤه، فيتوقف على نفسه.
واعلم أن قول من قال: هذا الدليل بعد سلامته عن المنع لا يفيد - لأنه لا يلزم من امتناع التحديد الضرورة - ساقط يعلم من تقريرنا للدليل المذكور.
الوجه الثاني: أن علمنا بوجودنا تصديق ضروري، فتكون تصوراته ضرورية؛ لأن ما يتوقف عليه الضروري أولى أن يكون ضروريًا، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فيكون ضروريًا.
وقد تقرر على وجه آخر، وهو أن نقول: علمي بوجودي علم خاص ضروري، وإذا كان الخاص ضروريًا، كان مطلق العلم ضروريًا، لاستحالة كون المركب ضروريًا وجزؤه / كسبيًا، وإلا لتوقف عليه؛ لأن المتوقف على المتوقف متوقف.
وأجيب عنه على التقرير الأول: بأنه لا يلزم من بداهة التصديق بداهة التصور؛ لأن التصديق البديهي هو الذي يكون تصور طرفيه كافيًا في الجزم بالنسبة بينهما، فقد تكون تصوراته كسبية، وقد تكون ضرورية، وقد
[ ١ / ١٧٨ ]
تكون مختلطة، مع أن التصديق لا يتوقف إلا على التصور بوجه ما، لا على تصور الحقيقة.
وأجيب عنه على التقرير الثاني: أن قولكم: علمي بوجودي علم خاص ضروري، فمطلق العلم ضروري، فإن عنيتم أن ماهيته متصورة بالضرورة فممنوع، وإن عنيتم أن ذلك حاصل بالضرورة فمسلم، ولا يلزم منه تصور مطلق العلم، بل حصول العلم الخاص يستلزم حصول العلم المطلق، وتصور العلم الخاص يستلزم تصور العلم المطلق، وأما حصول العلم فلا يستلزم تصور العلم.
قيل عليه: قولكم: لا يلزم من حصول أمر تصوره، لا يلزم من حصول أمر في الخارج تصوره، أما حصول أمر في الذهن، فإنه يستلزم تصوره؛ لأنه لا ينفك الحاصل في الذهن عن تصوره.
رد: بأنه قد ينفك؛ لأنه ما لم تلاحظ النفس ذلك الحاصل في الذهن لا يتحقق تصوره، وملاحظة النفس له ليس لازمًا لحصوله، فإنا نجد في أنفسنا أنه قد يحصل فيها شيء تصوره عينه بالذات ومغاير له بالاعتبار، والنفس لا تلاحظه ولا تعتبره.
وقوله: (ولا يقدم تصوره) إشارة إلى جواب سؤال، أي العلم يحصل باختيار صاحبه، وكلما هو كذلك فهو مسبوق بتصوره، لأن الأفعال الاختيارية مسبوقة بتصورها.
[ ١ / ١٧٩ ]
ورد: بأن حصول العلم لنا بالفيض [علينا] لا بالاختيار.
قال: (ثم نقول: لو كان ضروريًا لكان بسيطًا إذ هو معناه، ويلزم أن يكون كل معنى علمًا).
أقول: لما كان لا يلزم من إبطال الدليل إبطال المدلول، احتج الآن على كونه مكتسبًا بأنه مركب وكل مركب كسبي، بيان الصغرى من وجهين: الأول: أنه نوع من مقولة الكيف، أو من مقولة الانفعال على الرأيين فيكون داخلًا تحت أحد هذين الجنسين، وحينئذ لابد له من فصل.
الثاني: [أنه] لو لم يكن مركبًا لكان بسيطًا؛ إذ لا واسطة، ولو كان بسيطًا لكان كل معنى علمًا.
بيان اللزوم؛ أن كل علم معنى، فلو لم يكن كل معنى علمًا، لكان المعنى أعم من العلم، فكان العلم مركبًا من المعنى وأمر آخر مختص، والتقدير: البساطة.
وأما بيان بطلان الثاني؛ فلأن كثيرًا من المعاني ليست بعلوم، كالجود والشجاعة، وغيرهما.
وأما بيان الكبرى؛ فلأن المركب يتوقف تصوره على تصور أجزائه، وهي / غيره، وما توقف تصوره على تصور غيره فهو كسبي.
