السادس: أصول الفقه القواعد، ويعرض لها العلم، فلا يصلح جنسًا. وأجيب: بأنه لما كان علمًا، والعلم إنما يتخصص - كما تقدم - بخصوصية المتعلق به وأضيف إلى القواعد، صار أصول الفقه العلم بالقواعد.
قال: (وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة).
أقول: لما عرف المفهوم اللقبي، عرف بعد [ذلك] الإضافي، وتعريفه إنما يكون بتعريف المضاف والمضاف إليه.
أما المضاف: فالأصول جمع أصل، وهو ما منه الشيء لغةً، أو ما يبنى عليه غيره.
وأما اصطلاحًا: فالأصول: الأدلة، والألف واللام للعهد، أي أدلة الفقه؛ لأنه لما أضيف الأصل إلى الفقه وهو علم، كان بمعنى الدليل، كما يقال: الأصل في هذا الكتاب، وهو حد لفظي بعد النقل؛ لأن العلم بالقواعد مسمى الأصول، والأدلة حد لذلك المسمى بعد النقل، وأما قبله فلا؛ إذ الأدلة الكتاب والسنة لا العلم بالقواعد، وإن حمل الأصل على معناه اللغوي حتى يكون معناه ما يستند الفقه إليه، كان حدًا له لا بعد النقل.
قال: (الفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال).
أقول: لما تكلم عن المضاف، أخذ الآن يتكلم في المضاف إليه.
[ ١ / ١٤٥ ]
والفقه لغة: الفهم، قال الله تعالى: ﴿لا تفقهون تسبيحهم﴾ أي لا تفهمون، وقال: ﴿ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾ أي [لا نفهم]. وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، إذ لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا.
قلت: [والأول] أصح، وكونه لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا؛ لأنه لا يقال: فهمت أن السماء فوقنا.
وفي الاصطلاح: ما ذكر فالعلم جنس، وليس المراد من العلم بالأحكام تصورها؛ لأن ذلك من مبادئ أصول الفقه.
وأيضًا: التصور لا يحصل عن الدليل، وليس المراد التصديق بثبوتها؛ لأن ذلك من علم الكلام، بل التصديق بتعلقها بأفعال المكلفين.
والعلم بمعنى الاعتقاد الراجح لا بمعنى اليقين، وإلا لم يدخل المقلد،
[ ١ / ١٤٦ ]
فلا يحتاج إلى إخراجه، ولم يتوجه إيراد المصنف على الحد /، ولأن الفقه من باب الظنون لأن دليله ظني، والناتج عن الظني ظني، وما يحاولونه من رده إلى العلم فباطل، ولنقرره أولًا، ثم لنجب عنه.
وتقريره: أن يقول المجتهد: هذا الحكم غلب على ظني، وكلما غلب على ظني فهو حكم الله تعالى في حقي إجماعًا، فينتج: هذا حكم الله تعالى في حقي إجماعًا.
الأولى وجدانية، والثانية إجماعية، فهما قطعيتان، والناتج عن [القطعي قطعي]؛ ولأنه إذا ظن الحكم، إما أن يعمل بالطرف الراجح وهو المطلوب، أو بهما وهو ج مع بين النقيضين، أو لا بهما فيرتفع النقيضان، أو بالطرف المرجوح، وترجيح المرجوح خلاف المعقول، فصدق قولنا: الحكم يجب العمل به قطعيًا، وكون الظن وقع في طريقه لا يضر؛ لأنه وقع الظن محمولًا في الصغرى، موضوعًا في الكبرى، ولا
[ ١ / ١٤٧ ]
يلزم من كون المحمول ظنيًا كون القضية ظنية إذا كانت النسبة يقينية.
وأجيب عن الأول: بأنه إضمار في التعريف؛ لأن قولنا: «العلم بالأحكام» لا يدل على وجوب العمل [بها]، والمجاز يجتنب في التعريف، والحدود الناقصة والرسوم وإن كانت دلالتها على المحدود
[ ١ / ١٤٨ ]
والمرسوم مجازًا، لكن لم يرد بها المحدود والمرسوم، بل المراد المفهوم المطابقي، ودلالتها عليه بالحقيقة.
وأيضًا: هذا دليل كلي يتمشى له في كل جزئية، والفقه ما كان عن أدلة تفصيلية.
وأيضًا: هذا البحث مبني على تصويب كل مجتهد، ومختار المصنف خلافه، فلا يحمل كلامه على ما ينافي مختاره.
وأيضًا: الظن متعلق بأنه الحكم المطلوب، والعلم بتحريم المخالفة، يصدق كون الأحكام مظنونة، وإلا اجتمع الظن والعلم.
