والأكثر: وغير الشرط، كترك الأضداد في الواجب، وفعل ضد في المحرم، وغسل جزء الرأس.
وقيل: لا فيهما.
لنا: لأو لو يجب الشرط لم يكن شرطًا، وفي غيره: لو استلزم الواجب وجوبه لزم تعلق الموجب له، ولم يكن معلق الوجوب لنفسه، ولامتنع التصريح بغيره، ولعصى بتركه، ولصح قول الكعبي في نفي المباح،
[ ٢ / ٥٣ ]
ولوجبت نيته.
قالوا: لو لم يجب لصح دونه، ولما وجب التوصل إلى الواجب، والتواصل واجب بالإجماع.
وأجيب: إن أريد بـ «لا يصح» و«واجب» لابد منه، فمُسلَّم.
وإن أريد مأمور به، فأين دليله؟ .
وإن سُلّم الإجماع، ففي الأسباب بدليل خارجي).
أقول: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون وجوبه مشروطًا بذلك الشيء أو لا.
والأول: لا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس بواجب، وإنما الواجب المشروط إذا حصل الشرط، وهذا كإيجاب الحج مشروطًا بالاستطاعة.
والثاني: وهو ما كان وجوبه مطلقًا غير مشروط وجوبه بذلك الغير، بل مشروط وقوعه فقط به، فهذا إن كان غير مقدور للمكلف كحضور الإمام الجمعة، وتمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور لآحاد المكلفين، فلا خلاف أنه ليس بواجب إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق.
أما إن كان مقدورًا للمكلف، يتأتى الفعل دونه عقلًا وعادة، لكن الشارع جعله شرطًا للفعل، كما إذا قال: أوجبت الصلاة وشرط في صحتها
[ ٢ / ٥٤ ]
الطهارة، فهو عند المصنف واجب وإلا فلا.
وقال أكثر الأصوليين: ما لا يتم الواجب إلا به مطلقًا واجب، سواء كان الشرط سببًا كالنار للإحراق، أو غير سبب إلا أنه مشروط الوقوع عقلا بذلك الشيء، كترك ضد الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به، أو فعل ضد المحرم الذي لا يتم ترك الحرام إلا به، أو كان الإتيان به طريقًا إلى الإتيان بالواجب عادة، كغسل جزء الرأس لغسل الوجه، فإنه لا يمكن عادة غسل الوجه بدون جزء من الرأس، أو كان الإتيان به طريقًا إلى العلم بالإتيان بالواجب، كالإتيان بخمس صلوات إذا ترك واحدة منها لم يعرفها.
وقيل: وجوب الشيء مطلقًا لا يوجب وجوب شيء من شرط أو غيره.
وقيل: إن كان ما لا يتم الواجب إلا به سببًا بإيجاب الشيء يوجب سببه، وإن كان شرطًا / فلا، وهو مذهب الواقفية.
[ ٢ / ٥٥ ]
احتج لمختاره: بإنه لو لم يجب الشرط بوجوب المشروط، لزم ألا يكون الشرط شرطًا، واللازم باطل، أما الملازمة: فلأنه إذا لم يجب جاز تركه، فإذا تركه فالفعل إما أن يكون حنيئذ مأمورًا به أوْ لا، والثاني باطل، وإلا لكان وجوبه مقيدًا بوقت وجود الشرط وهو خلاف الفرض.
والأول: إما أن يكون الفعل ممكن الحصول عند عدم الشرط أو لا، والثاني باطل؛ لأنه تكليف بما لا يطاق فيلزم الأول، فلا يكون الشرط شرطًا إذ الشرط ما يمتنع المشروط عند عدمه.
قيل عليه: إن هذا الدليل يطرد في غير الشرط الشرعي، وأيضًا: إن عنى أن الأمر بالمشرط دال على الأمر بالشرط، فدليل لا يفيده، وجاز أن يكون الشرط واجبًا بأمر آخر، وإن عنى غيره فليس محل النزاع، وأيضًا: يرد عليه ما أورده هو على الخصوم.
