فهو الاستمداد.
قال: (أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية).
أقول: لما كان تقدم الحد على الاثنين أيضًا طبعًا قدمه وضعًا، وأصول الفقه مركب إضافي له معنيان:
أحدهما: ما يفهم من مفرديه عن تقييدهما الأول بالثاني، وهو المعنى الإضافي.
والثاني: مسماه الذي هو العلم الخاص، وهو لقب له منقول عن الأول؛ لأن معناه الإضافي: أدلة الفقه، ومعناه اللقبي: العلم بالقواعد التي يستنبط الفقه منها.
قيل: فلا يصدق مفهومه الإضافي على مفهومه اللقبي.
قلت: المفهوم الإضافي اصطلاحًا غير صادق على اللقبي، والمفهوم الإضافي لغة صادق على اللقبي؛ لأن مفهومه اللغوي: الأشياء التي ينبني عليها الفقه، إذ الأصل ما ينبني عليه غيره، وذلك صادق على العلم بالقواعد. وانتصب لقبًا على التمييز، ميزه ليعلم أن التعريف لمفهومه اللقبي لأنه أهم مفهوميه؛ لأن وضع الكتاب لـ[بيان] مفهومه اللقبي، مع أنه حد له باعتبار كونه مفردًا، والثاني حده باعتبار كونه مركبًا، والمفرد قبل
[ ١ / ١٣٨ ]
المركب.
ومعنى الكلام: أن حد المفهوم المدلول عليه [بلفظ] أصول الفقه الذي هو لقب عليه. واحتجنا إلى هذا؛ لأن اللقب صفة للفظ، والحد للمعنى، واللقب علم دل على مدح أو ذم، وهو [هنا] دال على أعظم المدائح؛ لأنه إذا / كان علمًا على قواعد من شأنها أن يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية التي هي سبب السعادة، فهو أعظم مدح، وهم علم جنس كأسامة؛ لأن الحد للكليات لا للشخصيات.
قيل عليه: هذا الاسم للمجموع من حيث هو، بحيث لا يصدق على غيره، ونفس تصوره مانع من الشركة، إذ لا يوجد أمران كل واحد منهما ذلك المجموع من حيث هو، بخلاف أسامة فيكون علم شخص لا علم جنس.
قلت: لما كان العلم صفة حقيقية تلزمها إضافة، أو نفس الإضافة
[ ١ / ١٣٩ ]
على الرأيين، فالحقيقة واحدة، والأفراد ما اتصف به الأشخاص.
وقيل: العلم بالقواعد؛ لأنه لابد له من متعلق، سواء قلنا: إنه إضافة، أو [قلنا]: صفة تلزمها إضافة.
والمتعلق هو المعلوم، وقيده بأمر خاص؛ لأن المطلق إذا تقيد بأمور خاصة حصل نوع منه، إذ تحصل النوع يكون بخصوصية المتعلق به، ولما كان تحصل أصول الفقه بتقييد العلم بالقواعد، قيده بها.
والعلم [و] إن كان يتعدى بنفسه، لكن لما كان إعمال المصدر باللام قليلًا، قواه بالباء.
والقاعدة: الأمر الكلي المنطبق على الجزئيات لتعرف أحكامها منه، فخرج العلم بالجزئيات وبعض القواعد؛ لأن الألف واللام للاستغراق، ولا يصح تفسير القواعد بالأدلة الكلية [من] الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن القواعد قولنا: الكتاب حجة، السنة حجة، إذ نفس الكتاب ليس مما يتوصل به إلى الاستنباط، نعم يتوصل بغيره إلى الاستنباط عنه.
وقوله: (التي يتوصل بها إلى الاستنباط) إشارة إلى أنه وسيلة، وذكر
[ ١ / ١٤٠ ]
الاستنباط إشارة إلى الاستخراج فإن فيه كلفة، وفيه إشارة إلى أن بقاء الإنسان ببقاء الأحكام، كما أن [بقاءه] ببقاء الماء المستنبط.
وأيضًا: العلم حياة الروح كما أن الماء حياة البدن، ولم يخرج به شيء؛ لأن القاعدة من شأنها التوصل.
وقوله: (الأحكام) فصل خرج به الصنائع.
وقوله: (الشرعية) فصل خرج به اللغوية والعقلية، كقواعد الحساب والعربية.