وأيضًا: يلزم أن يكون من يعلم أن العمل بمقتضى الظن بالأحكام واجب فقيه وإن لم يعلم غير هذه القضية.
وأيضًا: لا يلزم من غلبة الظن بشيء العلم بتلك الغلبة، إذ لا يلزم من حصول أمر تعقله، وإلا لتسلسلت المتعقلات.
[ ١ / ١٤٩ ]
وأجيب عن الثاني: بأن نختار القسم الثالث، وعدم العمل قد يكون لعدم الجزم بأحدهما، مع أن الواقع لا يخلو عن أحدهما، والمحال ارتفاعهما في الواقع.
سلمنا، ونختار الرابع.
قوله: (خلاف المعقول) إنما ذلك لو كان المرجوح عنده هو المرجوح في الواقع، وهو غير لازم، إذ قد يكون الظن غير مطابق، ثم لو صح ما ذكر يلزم انحصار الفقه في الوجوب، فإن قال: المراد وجوب اعتقاد الحكم على الوجه المظنون، قلنا: لا دلالة لقولنا العلم بالأحكام على قولنا: العلم بوجوب اعتقاد العمل بالأحكام، فيكون فاسدًا.
قوله: (بالأحكام) جمع حكم، والمراد به / هنا المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع تعلقًا تنجيزيًا، وهو الذي قال في النسخ: (ونعني بالحكم ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن)، ونسبتها إلى الشرع من جهة أن استفادة العلم متعلق بأفعال المكلفين من الشرع، لا أن
[ ١ / ١٥٠ ]
ثبوتها من الشرع؛ لأنها قديمة قائمة بذاته تعالى، ونسبتها إلى الفرعية من جهة تعلقها بالعمل الذي هو فرع العلم، والأدلة التفصيلية هي الأدلة الجزئية. قال بعضهم: إن متعلق العلم إما أن يكون غير مفتقر إلى محل أو لا، والأول الذات الكريمة والجواهر، والثاني إما أن يكون تأثيرًا في الغير أو لا، والأول الفعل كالتسخين والتبريد، [وإنما] قلنا: تأثيرًا في الغير ولم نقل: مبدأ التأثير؛ لأن مبدأ التأثير في الغير هو الفاعل لا الفعل، والثاني إما أن يكون مقتضيًا لنسبة مفيدة أو لا، والأول الحكم، [قلت: وفيه نظر؛ لأن الحكم قسم من الكلام، والكلام نسبة على ما ذكر المصنف، لا أنه يقتضي النسبة]، والثاني الصفة الحقيقية كالقدرة والإرادة.
فقوله: (الأحكام) خرج الذوات والأفعال والصفات الحقيقية.
[قلت: وهذا إنما يتمشى على رأي الحكماء والمعتزلة، وإلا فالكلام من الصفات الحقيقة عند الأشاعرة].
[ ١ / ١٥١ ]
وبالشرعية خرج العقلية، وبالفرعية خرج الأصولية.
قيل: إن أردتم بالفرعية ما تعلق بالعمل الذي هو ناشئ عن العلم، يلزم أن يكون قولنا: الكتاب حجة فرعًا، لتعلقه بالعمل؛ لأنه إذا كان حجة يجب العمل به، وإن أردتم ما تفرع عن الغير، لزم أن تكون الأصول فروعصا، لتفرعها عن الكلام، وإن أردتم ما لم يتفرع عنه غيره، لزم أن لا تكون الفروع التي يتفرع عنها غيرها فروعًا.
ورد: بأنا نختار الأول، والمراد تعلق العلم بكيفية العمل لا بواسطة، بخلاف هذا، أو نختار الثاني، والكلام دل على ثبوتها لا على حجيتها.
وقوله: (عن أدلتها التفصيلية) إن علق بالفرعية، فهو لبيان الواقع ولا يخرج به شيئًا، وبقيد الاستدلال يخرج علم الله تعالى، وعلم الملائكة، وعلم الرسول ﷺ، وما علم من دين الأمة بالضرورة، وعلم المستفتي.
وإن علق بالعلم، خرج علم الله تعالى، وعلم الرسول ﷺ، والملائكة، وما علم من دين الأمة بالضرورة بقوله: (عن أدلتها التفصيلية).
وبقيد الاستدلال يخرج المستفتي؛ لأن علم الله ﵎ لا عن دليل وعلم الرسول ﷺ لا عن دليل، بل بإعلام الله تعالى بالوحي، أو بخلق ذلك في قلبه، وعلم الملك ضروري، وما علم من دين الأمة بالضرورة ليس عن دليل، والكل ليس بفقه.
[ ١ / ١٥٢ ]
لا يقال: علم الله ﷾ عن الدليل، لأن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، لأنا نقول: الأدلة معرفات لا علل.