وقوله: (إذ هو معناه) بيان للملازمة، أي يلزم الضرورة البساطة؛ لأن البسيط نفس الضروري؛ لأن اشتراكهما في عدم التوقف لا يستلزم اتحاد
[ ١ / ١٨٠ ]
حقيقتهما، لجواز اشتراك المختلفات في لازم واحد.
رد الأول: بأنا لا نسلم أن العلم وجودي، سلمنا، ولا نسلم اندراجه تحت شيء من المقولات العشر، إذ لم يقم برهان على الانحصار.
سلمنا، ولا نسلم أن اندراجه تحت شيء منها من حيث أنه علم بشيء، فإنه من حيث إنه يحصل صورة الشيء عند العقل، يكون آلة ينظر به في الشيء، فيصير الشيء به معلومًا.
وبهذا الاعتبار لا يكون جوهرًا ولا عرضًا، ومن حيث إنه شيء حاصل عند العقل يكون عرضًا، لكن من هذه الحيثية يكون معلومًا لا علمًا.
سلمنا اندراجه من حيث إنه علم لا من حيث إنه كيف أو انفعال، ولا نسلم أنه [اندرج] اندراج النوع تحت الجنس، لجواز كونه [اندرج]
[ ١ / ١٨١ ]
اندراج الشيء تحت العرض العام.
وأما رد ما ذكر في الكبرى، فلا نسلم أن ما يتوقف تصوره على تصور أجزائه يكون كسبيًا، لجواز كون الأجزاء أمورًا ذهنية متصورة بالبديهة، يلزم من تصورها تصوره بالبديهة.
قلت: ولو قدر على غير هذا الوجه لاندفع أكثر هذه الاعتراضات، وهو أن يقال: لو كان ضروريًا لكان بسيطًا، أي غير مركب بوجه لا من ذاتيات ولا من عرضيات، وإلا لتوقف عليها فيعرف بها، فلا يكون ضروريًا بنفسه لكن بالمعرف، ولا نزاع فيه، وكل تصور ضروري بما ذكرنا بسيط، وضرورة الأجزاء لا تجعل المحدود ضروريًا بنفسه، إذ ضرورته بضرورة ما تركب منه، فتتوقف ضرورته على ذلك، لتوقف المجموع على أجزائه، ولو كان [العلم] بسيطًا، لكان كل معنى علمًا، والتقرير ما مر.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المعنى عرضًا عامًا؟ .
قلنا: لو كان كذلك، لتركب منه والعارض لتوقفه عليه، فيحد رسميًا فلا ضرورة، ألا ترى [أن] الأجناس العالية مع عمومها وبساطتها بوجه مركبة مع أعراضها، فتحد رسميًا.
[ ١ / ١٨٢ ]
وما قيل من أنا نعلم ضرورة أن المعنى ليس بخارج عن العلم فيه نظر، ولو كان ذلك معلومًا بالضرورة ما اختلف في العلم، حتى قال قوم: هو جوهر وليس بعرض.
والحق أنه متى سلمت الشرطية الأولى انتهض الدليل؛ لأن المعنى ذاتي للعلم، إذ لو رفع عن الذهن ارتفع العلم، مع أن الفرض البساطة، فلا ذاتي له غيره، فيلزم من تحققه تحقق العلم، فيلزم أن يكون كل معنى علمًا.
وما قيل: لو كان خارجًا وهو عرض، لزم قيام العرض بالعرض، فباطل، وكذا قول من قال: اتفاقهم على أن بعض العلم ضروري تصورًا كان أن تصديقًا، ويكر على هذا الخلاف بالبطلان يعلم مما تقدم.
قال: (وأصح الحدود: صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، فيدخل إدراك الحواس كالأشعري، وإلا زيد: في الأمور المعنوية.
واعترض على عكسه: بالعلوم العادية، فإنها تستلزم جواز النقيض عقلًا.
وأجيب: بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر، استحال أن يكون حينئذ ذهبًا ضرورة وهو المراد، ومعنى التجويز العقلي: أنه لو قدر لم يلزم منه محال لنفسه، لا أنه محتمل).
