أنه يحتاج إلى اصطلاح آخر سابق عليه بالزمان، وإلا لكان اللازم التسلسل لا الدور.
وفيه نظر؛ لأن الدور لازم أيضًا، لأنا نقول: لو كان الجميع اصطلاحيًا، احتيج في تعلمها إلى اصطلاح آخر سابق، وذلك الاصطلاح يعرف باصطلاح آخر سابق، ولابد أن يعود إلى الأول، ضرورة تناهي الاصطلاحات، فيلزم الدور.
أجاب: بمنع توقفه على اصطلاح سابق، لجواز أن يعرف قصدهم إرادة الوضع بالإشارة والقرائن، كما تعرف الأطفال بها لغة آبائهم.
لا يقال: هو معارض بمثله، أي لو لم يكن القدر المحتاج اصطلاحيًا لزم الدور؛ لتوقف التوقيف على معرفة كون تلك الألفاظ للدلالة على المعاني، وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ، فإن كان توقيفًا فالكلام فيه كما مر، ويدور أو يتسلسل.
وجوابه: أنه يجوز أن يكون بعلم ضروري، أو بالإشارة العقلية لا الحسية لاستحالتها.
قال: (طريق معرفتها التواتر فيما لا يقبل التشكيك كالأرض، والسماء، والحرّ، والبرد، والآحاد في غيره).
أقول: لما كان العقل لا يستقل بمعرفة الموضوعات اللغوية، كان طريق معرفتها النقل، فما لا يقبل التشكيك أي يعلم وضعه لما استعمل فيه قطعًا
[ ١ / ٤١٦ ]
كالأرض، والسماء، والحرّ، والبرد، طريقه التواتر.
وما يقبل التشكيك، فما يظن وضعه لما استعمل فيه طريق الآحاد، والنقل يحتاج في إفادته العلم بالوضع إلى ضميمة عقلية، إذ صدق المخبر لابد منه، وهو أمر عقلي، فليس المراد بالنقل أن يكون مستقلًا بالدلالة من غير مدخل للعقل، فحينئذ إذا علم بالنقل [أن الجمع] المعرف باللام يدخله الاستثناء، وعلم به أيضًا أن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله، استنبط العقل من هاتين المقدمتين أن الجمع المعرّف باللام للعموم.
فهذا طريق من الطرق المثبتة للغة، وقد صرح به المصنف في قوله: (إلا بنقل أو استقراء التعميم).
وفي غير ما موضع يقول: لنا الاستقراء، وقال: قلنا ثبت بالاستقراءات المتقدمة.
[ ١ / ٤١٧ ]