والجواب: منع الملازمة، إذ لا حصر، فإن الاستقراء دل على أن العلاقة المعتبر نوعها كافية في جواز الاستعمال، كما نرفع فاعلًا لم نسمع رفعه من العرب باستقراء كلامهم، أن كلما أسند الفعل إليه فهو مرفوع، فلا يكون قياسًا؛ لأنه ليس لأجل اعتبار ذلك المعنى في الصورة الجزئية لخصوصها، بل فهم من العرب جواز الإطلاق بالاستقراء، فكان كالتنصيص على جواز إطلاق اسم الحقيقة على كل ما بينها وبينه علاقة مخصوصة.
قيل: تصحيح العلاقة لجواز الاستعمال إن لم يسند إلى النقل منع، وإلا لزم المدعى.
وجوابه: أنه يسند إلى النقل بطريق الإجمال، لا بطريق التنصيص على كل فرد.
قال: (قالوا: يعرف المجاز بوجوه:
بصحة النفي، كقولك للبليد: ليس بحمار، عكس الحقيقة، لامتناع ليس بإنسان، وهو دور.
وبأن يتبادر غيره لولا القرينة، عكس الحقيقة.
وأورد: المشترك.
فإن أجيب: بأنه يتبادر غير معين، لزم أن يكون للمعين مجاز.
أو بعدم اطراده، ولا عكس.
وأورد: السخي والفاضل لغير الله تعالى، والقارورة للزجاجة.
فإن أجيب بالمانع، فدور.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وبجمعه على خلاف جمع الحقيقة، كأمور جمع أمر للفعل، وامتناع أوامر، ولا عكس.
وبالتزام تقييده، مثل جناح الذل، ونار الحرب.
وبتوقفه على المسمى الآخر، مثل: ﴿ومكروا ومكر الله﴾).
أقول: قال الأصوليون: إذا ورد لفظ مستعمل في شيء ولم نعلم أهو حقيقة في ذلك المعنى أو هو مجاز فيه، عُرف [ضرورة] كونه حقيقة أو مجازًا بالنقل عن أئمة اللغة، وإن لم يوجد نقل عنهم، عُرف كونه مجازًا بالنظر بوجوه أي بعلامات؛ لأن بعض المذكور لم يثبت إلا لبعض المجاز، وإن كان لفظه هنا يشعر بالمعرف، وإيراده على عكسها أيضًا [يدل] في قوله: (وأورد المشترك) يدل عليه، إذ العلاقة لا يلزم فيها الاطراد.
ولفظ الإحكام: قد يعرف بوجوه، وهو خير وأتى «بقالوا» للاستبعاد إما لأن هذه الأحكام مردودة، أو لأن اللغة عنده لا تثبت إلا بالنقل.
الأول: صحة النفي في نفس الأمر، كقولنا: البليد ليس بحمار، وزاد في الإحكام: «في نفس الأمر» لأنه يقال للبليد: ليس بإنسان، فقد نفيت
[ ١ / ٣٣٤ ]
الحقيقة، لكن ليس في نفس الأمر /؛ لأنه إنسان في نفس الأمر، وإنما نفى بطريق المجاز، وهي زيادة حسنة، وهذا بعكس الحقيقة، فإن من علامتها صحة النفي، إذ لا يقال: البليد ليس بإنسان في [نفس الأمر].
قال: وهو دور؛ لأن المراد بصحة السلب عن المجاز سلب المعنى الحقيقي عنه؛ لأن معناه المجازي لا يسلب عنه، ولا نعرف صحة سلبه حتى نعلم أن استعماله فيه في الإثبات ليس بطريق الحقيقة، وذلك لا يعلم حتى يعلم كونه فيه بطريق المجاز، فإثبات المجاز به دور.
قلت: وفيه نظر؛ لأن العلم بكونه ليس بحقيقة في الإثبات لا يستلزم كونه مجازًا، لجواز أن يكون من الأعلام.
قيل: صحة السلب تتوقف على معرفة كونه مجازًا؛ لامتناع سلب شيء عن شيء بدون تصوره، فلو عرف به لزم الدور.
قلنا: يكفي تصوره بوجه ما، لا من حيث كونه مجازًا.
قيل في دفع الدور: المراد بصحة النفي أن يكون سمع نفي ذلك المعنى عنه من العرب.