أقول: أشار إلى أنهم حدوه بحدود كثيرة مزيفة / فقال: وأصحها
[ ١ / ١٨٣ ]
بصيغة أفعل هنا ليست للمشاركة، وقوله: (صفة) كالجنس، وقوله: (توجب تمييزًا) إسناد للفعل إلى السبب، وإلا فالموجب هو الله تعالى، ومذهب الشيخ أن العلم الحاصل عقيب النظر بالفيض لا بالتولد، فتخرج القدرة والإرادة وغيرهما، مما لا يوجب لمن قام به أن يميز الأشياء، نعم يتميز في نفسه بها.
واعلم أن الفصل والخاصة يوجبان تمييز الشيء في نفسه، ويوجب حصولهما عند النفس تمييزًا للشيء عن غيره، لكن ذلك علم.
والحق أن معنى الحد يوجب لمن قالت به [أن يميز الأشياء] وإلا رد. وقوله: (لا تحتمل النقيض) يخرج الاعتقاد والظن والشك والوهم، فتدخل العلوم المستفادة من الحس الظاهر أو الباطن، فإنها علوم عند الشيخ،
[ ١ / ١٨٤ ]
وإن إدراك الحواس يوجب إدراك النفس، وإدراك النفس يوجب التصديق، ومن لا يراها علومًا لاحتمالها النقيض - إذ الحد قد يدرك الشيء على غير ما هو عليه - يزيد في الحد: في الأمور المعنوية؛ لأن العلم عندهم الصورة الكلية الحاصلة في العقل، ومن لا يصف الحواس بالإدراك يكون المعنى عنده: فيدخل إدراك النفس بواسطة الحواس.
واعلم أن هذا الحد للعلم المنقسم إلى تصور وتصديق خاصين، وهما اللذان يوجب كل واحد منهما لمن قام به أن يميز الأشياء على وجه لا يحتمل النقيض، فسقط ما اعترض به على المصنف، ولأن إدراك الحواس يحصل صورة الشيء، ويكون احتمال النقيض في التصور عدم كونه متصورًا على ما هو عليه، أو لأن التصور لا نقيض له يصدق عليه، أو نقول: الحد للتصديق اليقيني، ويكون المعنى: فيدخل التصديق بواسطة إدراك الحواس، فدخل تحت الحد.
وما قيل من أنه غير مطرد لدخول العقل، وغير منعكس لخروج الفقه، فغير وارد؛ لأن العقل ليس صفة توجب تميزًا، والفقه ليس بعلم بهذا المعنى. واعترض على عكس هذا الحد بالعلوم العادية، فإن العقل يحكم بأن العلم العادي يجوز أن يقع نقيض متعلقه، فإن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر جاز أم ينقلب ذهبًا عقلًا؛ لأن ذلك ممكن لذاته، والممكن جاز أن يقع بقدرة الفاعل المختار، ولو قال المصنف بدل يستلزم جواز النقيض: لجواز
[ ١ / ١٨٥ ]
النقيض، لكان أحسن.
وأجيب: بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حجر، استحال ألا يكون حجرًا إلا في العقل ولا في الخارج، حالة تعلق العلم بكونه حجرًا، وإلا لجاز اجتماع النقيضين، بخلاف الظن فإنه إذ ذاك يحتمل النقيض.
ومعنى التجويز العقلي: لو قدر نقيضه لم يلزم منه محال لنفسه؛ لأنه ممكن لذاته، لكن الممكن لذاته قد يمتنع لغيره وهو وجود مقابله، فتدخل العلوم العادية تحت الحد، لأنها لا تحتمل وقوع النقيض عقلًا ولا خارجًا لأجل الغير.
قيل: العادة تمنع من احتمال النقيض في الذهن، أما في الخارج فلا؛ لأن غايتها الجزم، ولا يلزم مطابقته.
وأجيب: بأن النفس اكتفت بالعادة أن النقيض وإن كان ممكنًا لذاته، لكنه ممتنع لغيره. قلت: لقائل أن يقول:
لما كانت العادة قابلة للانخراق، لم تكن مانعة من احتمال نقيض المعتاد في الخارج عند الجزم به، لاحتمال أن تكون منخرقة في تلك الحال، بل وقع؛ لأن الصحابة كانوا يرون رجلًا لا يشكون أنه دحية وكان
[ ١ / ١٨٦ ]