قال: (مبادئ اللغة، ومن لطف الله تعالى / إحداث الموضوعات اللغوية).
أقول: إضافة المبادئ إلى اللغة من إضافة الشيء إلى جنسه، فهي بمعنى [خاتم من فضة]، ولما فرغ مما تمس الحاجة إليه من القواعد المنطقية، التي هي من تتمة مبادئ هذا الكتاب، شرع الآن فيما تستمد منه أصول الفقه من المباحث اللغوية، ولما كان المستمد منه على ما تقدم من المبادئ لهذا العلم، قال: (مبادئ اللغة).
ولم يظهر لتغير عبارته وجه حيث قال أولًا: (من الكلام والعربية والأحكام)، وقال الآن: (مبادئ اللغة)، ولم يقل: مبادئ العربية، ولم يذكر المصنف شيئًا من مباحث المبادئ الكلامية؛ لأن المبادئ الكلامية على ما سبق: معرفة الباري، وصدق المبلغ، ودلالة المعجزة على صدقه، وقد جرت عادة العلماء أن يبحثوا عن ذلك في تصانيف علم الكلام خوفا من الانتشار وخلط العلوم.
والمبحوث عنه في المبادئ اللغوية هنا، ولما لم يكن مبحوثًا عنه في تصانيف علوم العربية، لم يمكنه أن يحيل الكلام فيه على فن آخر، بخلاف مبادئ الكلام، ولذلك أيضًا ذكر مبادئ الأحكام، وقدم المصنف مقدمة على المباحث اللغوية.
واعلم أن الإنسان لما كان شريفًا لكونه خلق الله تعالى، كما قال ﵇ حاكيًا عن الله تعالى: «كنت كنزًا مخفيًا، فأحببت أن أعرف،
[ ١ / ٢٨٤ ]
فخلفت خلقًا لأعرف به» ولا يتم ذلك للخلق بدون الاطلاع على المقدمات النظرية، والخلق متفاوتون في مقتضى أفكارهم، فمست الحاجة إلى إعلام بعضهم بما في ضمير بعض، لتكمل المعارف بتشارك الأفكار، وأيضًا للإنسان قوة حسية ترتسم فيها صور الأشياء الخارجية وتتأدى عنها إلى النفس فترتسم ارتسامًا ثانيًا في النفس، وقد ترتسم في النفس لا من جهة الحس، فللأشياء وجود في الخارج ووجود في النفس، وكما أن الحاجة ماسة إلى التحصيل في العقل لما ليس بحاصل فيه، مست إلى إبراز ما حصل في النفس لمن لم يحصل عنده، إذ الإنسان لا يستقل بأمر نفسه في تحصيل معارفه وتسهيل معايشه، بل يحتاج إلى معاون، ولا يتيسر ذلك له إلا بإبراز ما في ضميره، ولما لم يكن ما يتوصل به إلى ذلك أخف من أن يكون فعلًا، ولم يكن أخف من أن يكون صوتًا لعدم ثباته وازدحامه، ولأنه كيفية للنفس الضروري فخفت المؤونة وعمت الفائدة، لتناوله الموجود والمعدوم والمحسوس والمعقول، ولأنه مقدر بقدر الحاجة وينقضي عند انقضائها، إذ لو بقي بعد الحاجة ربما اطلع عليه من لا يريد اطلاعه عليه، قاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت وتقطيع الحروف بالآلة المعدة له، ليدل غيره على ما عنده من المدركات بحسب تركيباتها على وجوه شتى موضوعة لها، فالعبارة دالة على الصور الذهنية وهي على الأمور الخارجية، لكن الأولى لما كانت وضعية اختلف الدال بحسب الواضعين دون المدلول، [ولما كانت الثانية طبيعية، لم
[ ١ / ٢٨٥ ]
يختلف الدال ولا المدلول] وأيضًا [وضع] الذهن لأن اللفظ دائر معه أما في المفردات فلأن من رأى شبحًا فظنه إنسانًا يسميه إنسانًا، ثم إذا تبين له أنه حجر سماه حجرًا، فقد دار الاسم مع الذهن وجودًا وعدمًا، فالواضع له إذ لو كان الواضع للخارجي ما تبدل بتبدل الظن، وكان يلزم تغير الأمر الخارجي.
وأما المركب فلأنه لو دل زيد قائم على الخارجي، كان كل حكم صدقًا / بل على الذهني، فإن طابق الخارجي فصدق، وإلا فكذب، ولقوة العلاقة بين اللفظ والمعنى، قلما ينفك تعقل الشيء عن تخيل اللفظ، وكأن المفكر يناجي نفسه بألفاظ متخيلة، وسبب القوة كثرة الاحتياج وتوقف الاستفادة عليه.
قيل: قوله (ومن لطف الله) إشارة إلى أن اللغة عنده توقيفية.
[ ١ / ٢٨٦ ]