حجة الجمهور: أنهم أطلقوا الأسد على الشجاع، والحمار على البليد، وشابت لمة الليل لظهور ضوء الصبح، واستعمالها في المذكور لا يكون بطريق الحقيقة؛ لأنه يسبق منها عند الإطلاق خلاف ما استعملت فيه ولا تفهم هذه المعاني منها إلا بقرينة، وهو معنى المجاز.
احتج الأستاذ: بأنه لو وقع لزم الإخلال بالتفاهم واللازم باطل. بيان اللزوم؛ أنه عند عدم القرينة يحمل على الحقيقة، وعند وجودها قد يغفل عنها المخاطب، أو تكون حقيقة فيفهم المعنى الحقيقي فيقع الإخلال بالتفاهم. وأجيب: بمنع الملازمة، فقد يخل بالفهم التفصيلي لا بالفهم مطلقًا، ويكون الغرض منه الفوائد السابقة، سلمنا ونمنع بطلان التالي، وما ذكرتم لا يدل على استحالة الوقوع بل على استبعاده، ولا يعتبر مع القطع بالوقوع.
قال: (ووقع في القرآن خلافًا للظاهرية، بدليل: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿واسأل القرية﴾، ﴿يريد أن ينقض﴾، ﴿فاعتدوا﴾، ﴿سيئة مثلها﴾، وهو كثير.
قالوا: المجاز كذب لأنه ينفى، فيصدق.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قلنا: إنما يكذب إذا كانا معًا للحقيقة.
قالوا: يلزم أن يكون الباري تعالى متجوزًا.
قلنا: مثله يتوقف على الإذن).
أقول: القائلون بوقوعه في اللغة اختلفوا، هل وقع في القرآن أم لا؟ .
فنافاه الظاهرية، وأثبته الأكثرون.
احتج المثبتون بآيات منها قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وهو من مجاز الزيادة؛ لأن المراد في الآية نفي المثل، لأنها لبيان الوحدانية، إذ لو كان المراد نفي المثل الذي هو حقيقة، لم تدل على الوحدانية، إذ نفي مثل المثل لا يوجب نفي المثل، بل ظاهره ثبوت المثل؛ لأن من قال: ليس لابن فلان مثل، اقتضى ثبوت ابن لفلان. وأيضًا كان يلزم نفيه تعالى لأنه مثل لمثله؛ لأن نفي مثل المثل يستلزم تعقل مثل المثل، وتعقل مثل المثل يستلزم تعقل المثل، وتعقل المثل يستلزم أن يكون تعالى مثلًا لذلك، لأن المثلية إنما تتحقق من الجانبين، فلو كان المراد الحقيقة لزم نفيه.
[ ١ / ٣٦٥ ]
لا يقال: الحكم بكونه مثلًا لمثله موقوف على ثبوت مثله الذي هو محال، فلا يكون مثلًا لمثله. لأنا نقول: الحكم لا يتوقف على ثبوت المثل في الخارج، بل على تعقل ما صدق عليه أنه مثل.
والحق: أن الكاف للتشبيه فلا مجاز، ويلزم منه نفي المثل؛ لأن وجود مثل المثل لازم لوجود المثل، فلزم من نفي مثل مثله نفي مثله؛ لأنه كلما انتفى اللازم انتفى الملزوم، فهو نفي للتشبيه المستلزم لنفي الشريك، والمقصود به نفي من يشبه أن يكون مثلًا فضلًا عن المثل حقيقة، والله تعالى ليس مثلًا لمثله؛ لأن معنى مثل مثل الله، هو الشيء الثابت الذي يساويه في تمام الماهية ولوازمها، ويغايره بالعوارض فلا / يصدق هذا على الله، والمثل المتعقل إنما هو مفهوم شيء يشارك الله وهذا ليس مثلًا بالحقيقة لاختلافهما في اللوازم. وأيضًا لما ثبت بالبرهان أنه لا مثل له لم يكن مثلًا لمثله فلا يلزم نفيه. ومنها قوله: ﴿واسأل القرية﴾ والمراد أهلها لامتناع سؤالها، وليس القرية حقيقة في الجماعة وإلا لزم الاشتراك، ولا في القدر المشترك الذي هو المجتمع، وإلا لما تبادر الذهن إلى البناء المجتمع.
لا يقال: يحمل على الحقيقة؛ لأنه يمكن نطق القرية على سبيل المعجزة لأن ذلك إنما يقع عند التحدي، ولم يتحقق التحدي حينئذ، مع أن مثل ذلك بعيد الوقوع.
ومنها قوله تعالى: ﴿يريد أن ينقض﴾ والإرادة إنما يوصف بها الحي
[ ١ / ٣٦٦ ]
فشبه إشرافه على السقوط بالإرادة لوجود الميل، وفيه استعارة. ط
ومنها قوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ أطلق الاعتداء على القصاص مع أنه أمر جائز والآخر حرام، لكن الاعتداء سبب للقصاص أو ضد له أو مشابه له في الصورة، فالإطلاق بالاعتبار الثلاث مجاز.
وكذا ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ بعين ما ذكر.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾، ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾، ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾ إلى غير ذلك.
احتج الظاهرية بوجهين:
الأول: المجاز كذب، وما هو كذب لا يقع في كلام الله تعالى، أما أنه كذب فلأنه ينفي ويصدق النفي فلا يصدق إثباته، وإلا لصدق النفي والإثبات معًا.
وجوابه: منع الصغرى، فإن النفي باعتبار الحقيقة والإثبات باعتبار المجاز، والكذب إنما يلزم لو كان الإثبات والنفي معًا بطريق المجاز أو بطريق الحقيقة، فلا استحالة للاختلاف في المحمول.
احتجوا: بأنه لو وقع، لكان الله تعالى متجوزًا، واللازم باطل.
[ ١ / ٣٦٧ ]