وفي الاصطلاح: ما تقدم، والواجب الفعل المتعلق للوجوب، وما يعاقب تاركه مردود بصدق إيعاد الله، وما يخاف مردود بما يشك فيه.
وقال القاضي: ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما، وقال: بوجه ما، ليدخل الواجب الموسع والكفاية، حافظ على عكسه فأخل بطرده، إذ يرد الناسي والنائم والمسافر، فإن قال: يسقط الوجوب بذلك، قلنا: ويسقط بفعل البعض.
والفرض والواجب مترادفان.
الحنفية: الفرض / المقطوع به، والواجب المظنون).
[ ٢ / ١٧ ]
أقول: الوجوب لغة: الثبوت، ومنه قوله ﵊: «إذا وجب المريض فلا تبكين باكية»، أي: إذا ثبت وزال عنه الاضطراب، والوجوب أيضًا السقوط، قال الله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت.
وفي الاصطلاح ما تقدم، وهو: خطاب بطلب فعل غير كف ينتهض
[ ٢ / ١٨ ]
تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، والواجب هو الفعل الذي تعلق به الوجوب، فهو فعل غير كف، فينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، ومنه تعلم حدّ الأقسام الأخر ومتعلقاتها.
ثم ذكر للواجب رسوما مزيفة، على أن الامدي إنما ذكرها رسوما للوجوب، ثم اعترضها بأنها تصلح رسوما للفعل الذي هو الواجب، لا الحكم الذي هو الوجوب.
الأول: ما يعاقب تاركه، وهو غير منعكس، لخروج الواجب الذي عفي عنه تاركه.
ونقل الآمدي هذا الرسم: ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو على هذا منعكس؛ لأن متروك من عفي عنه يستحق على تركه العقاب؛ إذ لو عوقب كان ذلك ملائمًا لنظر الشارع، وهو معنى الاستحقاق على الترك، ولا يرد هذا على الحدّ المختار؛ لأن الترك وإن كان سببًا، لكن يجوز تخلف العقاب لمانع.
الثاني: ما أوعد بالعقاب على تركه ليندفع الإيراد، وردًّ: بأن إيعاد الله خبره، وخبره صدق فيستلزم العقاب على الترك ويعود [الإيراد].
لا يقال: لا نزاع في أن الواجب أوعد بالعقاب على تركه، فهذا الرد إنما يجيء على مذهب المعتزلة في عدم جواز العفو؛ لأنّا نقول: ما جاء من
[ ٢ / ١٩ ]
الظواهر في الوعيد فهي عمومات مخصوصة، فالمراد من العموم هو الذي أوعد من العقاب ولا يجوز العفو عنه لاستحالة الخلف في الخبر، ومن عفي عنه غير مراد من العموم، فليس وعدًا بالعقاب، فمتروك العفو عنه واجب وهو غير متواعد بالعقاب على تركه.
الثالث: ما يخاف العقاب على [تركه].
وردّ: بأنه غير مطرد؛ لأن ما يشك في وجوبه ولا يكون واجبًا في نفس الأمر، يخاف العقاب على تركه.
قيل: لا يتصور ما يشك في وجوبه؛ لأن المجتهد إن شك لعدم الدليل كان الحكم عدم الوجوب جزمًا، فينتفي الشك، وإن كان لتعارض الدليلين فعند من قال يتخير ينتفي الشك، وعلى الآخر تساقطا ويرجع إلى البراءة الأصلية، وجوابه: إن ذلك يتصور إذا قدم على الترك قبل بذل وسعه في طلب الحكم، ويكون مباحًا في الواقع.
وقال القاضي أبو بكر: ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما، [والمراد بالذم شرعًا نص الشارع به أو بدليله؛ إذ لا وجوب إلا بالشرع].
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال: «بوجه ما» ليدخل الواجب الموسع وفرض الكفاية، إذ لا يذم تاركهما مطلقًا بل بوجه، أما الموسع فيذم إذا تركه في جميع وقته، وأما الكفاية فإنما يذم إذا تركه جميع المكلفين.
قيل: تارك الظهر في جزء معين من الوقت ما ترك واجبًا، إذ ليست بواجبة به على الصحيح، فلا يحتاج إلى دخول الموسع.
وأجيب: بأن القاضي يرى في الموسع أن الواجب الفعل أو العزم، فقال: يذم تاركه بوجه ما، إذا ترك الفعل والعزم.
