لنا: أن الأمر طلب يستلزم الترجيح ولا ترجيح.
قال: كل مباح ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وتأول الإجماع على ذات الفعل، لا بالنظر إلى ما يستلزمه جمعًا بين الأدلة.
وأجيب بجوابين:
أحدهما: أنه غير متعين لذلك، فليس بواجب، وفيه تسليم أن الواجب واحد، فما فعله فهو واجب قطعًا.
الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام إذا ترك بها واجبًا، وهو يلتزمه باعتبار الجهتين، ولا مخلص إلا بأن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي أو عادي فليس بواجب، وقول الأستاذ: تكليف، بعيد).
أقول: المباح غير مأمور به عند الجمهور.
[ ٢ / ٨٤ ]
وقال الكعبي وأتباعه من المعتزلة: لا مباح في الشرع، بل كل ما يفرض مباحًا، فهو واجب مأمور به.
قال أيضًا: المباح مأمور به ولكن دون المندوب، كما أن المندوب دون الواجب.
حجة الجمهور: أنه لو كان مأمورًا به، لترجح فعله على تركه، أما الملازمة: فلأن الأمر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك، وأما بطلان التالي: فلأن المباح لا ترجيح فيه على ما سبق من تعريفه، وللكعبي منع عدم الترجيح تفريعًا على القول بوجوبه.
والحق أن النزاع لفظي؛ لأنه إن أريد أنه مأمور به باعتبار ذاته فليس كذلك، ودليله لا ينهض عليه، ودليل الجمهور ينفيه، وإن أريد أنه مأمور به بالتبعية، باعتبار توقف الواجب عليه فهو مأمور به، وإن كان المصنف منعه، لكن فيه ما تقدم.
احتج الكعبي: بأن كل مباح هو ترك حرام، إذ ما من شيء يوصف
[ ٢ / ٨٥ ]
بالإباحة إلا ويتحقق بمباشرة ترك حرام ما، وكل ما هو ترك حرام واجبًا إجماعًا، فالمباح واجب، وهنا تم دليله.
وقوله: «وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» جواب عن سؤال مقدر وهو: أنه ليس ترك الحرام نفس فعل المباح، إايته أنه يحصل بفعل المباح.
وأجاب: بأنه لا يضر، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وألزم أن الدليل والدعوى في مصادمة الإجماع فلا تسمع؛ لأن الاجماع على أن فعل المكلف ينقسم إلى مباح وواجب، ولا شيء من المباح بواجب، واعتذر عن الإجماع بأن ما ذكرنا من الدليل قطعي، فيجب تأويل الإجماع بذات الفعل، فيخص الإجماع بذلك جمعًا بين الأدلة؛ إذ الإجماع على انقسام الفعل إلى الأحكام الخمسة بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى ما يستلزمه من ترك الحرام، فيكون بحسب ذاته مباحًا، وبحسب ما يستلزمه واجبًا، والتخيير باعتبار الذات لا ينافي الترجيح باعتبار، فلا خرق للإجماع.
وأجيب بجوابين غير مرضيين عند المصنف:
الأول: لا نسلم أن فعل المباح لا يتم ترك الحرام إلا به، وسند المنع أنه غير متعين لذلك، لإمكان ترك الحرام بفعل غير المباح من واجب أو مندوب، فلا يكون المباح واجبًا عينًا، وضعّفه بأن فيه تسليم أن الواجب أحدهما لا بعينه، فما فعل فهو واجب قطعًا، غاية ما في الباب أنه واجب مخير لا معين، وهو لم يدع إلا أصل الوجوب.
لا يقال: قوله: «فما فعله فهو واجب قطعا» إن أراد أنه واجب بخصوصه فممنوع، وإن أراد أنه واجب لاشتماله على الواجب الذي هو
[ ٢ / ٨٦ ]
مسمى الضد فمُسلَّم، ولا يفيد الكعبي، لأن مدعاه وجوب كل معين لا وجوب مسمى الضد.
لأنّا نقول: كل واحد من المعينات من أفراد المباح ومن أفراد الواجب والمندوب والمكروه، تصير لترك الحرام كخصال الكفارة، فيكون فردًا من أفراد الواجب، وأيضًا: إذا وجب ذلك الفرد الذي حصل به ترك الحرام لا قائل بالفرق.
الجواب الثاني: النقض، وهو أنه لو صح الدليل المذكور، لزم كون الصلاة حرامًا إذا ترك بها واجبًا، كالزكاة الواجبة على الفور، أما الملازمة: فلأن الزكاة التي تجب على الفور لا تتم إلا بترك الصلاة، فيكون ترك الصلاة واجبًا، فتكون الصلاة حرامًا، وهو باطل، وضعّفه بأن للكعبي أن يلتزم كون الصلاة واجبة بالنظر إلى ذاتها، حرامًا باعتبار تركه الزكاة بسببها، كالصلاة في الدار المغصوبة.
ثم لم رأى المصنف ضعف ما ردَّ به قول الكعبي، قال: لا مخلص من دليله إلا بمنع أن ما لا يتم الواجب إلا به إن كان عقليًا أو عاديًا واجب.
والمصنف إنما خالف الجمهور فيما لا يتم الواجب إلا به لهذا الغرض، ولا حاجة إلى شيء من هذا؛ لأن مراد الكعبي إن كان أن المباح واجب على البدل كالمخير فهو حق، وإن أراد أنه واجب عينًا فباطل.
ثم قال: (وقول الأستاذ: الإباحة تكليف، بعيد)، لما كان هذا
[ ٢ / ٨٧ ]