سلمنا الملازمة، ونمنع بطلان التالي؛ لأن العقل لما استقل بإدراك حسن بعض الأفعال الموجب للثناء، فالعقل مستقل بإدراك الفائدة الأخروية.
سلمنا، وذلك لازم عليكم في الوجوب الشرعي؛ لأنا نقول: لو وجب لوجب لفائدة إلخ.
وأجيب: بأن نفس الشكر ليس فائدة لما مرّ، وليس المراد لوجب لفائدة زائدة بل أعم، وحصول المنفعة ودفع المفسدة نفسه فائدة.
وعن المعارضة: بأن الوجوب الشرعي لا يستدعي غرضًا، ولو سلّم فالشرع الموجب مستقل بإدراكها، وهنا العقل لا يستقل بإدراكها، ويستحيل أن يوجب العقل شيئًا لفائدة لا يعلمها.
قال: (الثانية: لا حكم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح.
وثالثها لهم: الوقف عن الحظر والإباحة.
وأما غيرها فانقسم عندهم إلى خمسة، لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال.
الأستاذ: إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف، وأحب مملوكه قطرة، فكيف يدرك تحريمها عقلًا؟ .
قالوا: تصرف في ملك الغير.
قلنا: ينبني على السمع.
ولو سلّم، ففي من يلحقه ضرر ما.
ولو سلّم، فمعارض بالضرر الناجز.
وإن أراد المبيح ألا حرج، فمسلّم.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وإن أراد خطاب الشارع، فلا شرع.
وإن أراد حكم العقل بالتخيير، فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه.
قالوا: خلقه وخلق المنتفع به، والحكمة تقتضي الإباحة.
قلنا: معارض بأنه ملك غيره، وخلقه ليصبر فيثاب، وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة، ففاسد.
وإن أراد أنه وقف لتوقف الحق فيه على السمع، فهو حق).
أقول: الثانية في حكم أفعال العباد قبل الشرع.
وقد قسّم المعتزلة الأفعال الاختيارية لا الاضطرارية - كالتنفس في الهواء فإنه مقطوع بإباحته عندهم - إلى ما لا يهتدي
العقل فيه إلى حسن ولا قبح.
ولهم فيه ثلاثة مذاهب: الحظر، والإباحة، والوقف.
وما يقضي العقل به بحسن أو قبح ينقسم عندهم إلى الخمسة؛ لأنه إن اشتمل أحد طرفيه على مفسدة، بأن كل المشتمل فعله، فحرام.
وإن كان المشتمل تركه، فواجب.
وإن لم يشتمل عليها بل اشتمل على مصلحة، فإن كان المشتمل فعله
[ ١ / ٤٥٠ ]
فمندوب، وإن كان المشتمل تركه فمكروه، وإن لم يشتمل على مصلحة ولا مفسدة فمباح.
قلت: لم تظهر هنا فائدة للتنزل؛ لأن ما يقضي العقل فيه بحسن أو قبح لم يتكلم المصنف على إبطال مذهبهم فيه بعد تسليم الحسن والقبح، وما لا يقضى فيه بحسن ولا قبح لا أثر للتنزل أيضًا فيه، لأنهم ما بنوه على التحسين والتقبيح، ضرورة أن العقل / لا يقضي فيه بحسن ولا قبح، فلم يحكم فيه حكمًا تابعًا للحسن والقبح، وإنما حكم لأمر آخر.
إما للحظر، فأخذًا بالاحتياط والأشد استبراء للنفس.
ومن أباح قال: لو حرمه لنصب عليه دليل عقلي أو شرعي.
والواقف لتعارض الأمرين، وهذا أمر لا شك فيه؛ لأن الفرض أنها مما لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح، ولا يلزم ألا يقضي فيها بحرمة؛ لأن التحريم ليس بملزوم للقبح عندهم، وروي أيضًا الوقف عن الأشعري.
ولأصحابنا المالكية الأقوال الثلاثة فيما لا مستند له من كتاب ولا سنّة ولا إجماع.
أما التحريم فأخذًا بالأحوط؛ لأن الله تعالى بّين الأشياء، فإهماله حكم هذا الشيء يكون عن قصد، فاجتراؤنا على الإقدام عليه لا يقتضيه الشرع.
[ ١ / ٤٥١ ]
وأما الإباحة؛ فلأنها لو حرمت لبّين تعالى ذلك، إذ يبعد تحريم شيء من غير بيان.
وأما الوقف؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أحل لكم﴾، وقال: ﴿حرم عليكم﴾، فلو كانت على الحظر ما قال: حرّم عليكم، ولو كانت على الإباحة ما قال: أُحلّ لكم.
احتج المصنف على القائل بالحظر فيما لا يقضي العقل فيه: بأن الأفعال لو كانت محظور وفرضنا ضدين يمتنع الخلو عنهما كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال، بيان اللزوم؛ أن العقل إذا لم يقض في الحركة ولا في السكون وقلنا بالحظر، كان كل من الحركة والسكون حرامًا، فالتكليف بتركهما تكليف بالمستحيل، إذ لا يمكن تركهما، والتكليف به قبيح لذاته، وفي إطلاق الضدين على المذكور مسامحة، ثم لهم أن يقولوا في ضدين لا واسطة بينهما بحكم العقل بإباحة أحدهما قطعًا، وأيضًا: لا يلزم من انتفاء
[ ١ / ٤٥٢ ]
المجموع المركب من كونها محظورة ومن ضدين كما ذكر انتفاء كونها محظورة، لجواز أن يكون انتفاء المجموع بانتفاء الضدين، لا يقال: فرض الضدين كما ذكر ممكن، ولذلك قال: وفرضنا ضدين، فلو كانت محظورة لزم إمكان التكليف بالمحال لأنا نقول: فرضها كما ذكر ممكن ذهنًا، ولا نسلم أنه ممكن في الخارج بحيث لا يستلزم محال.
