وقيل: إن هذا التقسيم غير حاصر، لخروج الطبيعية، وهي ما كان الحكم فيها على مفهوم الكلي، لا على ما صدق عليه من الأفراد.
أما ما يقيد العموم وهي الطبيعية العامة، كقولنا: الحيوان جنس؛ لأنه إنما يكون جنس يقيد العموم أو لا يقيد العموم، كقولنا: الإنسان جوهر.
وقيل: / إن الطبيعية مهملة.
وقيل: شخصية. ولما كانت الجزئية مساوية للمهملة في الصدق، استغنى بالجزئية عنها فأهملت؛ لأنه مهما صدقت المهملة صدقت الجزئية، ومهما صدقت الجزئية صدقت المهملة، إذ الجزئية لا يعتبر فيها عدم الكلية، بل ألا يتعرض لها. وقيل: المهملة يحتمل صدقها كليًا وجزئيًا، فالجزئية محققة، والكلية مشكوكة، فطرح المشكوك وبقي المتقين، فأهملت استغناء عنها بالجزئية.
وقيل: أهملت من الحاصر، وفيه بعد.
قال: (ومقدمات البرهان قطعية، تنتج قطعيًا؛ لأن لازم الحق حق، وتنتهي إلى ضرورته، وإلا لزم التسلسل.
وأما الأمارات فظنية أو اعتقادية، إن لم يمنع مانع؛ إذ ليس بين الظن
[ ١ / ٢٣٧ ]
والاعتقاد وبين أمر ربط عقلي، لزوالهما مع قيام موجبها).
أقول: البرهان يجب أن تكون مقدماته يقينية، إذ الغرض منه إنتاج نتيجة قطعية، فلو لم تكن حقًا لم يلزم كون النتيجة اللازمة لها حقًا، وعلى هذا سقط الاعتراض بأن الكاذب حقًا لم يلزم كون النتيجة اللازمة لها حقًا، وعلى هذا سقط الاعتراض بأن الكاذب قد يستلزم الصادق. واليقينية: هي التي يجزم العقل بها مع المطابقة وامتناع التغيير.
وقد يحمل على أن المقدمات في البرهان لما كانت قطعية فنتائجها قطعية؛ لأن النتيجة لازم المقدمات، ولازم الحق حق، إذ لو كذب اللازم كذب الملزوم، والأولى أولى؛ لأنه ظاهر في الاستدلال على حقيقة المقدمات لا حقيقة النتيجة.
وقيل: مقدمات البرهان يجب أن تكون قطعية؛ لأنها لازمة للبرهان الذي هو قطعي، ضرورة أنها أجزاؤه، ولازم الحق حق.
قلت: وهو أبعدها؛ لأن قوله: (تنتج قطعيًا) يكون على هذا اعتراض ولا يجب كون مقدمات البرهان ضرورية أي بينة بنفسها، لجواز كون بعضها أو كلها مطلوبًا [قطعيًا ينتج قطعيًا]، نعم يجب الانتهاء إلى بينة بنفسها وإلا لزم التسلسل المانع من الاكتساب؛ لأن المقدمات حينئذ تكتسب من مقدمات أخر، وتلك من غيرها وهلم جرا. ولما كان الدور تسلسلًا في موضوعات متناهية، استغني بالتسلسل عنه.
[ ١ / ٢٣٨ ]