وجوابه: إن أريد بوجوبه أنه لابد منه في الإتيان بالمشروط فمُسلّم، وإن أريد بالإيجاب الشرعي فالملازمة ممنوعة.
واحتج على الجزء الثاني بوجوه:
الأول: لو استلزم الواجب المطلق وجوب غير الشرط مما لا يتم الواجب إلا به، لزم تعقل لموجب له، لاستحالة طلب ما لا شعور له به، واللازم باطل، لأنّا نقطع بإيجاب الفعل مع الذهول عما يتوقف عليه.
الثاني: لو استلزم الواجب المطلق وجوب غير الشرط ما لا يتم الواجب
[ ٢ / ٥٦ ]
إلا به، لم يكن تعلق الوجوب داخلا في حقيقة الوجوب، أما الملازمة: فلأنه لو وجب ما توقف عليه الشيء ولم يتعلق به خطاب طلب، لم يكن التعلق داخلًا في حقيقة الوجوب.
وأما بيان بطلان التالي: فلأن التعلق جزء حقيقة الوجوب، فكلما تعلق به خطاب طلب، مع المنع من النقيض فهو واجب، وما لم يتعلق به كذلك فهو غير واجب.
وله تقرير آخر وهو يرجع إلى معنى ما احتج به في الحسن والقبح على الجبائية، بأن يقال: استلزم الواجب وجوبه لم يكن تعلق الوجوب بغير الشرط لنفس الوجوب أو لنفس ذلك الغير؛ لتوقف تعلق الوجوب به على تعلقه بملزومه، واللازم باطل؛ لأن الوجوب طلب وتعلق الطلب بالمطلوب لا يتوقف على غيرهما لأنه نسبة، والنسبة لا تتوقف على غير المنتسبين.
الثالث: لو استلزم الواجب وجوبه لامتنع التصريح بغير الوجوب؛ لأنه يناقض الحكم بكون الواجب مستلزمًا لوجوبه، والتالي باطل؛ للقطع بأنه يصح أن يقول الشارع: أوجبت عليك غسل الوجه، وما أوجبت عليك غسل شيء من الرأس.
الرابع: لو استلزم الواجب وجوبه لعصى المكلف بتركه، واللازم باطل، أما الملازمة: فواضحة، وأما بطلان التالي: فلأن تارك غسل الوجه يعصي بتركه غسل الوجه، لا بترك غسل جزء الرأس.
الخامس: لو استلزم الواجب وجوبه لزم نفي المباح، واللازم باطل، أما الملازمة: فلأن فعل الواجب الذي هو ترك الحرام لا يتم إلا به فيجب، وأنه
[ ٢ / ٥٧ ]
باطل إجماعًا.
السادس: لو استلزم الواجب وجوبه لوجبت نيته؛ لأنه عبادة شرعية فيفتقر إلى نية، واللازم باطل إجماعًا.
وهذه الوجوه كلها ضعيفة.
أما الأول: فإنما يلزم تعقل الموجب له أن لو كان الوجوب بالأصالة، أما إذا كان بالتبعية فلا. سلمنا: لكن إن أردت بتعقل الموجب له تعقله مجملا منعنا بطلان التالي؛ فإنه يعلمه حسب ما أوجبه، وإن أردت أنه يلزم تعقله مفصلا / الملازمة. سلمنا: لكنه منقوض بوجوب الشرط.
وعلى الثاني: إن أراد بالتعلق لنفسه التعلق بالأصالة، منعنا انتفاء التالي.
قوله: لأن تعلق الطلب بالمطلوب لا يتوقف على غيرهما.
