والمطلوب بخلافه، أي يطلب بالدليل).
أقول: فسر التصديق الضروري بما لا يتقدمه تصديق، فجاز أن يكون طرفاه كسبيين أو أحدهما، فما لا يتقدمه تصديق، أو يتقدمه تصديق إلا أنه لا يتوقف عليه ضروري وإن توقف في تصور طرفيه على الكسب.
قيل عليه: التصديق بالقضايا الضرورية الكلية من التصديق بجزئياتها، إذ
[ ١ / ١٩٧ ]
التصديق بالكلي من الجزئي، فهو مما يتقدمه تصديق يتوقف عليه.
وأجيب: بأنه لا معنى للجزئي إلا ما موضوعه جزئي، وتصور الكلي مشروط بتصور الجزئي لا بالحكم عليه جزئيًا، فالتصديق الكلي مشروط بتصور الجزئي لا بالحكم على الجزئي، والتصديق المطلوب بخلافه، أي بخلاف الضروري، فهو ما يتقدمه تصديق يتوقف عليه، وفسره بأن قال: (أي يطلب بالدليل) لأنه لما كان مجهولًا، والمجهول من التصديق إنما يطلب بالدليل، فلذلك التصديق الذي يتقدمه هو الدليل، وعبر عن التصديق المطلوب بلازمه كما فعل في التصور المطلوب، ليفيد من حد التصديق المطلوب حد التصديق الضروري وبالعكس، وهو ظاهر، ولهذا اجتزأ بقوله: (والمطلوب بخلافه).
قال: (وأورد على التصور: إن كان حاصلًا فلا طلب، وإلا فلا شعور به، فلا طلب.
وأجيب: بأنه يشعر بها وبغيرها، والمطلوب تخصيص بعضها بالتعيين.
وأورد ذلك على التصديق.
وأجيب: بأنه تتصور النسبة بنفي أو إثبات، ثم يطلب تعيين أحدهما، ولا يلزم من تصور النسبة حصولها، وإلا لزم النقيضان).
أقول: أورد الإمام فخر الدين شكًا على امتناع طلب التصور، وهو لبعض القدماء، تقديره: أن التصور إما أن يكون حاصلًا أو لا، وعلى
[ ١ / ١٩٨ ]
التقديرين يمتنع طلبه، أما على الأول فلامتناع [طلب] تحصيل الحاصل، وأما على الثاني فلامتناع طلب النفس ما لا شعور لها به.
لا يقال: إنه حاصل من وجه دون وجه؛ لأنه يعود الكلام في المطلوب من وجهيه.
والجواب: أن المطلوب الماهية ذات الوجهين لا الوجهان، بمعنى أن الماهية المطلوبة وغيرها / حصل الشعور بها من جهة [ذاتي أو] عرضي شامل للماهية وغيرها، والمطلوب تصورها على وجه يعين الماهية عن تلك الأمور التي يتردد الذهن فيها بسبب الأمر المشترك، فالشعور بالشيء شرط في طلبه، وشرط الشيء لا ينافيه.
لا يقال: تخصيص بعضها بالتعيين إنما يحصل بعد العلم بالمعنى المختص بها من ذاتي أو عرضي، وذلك يتوقف على العلم باختصاصه بها، والعلم باختصاصه بها يتوقف على ثبوته لها دون ما عداها، وذلك يتوقف على معرفةٍ ما، ومعرفتها تتوقف على معرفة المعنى المخصوص والعلم باختصاصه وهو دور، وعلى معرفة ما عدا ذلك الشيء مفصلًا وهو محال، لامتناع إحاطة الذهن بما لا يتناهى.
لأنا نقول: العلم بها يتوقف على اختصاصه بها لا على العلم باختصاصه؛ لأنه إذا كان بين الشيء ووصفه المادي لزوم بين، كان الشعر بالوصف مستلزمًا للشعور بذلك الشيء، وإن لم يخطر لنا أن الوصف مختص.
[ ١ / ١٩٩ ]
وأورد الشك المذكور على التصديق، وتقريره كما تقدم، وتحتمل على بعد أن يكون أورد نقضًا على الشك، أي لو صح ما ذكرتم لزم في التصديق، لكن التصديق بعضه مطلوب عندكم.
والجواب: أنا نختار أنه غير حاصل.
قولكم: يمتنع طلبه نمنعه، وإنما يلزم ذلك لو جهل مطلقًا، أما إذا كان طرفاه متصورين، والنسبة بينهما متصورة بالنفي و[متصورة] بالإثبات، فيتوجه الذهن بسبب ذلك إلى طلب العلم، فإن الحاصل في الخارج هو الإيجاب عينًا أو السلب عينًا الذي كان مجهولًا.
فالنسخ التي بالواو في قوله: (بنفي وإثبات) يكون المعنى: ثم يطلب تعيين أحدهما أي إحدى النسبتين للمطابقة؛ لأنه إذا تصور النسبتين طلب بالدليل الواقعة منها، ولابد من هذه الضميمة، إذ تعيين إحدى النسبتين ليس بتصديق فلا يطلب بالدليل، وإنما المعنى يطلب تعيين إحداهما للمطابقة أو اللامطابقة.
والنسخ التي فيها (أو إثبات) بأو، أي يعلم وقوع إحدى النسبتين لا بعينها والمطلوب [بالدليل] تعينها، وهو بعيد من لفظ المصنف، لقوله: (تتصور النسبة)، ولقوله: (ولا يلزم من تصور النسبة حصولها)، وحمل أيضًا على أن النسبة الإيجابية أو السلبية متصورة ولا تكون حاصلة، فمن
[ ١ / ٢٠٠ ]