سلمنا أنه ممكن في الخارج بحيث لا يستلزم محال.
سلمنا، ولا نسلم إمكان التكليف بالمحال قبيح عقلًا، إذ لا استحالة في إمكان أن يقال لشخص في زمان واحد تحرك واسكن، والقبيح هو التكليف به لا إمكان التكليف به.
احتج الأستاذ على القائلين بالحظر بما لا يفيد إلا استبعاده وهو: أن من ملك بحرًا لا ينزف أي لا يذهب ماؤه، وكان جوادًا، واحتاج مملوكه إلى قطرة من ذلك البحر، فكيف يتصور منع الجواد ذلك المملوك من تلك القطرة، فالجواد المطلق أولى، وهو من قياس الغايب على الشاهد.
ولقائل أن يقول: لا نسلّم أنه لا يدرك عقلًا تحريمه، ولا يلزم منه القبح حتى يخرج عن محل النزاع.
احتجوا: بأن مباشرة الأفعال المذكورة تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيكون حرامًا، كما في الشاهد، أو عقلًا ولا يلزم قبحه كما مرّ.
أجاب: بأن التصرف في ملك الغير حرام عقلًا ممنوع، ولولا ورود السمع به ما علم، ولا يستقيم هذا المنع على التنزيه، ولا يلزم من الحرمة القبح، ولو سلم أنه حرام عقلًا / ففي من يلحقه ضرر ما بالتصرف في ملكه ولذلك لا يقبح النظر في مرآة الغير، وشم عطره، والاستظلال بجداره،
[ ١ / ٤٥٣ ]
والاصطلاء بناره، والله تعالى منزه عن الضرر، ولو سلّم أنه حرام عقلًا مطلقًا لجواز تضرر المتصرف آجلًا، فمعارض بما في المنع من الضرر الناجز ودفعه عن النفس واجب عقلًا، مع أن اعتبار الحاضر أولى.
لا يقال: فرض تضرره في الحال يصيرها مما يقضي العقل فيها بقبح، فيخرج عن محل النزاع.
لأنا نقول: المراد بالضرر الناجز جوازه لا الجزم بتحقق الضرر الناجز؛ لأن العقل وإن لم يجزم فيها بقبح لكن لا يجزم بعدم احتمال الضرر الناجز.
ثم استفسر المصنف المبيح فقال:
إن أردت لا حرج في الفعل ولا حرج في الترك فمُسلّم، إذ الحرج إنما يحصل من الشرع ولا شرع، وإن أردت خطاب الشرع بذلك، فالفرض أنه مما لا يحكم العقل فيه بحسن ولا قبح في حكم الشارع، وذلك معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه، وقد فرضته كذلك فيتناقض، هذا على النسخ التي فيها «وإن أراد خطاب الشارع فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه»، وعلى النسخ التي فيها «وإن أراد خطاب الشرع فلا شرع»، أي وإن أراد الإذن الشرعي فلا إباحة قبل الشرع، إذ لا شرع، وإن أراد بالإباحة حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك فلا إباحة أيضًا، إذ الفرض أنه من الأفعال التي لا مجال للعقل فيها.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وفيه نظر على النسختين معًا؛ إذ لا يلزم من كونه لا مجال للعقل فيه بحسن أو قبح ألا يحكم فيه بالإباحة.
احتج المبيح: بأن الله تعالى خلق العبد وخلق ما ينتفع به، فالحكمة تقتضي إباحه له، تحصيلًا للمقصود من خلقهما، وإلا كان عبثًا.
أجاب: بالمعارضة بأنه ملك الغير فيحرم، وأيضًا لا يلزم من عدم الإباحة عبث؛ لأنه ربما خلقها ليشتهيها فيصبر عنها فيثاب عليها.
واعلم أن المعارض مرفوعة بما تقدم، مع أنها تنافي تسليم المصنف الإباحة بمعنى لا حرج، وإنما قال: فالحكمة تقتضي الإباحة، توهمًا أنه لو قال: فالفعل يقتضي الإباحة، خرج عن موضوع المسألة، ولسي كذلك لما عرفت. ثم استفسر القائل بالوقف، فقال: إن توقف على الحكم لتوقف الحكم على السمع فهو حق، وإن توقف لتعارض الأدلة ففاسد، لأنا تبينا بطلانها فلا تعارض.
والحق أن الوقف لتوقف الحكم على السمع باطل، إذ الحكم قديم فلا يتوقف تعلقه على البعثة، نعم الوقف لتوقف العلم صحيح؛ إذ للواقف أن يقول: أردت أن ثمَّ حكمًا بأحدهما في نفسه، فالبعض مباح والبعض محظور ولا أدري أيهما هو الفعل المعني.
[ ١ / ٤٥٥ ]