ثالثها: إن كان ممكنًا اشترط.
المشترط: لو كان حقيقة وقد انقضى، لم يصح نفيه.
وأجيب: بأن المنفي الأخص، فلا يستلزم نفي الأعم.
قالوا: لو صح بعده لصح قبله.
أجيب: إذا كان الضارب من ثبت له الضرب، لم يلزم).
أقول: المشتق عند وجود معنى المشتق منه كالضارب حالة الضرب
[ ١ / ٣٧٥ ]
حقيقة اتفاقًا، وقبل وجوده كالضارب لمن لم يضرب / مجاز اتفاقًا، وبعد وجوده منه وانتفائه عنه كالضارب لمن قد ضرب وهو الآن غير ضارب.
قيل: إطلاق الضارب عليه بطريق المجاز، وهو مذهب المتأخرين.
الثاني: أنه بطريق الحقيقة، وهو مذهب ابن سينا.
الثالث: إن كان المشتق مما يمكن بقاؤه كقائم وقاعد فإنه مجاز، فإن كان مما لا يمكن بقاؤه كالمتحرك والمتكلم فهو حقيقة.
وهذا معنى قوله: (اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة) أي صدق المشتق حقيقة مشروط ببقاء معنى المشتق منه.
وقيل: لا، وقيل: بالتفصيل.
والمشترط مطلقًا لا يصدق عنده المتكلم والمخبر حقيقة إلا حالة التكلم
[ ١ / ٣٧٦ ]
ولو عند آخر جزء منه، وأصحاب المذهبين الباقيين يصدق عندهما بعد ذلك. وكأن المصنف مال إلى الوقف.
احتج المشترط: بأنه لو كان الإطلاق بعد انقضاء المعنى بطريق الحقيقة لم يصح نفيه واللازم باطل، أما الملازمة؛ فلأن الحقيقة لا يصح نفيها لما تقدم. وأما [بيان] بطلان التالي؛ فلأنه عند انقضاء الضرب يصدق [أنه] ليس بضارب في الحال، وإذا صدق ذلك، صدق ليس بضارب مطلقًا؛ لأن النفي في الحال أخص من النفي في الجملة، وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم، وإذا صدق ليس بضارب لا يصدق ضارب، وهو المدعى.
أجيب: بمنع انتفاء التالي.
قوله: إذا صدق ليس بضارب في الحال صدق ليس بضارب مطلقًا، نمنعه، فإن الضارب في الحال أخص من الضارب مطلقًا، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
قيل على الجواب: المراد النفي بالحال لا نفي المقيد بالحال، فيصدق على تقدير صدقه ليس بضارب مطلقًا؛ لأن النفي المطلق لازم للنفي المقيد.
وجوابه حينئذ: لا نسلم حينئذ صدق قولنا: ليس بضارب في الحال؛ لأنه يكون معناه: زيد ليس في الحال بضارب، وهو عين المتنازع فيه.
[ ١ / ٣٧٧ ]
قيل عليه أيضًا: إذا صدق زيد ليس بضارب في الحال، وجب أن يصدق زيد ليس بضارب مطلقًا، وإلا صدق نقيضه وهو: ضارب دائمًا، وهو ينافي ليس بضارب في الحال الذي ثبت صدقه بالاتفاق.
وأجيب: بأنه إن أراد بقوله: ليس بضارب مطلقًا، أنه ليس بضارب في شيء من الأزمنة، فلا نسلم صدقه على تقدير صدق ليس بضارب في الحال.
قوله: وإلا لصدق نقيضه، وهو زيد ضارب دائمًا.
قلنا: لا تناقض بين الدائمتين، وإن أراد أنه ليس بضارب في الجملة فصدق مسلم على تقدير صدق المذكور، لكن لا يلزم من صدق ليس بضارب مطلقًا كذب ضارب مطلقًا؛ لأن المطلقين لا يتناقضان.
قيل: يتنافيان للتكاذب بينهما عرفًا.