قال السهروردي: الذام إما أن يكون صاحب الشرع أو أهل الشرع، أما الأول فباطل؛ لأن الشرع ما نص على ذم كل تارك، وأما أهل الشرع فإنما يذمون من عملوا أنه ترك واجبًا، فذمهم موقوف على معرفتهم بالواجب، فلو عرّف به لدار، أجيب: بأن الذام الشارع بصيغ العموم، نحو: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾، ولأن التارك عاص، وكل عاص مذموم للأدلة العامة.
سلمنا، ولا دور؛ لأن تصور الواجب موقوف على تصور الذم، [وتصور الذم من أهل الشرع] ليس موقوفًا على تصور الواجب، بل
[ ٢ / ٢١ ]
حصوله هو المتوقف على تصور الواجب، فلا دور.
قيل: إن أريد بيذم الذم بالفعل لم ينعكس؛ لتخلفه عن ما لم يشعر بالواجب ولم يمكنه ذلك، وإن أريد به على تقدير العلم به، فكذا ما يعاقب تاركه أي بتقدير عدم العفو، وإن أريد استحقاق الذم فكذا يجري فيما يعاقب تاركه، وأجيب: بأن المعنى أن الشارع يذمه، واستصحاب الشريعة يعطي أنه مذموم الآن فلهذا أتى بلفظ المضارع، أو أن أهل الشرع يذمونه.
قال المصنف: (حافظ على عكسه فأخل بطرده) لدخول الصلاة التي تركها بالنوم أو بالنسيان، والصوم الذي تركه المسافر لأجل السفر، فإنه ليس بواجب مع أنه يذم بوجه ما، وهو ما إذا تمكن من القضاء ولم يقض إلى أن مات.
لا يقال: لا يلزم من عدم وجوبها عليهم عدم وجوبها مطلقا؛ لأن المراد حدّ الواجب على المكلف.
فإن قال القاضي: لا نسلم أن هذه الصلاة غير واجبة عليهم، إذ لا يلزم من عدم وجوب الأداء عليهم لسقوطه بالعذر عدم وجوبها مطلقًا.
قلنا: وكذا في الكفاية يقال: يذم بتركه مطلقًا شرعًا أي يجب الذم إلا أنه يسقط [الذم] بفعل البعض الآخر، وإذا اعتددت بالوجوب الساقط في الفعل فلم لا تعتد بالوجوب الساقط في الذم، فلا حاجة إلى: بوجه ما. واعلم أن الحد يعطي أن الذم إنما هو سبب تركه، والذم للناسي والنائم
[ ٢ / ٢٢ ]
والمسافر إنما هو لترك الصلاة المذكورة الواجبة عليهم، لا على الترك مطلقًا، فلا يصدق الحد على متروكهم؛ لأن الذم من ترك القضاء لا الأداء، فهو سبب واجب آخر، فلا يرد عدم الطرد.
قيل: يرد [المندوب] والمباح، والمكروه والمحظور؛ إذا تركه المكلف وارتكب محظورًا آخر، وكذا السنة إذا أصرّ على تركها، إلا أن يزاد: ما يذم تاركه من حيث هو تاركه.
واختلف في الفرض والواجب، هل هما مترادفان أو متباينان؟ .
فأما في اللغة فمتباينان؛ لأن الفرض التقدير ﴿فنصف ما فرضتم﴾ / والإنزال ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾، والإحلال ﴿ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له﴾، والواجب: الثابت والساقط.
وأما في الشرع، فعند الشافعية متردافان، إلا ما وقع لهم في كتاب الحج من التفرقة، وعند الحنفية، ووقع في المدونة ما يدل على أنهما
[ ٢ / ٢٣ ]
متباينان، قال فيها: فإن احتقن في فرض أو واجب.
أما الشافعية فقالوا: لما كان الواجب ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، وهذا المعنى موجود في الفرض الشرعي، فهما متردافان.
وقال الآخرون: اسم الفرض يخص ما كان مقطوعًا، واسم الواجب ما كان مظنونًا، إذ الفرض التقدير، والمظنون لا يعلم كونه مقدرًا علينا بخلاف المقطوع.
قال الإمام: وهو تحكم، إذ الفرض هو المقدر، سواء مقطوعًا أو مظنونًا.
وفيه نظر؛ فإن الوتر مثلًا لما لم يعلم تقديره، كيف يقال: إنه فرض مقدر؟، والصلوات الخمس لما علم تقديرها علينا، كيف يقال: إنها ساقطة؟، واتفاق أمرين في شيء لا يكفي في إطلاق اسم أحدهما على الآخر، والاستدلال على الترادف بقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾
[ ٢ / ٢٤ ]