قلنا: لو كان ذلك لقال بالنفي، ولم يقل بصحة النفي.
وأيضًا: يفسد في الحقيقة، إذ العلم بعدم النفي لا سبيل إليه إلا بعدم وجدان النفي عنهم، ولا يلزم عدم وجوده، أما في المجاز فيمكن وجود
[ ١ / ٣٣٥ ]
السلب في موارد استعمالاتهم.
الثاني: أن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن عند عدم القرينة؛ لأنه عند القرينة يتبادر هو عكس الحقيقة، فإنها ما لا يتبادر غيرها عند عدم القرينة.
واعترض على عكسه بالمشترك إذا استعمل في معناه المجازي، إذ لا يتبادر غيره للتردد بين معانيه، وعدم تبادر شيء منها.
فإن أأجيب: بأنه يتبادر أحدهما لا بعينه، وهو غيره.
قلنا: إذا تبادر غير المعين، والمجاز ما تبادر غيره، لزم أن يكون اللفظ للمعين الغير متبادر مجازًا، فلا يكون مشتركًا بل متواطئًا؛ لأن حقيقته حينئذ أحدهما لا بعينه ومجازه المعين، فلا يكون مشتركًا لفظيًا؛ لأن المشترك اللفظي الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا أوليًا، وهذا موضوع لأحدهما لا بعينه، وهو معنى واحد، ومن هنا تعرف أن التزام صاحب الإحكام كونه مجازًا في المعين فيه ما فيه، على أنه قال: وفيه دقة.
قلت: وقد يوجه بأنه موضوع لكل واحد منهما من حيث هو واحد منهما، وذلك حقيقة، ومن حيث هو كذا معينًا يكون مجازًا، ولا كذلك المتواطئ؛ لأنه لم يوضع لأحدهما من حيث هو، بل للقدر المشترك.
واعلم أن هذا ليس بمعرف وإلا لدار؛ لأنه أخذ المجاز في تعريف الحقيقة وبالعكس فهو علامة، والعلامة لا يلزم فيها الانعكاس، كالألف واللام للاسم، ليس كلما انتفى عنه الألف واللام لا يكون اسمًا.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وهذا التقرير خير من إيراده على علامة الحقيقة؛ لأنه قال: عكس الحقيقة، فالحقيقة ما لا يتبادر غيره، أعم من أن تتبادر هي أو لا.
الثالث: عدم اطراده في مدلولاته، بمعنى أنه يستعمل في محل لوجود معنى، ولا يستعمل في كل محل وجد ذلك المعنى [فيه]، كالنخلة للإنسان الطويل، ولا يقال لكل طويل: نخلة، ولا عكس أي لا يكون الاطراد علامة على الحقيقة، [فإن من المجاز ما يكون] مطردًا، كإطلاق اسم الكل على الجزء.
وقرر بوجه آخر: أن ما ليس بمطرد مجاز ولا عكس، أي ليس كل مجاز غير مطرد، فتكون العلاقة غير منعكسة، واحتاج إلى ذلك؛ لأن / العلاقة قد تكون منعكسة، فبين أن هذه غير منعكسة.
والأول أولى؛ لأنه لما ذكر العلامتين السابقتين قال: (عكس الحقيقة) بين هنا أنه لا يكون عكس الحقيقة.
وأورد على طرد هذه العلاقة: السخي والفاضل لغير الله تعالى، والقارورة للزجاجة؛ لأن السخي الكريم، والفاضل العالم، والقارورة لما يستقر فيه المائع، والله تعالى كريم عالم، ولا يقال له: سخي ولا فاضل.
والكوز لا يقال له: قارورة، مع وجود المعنى: فلم تطرد هذه الحقائق فلا يكون عدم الاطراد علامة المجاز.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فإن أجيب: بأن عدم الاطراد لا يكون علامة، بل العلامة عدم الاطراد لا لمانع من لغة أو شرع، وفي المذكور عدم الاطراد لمانع شرعي في الأولين، لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وفي الأخير المنع من أهل اللغة، فدور.
وقرر من وجهين:
الأول: أن عدم الاطراد إنما يكون علامة للمجاز إذا علم كون عدم الاطراد لا لمانع، وعدم الاطراد لا لمانع لا يعلم إلا بعد العلم بالمجاز.
