أو امتنع [لالتباس النبي بالمتنبي المؤدي] إلى سدّ باب إثبات النبوة.
وأما عن الملازمة الثانية، فالجواب: أنا لا نسلّم انتفاء التالي؛ لأنه إن أريد بقبح هذه الأمور التحريم الشرعي وهو المنع من الله تعالى الذي الراجح فيه التزامنا عدم قبحه، وإن أريد غيره لم يضر؛ لأنه إثبات لغير المتنازع فيه، أو نمنع اللزوم لجواز أن يحكم بقبح هذه الأشياء لكونها صفة نقص، والعقل يحكم بالقبح بهذا المعنى.
قال: (مسألتان على التنزل، الأولى: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا لأنه لو وجب لوجب الفائدة، وإلا كان عبثًا وهو قبيح، ولا فائدة الله تعالى لتعاليه عنها، وإلا للعبد في الدنيا لأنها مشقة ولا حظّ للنفس فيه ولا في الآخرة، إذ لا مجال للعقل في ذلك.
قولهم: الفائدة الأمن من احتمال العقاب في الترك وذلك لازم الخطور مردود، وبمنع الخطور في الأكثر، ولو سلّم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر؛ لأنه تصرف في ملك الغير، أو لأنه كالاستهزاء، كمن شكر ملكًا على لقمة، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر).
أقول: لما بطل حكم العقل، لم يجب شكر المنعم قبل ورود الشرع، ولم يكن للأشياء حكم قبل ورود الشرع، لكن عادة كثير من متأخري
[ ١ / ٤٤٦ ]
الأصحاب فرض الكلام مع المعتزلة في هاتين المسألتين، إظهارًا لما يختص بهما من المناقضة، ولسقوط كلامهم فيهما بعد تسليم الحسن والقبح.
ومعنى التنزل: الانحطاط عن المذهب الأشرف.
المسألة الأولى: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا، فلا إثم على من لم تبلغه دعوى النبوة خلافًا للمعتزلة، وشكر المنعم: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من القوى الظاهرة والباطنة فيما خلقت لأجله، كصرف النظر إلى مشاهدة مصنوعاته.
واحتج عليه: بأنه لو وجب عقلًا لوجب لفائدة، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلأنه لو وجب لا لفائدة لكان عبثًا وهو ممتنع على الحكيم.
وأما الثانية؛ فلأن الفائدة إما لله وإما للعبد، والثاني إما في الدنيا أو في الآخرة، والثلاثة منتفية.
أما الأول: فلتعاليه عن الفائدة.
وأما الثاني: فلأنه مشقة وتعب ناجز ولا حظّ للنفس فيه؛ لأنها حرمت الشهوات واللذات.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأما الثالث: فلأن أحوال الآخرة غيب، ولا مجال للعقل في الجزم بإيجاب الفائدة، لاحتمال العقاب على الشكر.
واعترض / المعتزلة الدليل المذكور: بمنع بطلان التالي.
قولكم: لا فائدة للعبد في الدنيا نمنعه؛ لأن الأمن من احتمال العقاب بتقدير ترك الشكر فائدة، والاحتمال المذكور لازم الخطور ببال كل عاقل لأنه إذا رأى النعم التي أنعم الله بها عليه التي لا تحصى، علم أنه لا يمتنع كون المنعم بها ألزمه الشكر، وأنه إن لم يشكر عاقبه.
وردّه المصنف من وجهين:
الأول: أنا نمنع لزوم خطوره بالبال، لأنا نعلم أن ذلك ما خطر قط لأكثر الناس ببال وإنما يخطر بالبعض، وأنتم أوجبتم الشكر على الكل.
سلمنا لزوم الخطور، لكن خوف العقاب على الترك معارض لاحتمال العقاب على الشكر، إما لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك وهو محتمل للعقاب عليه، وإما لأنه كالاستهزاء كمن شكر ملكًا عظيمًا على لقمة بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أعظم، بل لا نسبة بينهما، وإذا كان كالاستهزاء فلا يأمن من العقاب بفعله.
وقدح بعضهم في الدليل المذكور: بأن الكلام على التنزل، وحينئذ تمنع الملازمة؛ لجواب أن يكون الشكر لنفسه، كما أن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة [مطلوب] لنفسه.
[ ١ / ٤٤٨ ]