وقوله: (الفرعية عن أدلتها التفصيلية) لبيان الواقع، أو شأنها ذلك، فهو لتمام تصور المحدود، إذ لم يوجد علم بقواعد توصل بها إلى استنباط أحكام شرعية أصولية حتى يحترز بالفرعية عنه؛ لأن الأحكام الأصولية إنما استفيدت من آيات وأخبار، ولم يوجد علم بقواعد توصل به إلى استنباط أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية حتى يحترز بالتفصيلية عنه.
قولهم: احترز بالفرعية عما / توصل به إلى الأصولية، ككون الإجماع حجة، والقياس دليلًا.
[ ١ / ١٤١ ]
وعلم الكلام: علم بقواعد توصل به إلى استنباط أحكام شرعية أصولية مردود؛ لأن علم الكلام توصل به إلى إثباتها لا إثبات حجيتها.
قيل عليه: قولكم: «لم يوجد علم يحترز بالتفصيلية عنه»، إن أردتم لم يوجد مدونًا مسلم.
وإن أردتم في نفس الأمر فممنوع؛ لأنه إذا ثبت أن لنا أدلة إجمالية يستدل بها على الأحكام، فلابد للاستدلال بها من كيفية، وليست الكيفية ضرورية، ولابد لنا من بيان، فيوجد في نفس الأمر علم مبين لكيفية الاستدلال، وذلك العلم من شأنه أن يتوصل به إلى أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية وليس بأصول فقه، فيجب الاحتراز عنه.
وفيه نظر؛ لأن ما ثبت بالإجمال كقولهم يجب بالمقتضى ولا يجب بالنافي لا يعلم أن التوصل إلى استنباطه بقواعد، لجواز أن يكون ما يتوصل به إلى استنباط أحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية جزئيات وعلى التعريف شكوك.
الأول: أنه يدخل علم الخلاف.
ورد: بأنه علم بجزئيات، أو علم بقواعد يتوصل بها إلى حفظ
[ ١ / ١٤٢ ]
الأحكام لا إلى استنباطها.
الثاني: أنه غير منعكس؛ لأن خبر الواحد والقياس ظنيان، وكذلك الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والألف واللام للعموم، بل أكثر قواعده أمور ظنية.
ورد: بأن كون الأمر للوجوب إلى آخره من مسائله، وهو غنما قال: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام.
والجواب: أن المراد بالعلم المعنى الأعم الصادق على الظن.
قال بعضهم: لا نسلم أن خبر الواحد والقياس من قواعده، بل القاعدة كون كل واحد منهما مفيد للظن، فالظن متعلق بما أفاده، والعلم متعلق بإفادته.
قلت: وهذا معنى حسن أيضًا، وما قيل من أن المذكور يفيد ظنًا، لكن القطع بوجوب العمل به بصدق كونها معلومة باطل؛ لأن ذلك لا يخرجها عن إفادتها الظن، وكون الظن يجب العمل به [قطعًا] أمر آخر.
الثالث: أنه اعتبر الحد إضافة العلم إلى المعلوم، والإضافة خارجة عن حقيقته، فلا يكون حدًا.
[ ١ / ١٤٣ ]
ورد: بأن العلم إن كان نفس الإضافة فلا إشكال، وإن كان صفة يلزمها إضافة، فلا نسلم أن الإضافة إلى المعلوم خارجة عن العلم المضاف إلى القواعد المذكورة، والخارج عن المطلق لا يلزم خروجه عن المقيد؛ لأن المراد من علم الأصول العلم المضاف لا المطلق، مع أن التعريف بالخارجي عند المصنف يطلق عليه [اسم] الحد.
/ الرابع: [أنه] لا يطرد؛ لأن الحساب يتوصل به إلى بعض مسائل الفرائض، وكذا العربية، وكذا علم الكلام.
ورد: بأن ما يتوصل به من ذلك فهو مبدأ للأصول فهو منه، والحساب استنبط به بعض متعلقات الأحكام لا نفس الأحكام.
الخامس: قوله: (التي يتوصل) يريد بالفعل أو بالقوة، فإن أريد الأول لم ينعكس؛ لخروج من علم تلك القواعد ولم يتوصل إلى الاستنباط بالفعل، وإن أريد الثاني لم يطرد؛ لدخول علم الله تعالى، وعلم الرسول ﷺ، ولا يطلق على ذلك أصول.
وأجيب: نختار الثاني، وعدم الإطلاق لكون أسمائه توقيفية.
[ ١ / ١٤٤ ]