قلت: وله أن يمنع أن عدم الاطراد لا لمانع لا يعلم إلا بعد العلم بالمجاز؛ إذ المراد من عدم الاطراد [لا لمانع]، ألا نجده في مجاري كلامهم مستعملًا في موارد المعنى، ولم ينصوا على منعه.
الثاني: أن العلاقة موجودة، فعدم الاطراد لا يكون لعدم المقتضي لوجودها فهو للمانع، وهو إما الشرع أو اللغة، والمقرر خلافه، ولا العقل قطعًا، فيكون عدم الاطراد لكونه مجازًا، فلو عرف المجاز بعد الاطراد لمانع هو المجاز، لزم الدور.
قلت: فيه نظر؛ لا لما قيل: إن عدم اطراد المجاز قد يكون لمانع من اللغة كما تقدم في عدم اطراد المجاز في الصور الأربعة السابقة، أعني النخلة للطويل إلى آخرها.
لأنا نقول: الاطراد لا لمانع علامة، لا أن كل مجاز فهو غير مطرد لا لمانع، بل منه ما يطرد، ومنه ما لا يطرد لمانع لغوي، [ومنه ما لا يطرد لا
[ ١ / ٣٣٨ ]
لمانع لغوي]، فحينئذ عدم الاطراد الذي لا لمانع من شرع أو لغة لا يكون لعدم المقتضي، فيكون لكونه مجازًا ويعود الدور.
ولا لما قيل: إنما يلزم ذلك لو كان عدم الاطراد معللًا بالمجاز، وليس كذلك؛ لأنه تعريف له، والتعريف لا يعلل.
وأيضًا: [إنما] هو عدمي، والعدمي لا يحتاج إلى علة.
لأنا نقول أولًا: ليس بتعريف بل علامة، والعلامة تعلل.
سلمنا، لكن المعرف خاصة فتعلل.
وقوله: العدمي لا يعلل.
قلنا: كل ممكن له علة ضرورة، بل النظر أن عدم الاطراد إما أن يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع، وقد فرض ألا مانع من لغة أو شرع، ولا من عقل قطعًا، ولا من عرف، وكونه مجازًا أيضًا لا يمنع الاطراد، وإلا لم يطرد مجاز، فهو لعدم المقتضي.
وقولهم: العلاقة المعتبر نوعها موجودة نمنعه، وسند المنع أنها لو وجدت والنقل لا يشترط في الآحاد والمنع لم يرد عنهم، لطرد أهل العربية التجوز، ومثل ذلك نقول على أصل الإيراد، وأن السخي لكريم يتصور منه البخل، والفاضل للعالم بالتعلم، وكذا في القارورة، فيسقط السؤال من أصله،
[ ١ / ٣٣٩ ]
ويلزم مما ذكرنا أن لا عدم الاطراد علامة، لكن لا من الوجه الذي ذكره المصنف، ولأن القول به لا يجتمع مع القول / بعدم اشتراطه النقل في الآحاد.
الرابع: أن يكون مجموعًا على خلاف جمع الحقيقة، يعني إذا استعمل لفظ في معنى واتفق على كونه حقيقة فيه، كالأمر في القول المخصوص، واستعمل في غيره، ولم ندر أهو حقيقة فيه أيضًا أم هو مجاز.
فإن سمع منهم جمعه على خلاف جمع المتفق على كونه حقيقة، كأمر بمعنى الفعل، مثل: ﴿وما أمر فرعون﴾، فإنهم جمعوه على أمور، ومنعوا جمعه على أوامر، واختلاف الجمعين علامة المجاز.
قال: (ولا عكس) أي ولا يلزم أن تكون الحقيقة ما كان جمعه غير مختلف، ويحتمل ولا عكس لهذه العلامة، أي ليس كل مجاز يجمع على خلاف جمع الحقيقة.
قيل: هذه العلامة غير مطردة، لجمعهم عودي اللهو والخشب على عيدان في الأول، وأعواد في الثاني.
رد: بأن اختلاف الجمعين لاختلاف المسمى.
وقولهم: الجمع للاسم لا للمسمى، فاختلافه لا يؤثر في اختلاف الجمع، نمنعه.
الخامس: التزام تقييده عند استعماله في ذلك المعنى؛ لأنهم لما استعملوه
[ ١ / ٣٤٠ ]