وأيضًا: كل ما حصل عن الدليل فهو كسبي، وكل كسبي حادث. قيل: قيد الاستدلال مستغنى عنه، إذ علم المستفتي ليس عن دليل. وأجيب: لما كان علمه عن علم المفتي، وعلم المفتي عن الدليل، فعلمه عن الدليل لكن بواسطة، فقيد الاستدلال يخرجه، إذ لم يعلم بالاستدلال.
قلت: وفيه نظر؛ لأنه حينئذ لا يكون متعلقًا بالعمل بل بصفة، بمعنى المعلومة عن أدلة تفصيلية؛ لأنه علم ما علمه الغير عن دليل، لا أنه هو علم عن الدليل، وأيضًا: يرد مثل ذلك في قولنا بالاستدلال؛ لأن ما علم المستفتي صدق أنه علم عن الأدلة بالاستدلال بالنسبة إلى المفتي، معأن علم المستفتي فعن دليل كلي، وهو: هذا أفتاني به المفتي، وكل ما أفتاني به فهو حكم الله تعالى في حقي.
والفقه ما كان عن أدلة تفصيلية، لكن ثبت في بعض النسخ، ولأن قولنا: الاستدلال يخرجه فتغير على هذا، والحق أنه متعلق بالعلم؛ لأن الحكم قديم، فالعلم به عن الدليل، لا أن نفسه عن الدليل.
[ ١ / ١٥٣ ]
قال: (وأورد: إن كان المراد بالبعض، لم يطرد الدخول المقلد، وإن كان الجميع، لم ينعكس لثبوت لا أدري.
وأجيب: بالبعض ويطرد؛ لأن المراد بالأدلة الأمارات، وبالجميع وينعكس؛ لأن المراد تهيؤه للعلم بالجميع).
أقول: يجب أن يكون الحد مساويًا للمحدود في العموم والخصوص ولا يكون أعم، إذ لا دلالة للأعم على الأخص، ولا أخص لأن الأخص أخفى [ولا يعرف به]، فحينئذ هذا التعريف فاسد؛ لأن الألف واللام إن كانت لا للاستغراق، يلزم أن يكون ما علمه المقلد فقهًا، وليس كذلك فقد وجد الحد ولا محدود، وهو عدم الاطراد، وإن كانت للاستغراق، يلزم تحقيق المحدود بدون الحد؛ لأن مالكًا سئل في أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين: لا أدري، وما علم مالك فقه، فقد ثبت المحدود ولا حد وهو عدم للانعكاس، وأنكره بعضهم بأن الحد للحقيقة من غير تعرض
[ ١ / ١٥٤ ]
للأقسام الداخلة، كحد الإنسان، لا يقال للكل ولا للبعض.
رد: بأنه لما عدل عن تقييد العلم بالحكم إلى الأحكام؟ .
وأجاب المصنف: أنه نختار الأول.
قوله: (لا يطرد) نمنعه؛ لأن المراد بقولنا: عن أدلتها، عن أماراتها والأمارة ليس بينها وبين مدلولها ربط عقلي، فلابد من شيء يربط بينها وبين الظن ليمكن الاستفادة، وليس ذلك إلا العلم بأنه ليس لها معارض وأنها راجحة، ولا يعلم ذلك إلا فقيه، فسمي ذلك فقهًا.
أو / نختار أنها للاستغراق، والمراد ليس العلم بالفعل، بل التهيؤ للعلم [بالجميع]، تهيؤًا قريبًا من الفعل.
قلت: والأول مبني على تجزي الاجتهاد، والمصنف لم يثبته بعد ولم ينفه، فلذلك ما جزم بهذا الجواب.
[ ١ / ١٥٥ ]
قلت: ويرد عليه: أن الدليل للقدر المشترك بين البرهان والأمارة، فاستعماله لخصوص الأمارة مجاز، ولا يسوغ في الحد.
وأيضًا: يلزم أن يكون ما علم عن نص أو إجماع ليس بفقه.
قلت: ويرد أيضًا على اختيار القسم الثاني: من ثبت عنه لا أدري وبقي [على ذلك] إلى أن مات متوقفًا، فإنه لم يتهيأ للعلم بالجميع.
واعلم أن إطلاق العلم لإرادة التهيؤ للعلم وإن كان مجازًا، إلا أنه صار حقيقة عرفية، والمقلد هنا غير العامي، واصطلاح المصنف فيما بعد على تسمية العامي بالمستفتى، ولا يلزم مما ذكر أن يكون من علم حكمًا [واحدًا] بالدليل فقيهًا، وهو مذهب شذوذ.
قال بعضهم: والجمهور شرطوا في إطلاق اسم الفقيه كون الأحكام ثلاثة، وقال بعضهم: إنه خلاف المشهور.
قلت: وهو الحق.