قلنا: في التعلق بالأصالة، أما في التعلق بالفرعية فلا، وتعلق الوجوب بالمقدمة بالفرعية، فإنه إنما يتعلق الوجوب بها بواسطة تعلقه بملزومه، وإن أراد أن تعلق الوجوب الفرعي بالمقدمات ليس من مقتضى الوجوب منعناه، فإن الوجوب الأول تعلق بالشيء ثم نشأ منه الوجوب فتعلق [الوجوب] الثاني الفرعي بالمقدمات بلا واسطة غير الوجوب، فظهر ضعفه على التقريرين مع أنه منقوض بالشرط.
وعلى الثالث: أن غسل جزء الرأس ليس واجبًا على كل أحد؛ إذ الوجوب عندهم إنما يتحقق على العاجز عن الإتيان بالوجه دون جزء الرأس لا
[ ٢ / ٥٨ ]
القادر، فإذن الملازمة ممنوعة في القادر، ونفي التالي في العاجز، ثم هو منقوض بوجوب الشرط.
وعلى الرابع: أن تركه يوجب ترك الواجب بالذات فيكون سببًا للعصيان، مع أنه منقوض بوجوب الشرط، [ولا يخفى فساده، إذ المصنف قائلًا بوجوب الشرط].
وعلى الخامس: أنه إنما يلزم نفي المباح لو لم يحصل ترك الحرام إلا به، أما إذا حصل بغيره فلا. سلمنا: ونمنع بطلان التالي، فإن المباح يحصل بترك الحرام، فيكون من هذا الوجه واجبًا.
وعلى السادس: نمنع الملازمة إن أراد بوجوب النية القصد إليه بخصوصه، ونمنع نفي التالي إن أراد وجوب النية في الجملة.
احتج الأكثرون بوجهين:
الأول: لو لم يجب ما يتوقف عليه الواجب شرطًا كان أو غيره، لصح الفعل الواجب دونه، والتالي باطل، أما الملازمة: فلأن الآتي به حينئذ يكون آتيًا بجميع الواجب، والإتيان بجميع الواجب يوجب الصحة، وبطلان التالي باتفاق.
الوجه الثاني: لو لم يجب ما يتوقف عليه الواجب شرطًا كان أو غيره، لما وجب التوصل إلى الواجب، لكن التوصل إلى الواجب واجب بالإجماع، والتوصل إلى الواجب به.
[ ٢ / ٥٩ ]
وأجاب المصنف عنهما: بأنكم إن أردتم بقولكم في الاستثنائية الأولى: «لا يصح دونه» أنه لابد منه في الإتيان بالمأمور به، فنفي التالي مُسلّم والملازمة ممنوعة؛ لأنّا لا نسلم أن ذلك لو لم يكن مأمورًا به لصح الفعل دونه.
وإن أردتم بقولكم: «لا يصح دونه»، أنه مأمور به فهو ممنوع، إذ لا دليل عليه، والترديد في المقدم أو لا؛ لأن إرادة ما لابد منه والمأمور به من لا يصح بعيد، مع أن الاستفسار إنما يكون فيه إجمال، ولا إجمال في «لا يصح دونه»، والأولى أن يقال: إن أريد «بلا يصح دونه» أنه لا يسقط القضاء دونه، فالملازمة ممنوعة، ونفي التالي مُسلّم.
وإن أريد به أنه لا يوافق الأمر، لكون هذه الأشياء أيضًا مأمورًا بها، فالملازمة مسلمة ونفي التالي ممنوع.
وتقرير جواب الثاني: أن يقول: إن أردتم بقولكم في الاستثنائية التوصل واجب، كان لابد منه في التوصل إلى الواجب. سلمنا بطلان التالي، ومنعنا الملازمة.
وإن أردتم أن التوصل بهذه الأشياء مأمور به فهو ممنوع، وأين دليلكم عليه؟ .
فإن قيل: الإجماع على وجوب التوصل بهذه الأشياء، يدل على كونها مأمورًا بها.
قلنا: لا نسلّم صحة الإجماع، ولن سلّم ففي الأسباب وحدها، بدليل خارجي لا لنفس وجوب الفعل، والدليل الخارجي إما الإجماع، أو أن الأمر
[ ٢ / ٦٠ ]