رد: بأنه لا تناقض من حيث الوضع وإن تنافيا عرفًا من حيث أن استعمال المتخاطبين يدل على توافقهما على إرادة زمان معين، والمطلوب في التناقض الأول لا الثاني.
احتج ثانيًا: بأنه لو صح إطلاق الضارب حقيقة باعتبار [ما قبله، لصح باعتبار ما بعده] واللازم باطل، أما الملازمة؛ فلأنه يصح باعتبار الحال. فقيد كونه في الحال، إما أن يعتبر في المصحح للإطلاق، فتنتفي الصحة باعتبار ما قبله لانتفائه وهو خلاف الفرض، أو يلغى فتتحقق الصحة باعتبار ما بعده، لتحقق الضرب بعده.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أجاب: بمنع الملازمة، ولا يلزم من عدم اعتبار هذا القيد / عدم اعتبار غيره، إذ المشترط بين الحال والماضي وهو كونه ثبت له الضرب.
وفي نفس العبارة مناقشة؛ لأن من ثبت له الضرب الماضي لا الحال، وأيضًا الضارب من له الضرب، إذ لو كان من ثبت له الضرب، لزم دخول الزمان في مفهومه وانتقض تعريف الفعل به.
قال: (النافي: أجمع أهل العربية على صحبة «ضارب أمس»، وأنه اسم فاعل. أجيب: مجاز، كما في المستقبل باتفاق.
قالوا: صح مؤمن وعالم للنائم.
أجيب: مجاز؛ لامتناع كافر لكفر تقدم.
قالوا: يتعذر في مثل متكلم ومخبر.
أجيب: بأن اللغة لم تبن على المشاحة في مثله، بدليل صحة الحال.
وأيضًا: فإن يجب أن لا يكون كذلك).
أقول: احتج النافي للاشتراط: بأن أهل العربية أجمعوا على صحة ضارب أمس، وأنه اسم فاعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
أجيب: بأنه مجاز، [بدليل إجماعهم على صحة ضارب غدًا، وعلى أنه اسم فاعل، مع أنه مجاز] اتفاقًا.
وفيه نظر؛ لأن الدليل دل عليه، وفي المستقبل الإجماع منع منه، وفيه
[ ١ / ٣٧٩ ]
تقليل المجاز، ولا يلزم الاشتراك لجواز كونه للمشترك بين الحال والماضي.
احتج النافي أيضًا: بأنه لو لم يصح الإطلاق بعد انقضاء المعنى، لم يصح إطلاق مؤمن وعالم على النائم، لخلوه حينئذ عن الإيمان والعلم، لكنه يصح والأصل الحقيقة.
أجيب: بأن إطلاقه عليه حالة النوم مجاز، إذ لو كان حقيقة لاطرد، فكأن من تقدم منه كفر كافرًا مؤمنًا حقيقة في حال واحدة، وما قيل من عدم الاطراد إنما هو لمانع من الشرع فلا يقدح في كونه حقيقة لما تقدم، ساقط بما تقدم أيضًا، وبأن اللازم اتصافه بهما معًا في حالة واحدة، والمنع إنما هو من الإطلاق فقط.
احتج ثالثًا: بأنه لو اشترط بقاء المعنى لم يكن مثل: متكلم ومخبر حقيقة، واللازم حروف تنقضي أولًا فأولًا ولا تجتمع في وقت، فقبل حصولها لم تتحقق وبعده قد انقضت وليس بمجاز، لأنه لم يوضع لغير ذلك.
أجيب: بمنع الملازمة، وإنما يلزم ذلك لو وجب وجود ما منه الاشتقاق بتمامه، وليس كذلك بل بقاء معنى المشتق منه شرط إذا أمكن وجود المعنى بتمامه، وبقاء الجزء الأخير منه شرط إذا تعذر اجتماع أجزاء المعنى، واللغة لم تبن على المشاحة [بدليل فعل الحال حقيقية]، بدليل صحة يتكلم ويخبر الذي هو حقيقة اتفاقًا، فلو كان ذلك شرطًا لم يكن حقيقة بعين ما ذكرتم.
[ ١ / ٣٨٠ ]