في الفرق بين الرواية والشهادة، (٢) فأقول:
لا شك أنهما اجتمعا في الخبرية لقبول القسمين الصدقَ والكذِب، ثم الفرق أن الرواية هى خبر عن أمر عام لا يتعلق بشخص مُعَين، والشهادة تعلقها بشخص معين، فالرواية كقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" والشهادة كقول الشاهد: لزيد عند عَمْرو كذا.
_________________
(١) الخبر - كما يعرفه علماء الأصول والبلاغة والمنطق في تعريفهم هو الكلام المحتمِل للصدق والكذب لذاته (أي لذات الخبر)، بقطع النظر عن المخبِر به، والخبر في نفسه. ويقابله الإنشاء، وهو الكلام الذى لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، مثل الأمر والنهي والاستفهام، كصيغ العقود في قولك: بعْتُ، واشتريت وتزوجتُ، وأنت تقصد إنشاء البيع والشراء والتزويج، وهكذا .. ومباحثه مستوفاة في العلوم المشار اليها.
(٢) هى موضوع الفرق الأول من كتاب الفروق، وقد كشف مؤلفه الإمام العلامة شهاب الدين أبو العباس احمد بن إدريس القرافي ﵀ عن السبَب الباعث له على ابتداء كتابه بهذا الفرق فقال: "ابتدأت بهذا الفرق بين هاتين القاعدتين، لأني أقمت أطلبه نحو ثمان سنين فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء عن الفرق بينهما وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فإن كل واحدة منهما خبر، فيقولون: الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد، فأقولُ لهم: اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها، فلو عُرِفتْ بأحكامها وآثارها التي لا تُعرف إلا بعد معرفتها لزم الدّورُ، وإذا وقعت لنا حادثة (نازلة) غير منصوصة، من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك؟ فلعلها من باب الرواية التي لا يشترط فيها ذلك، فالضرورة داعية لتمييزهما .. إلى أن قال ﵀: ولم أزل كذلك كثير القلق والتشوف إلى معرفة ذلك حتى طالعت شرح البرهان للمازري ﵀، فوجدته ذكر هذه القاعدة وحققها، وميز بين الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج تلك الفروع تخريجا حسنا، وظهر أي الشبهين أقوى، وأى القولين أجح، وأمكننا من قِبلِ أنفسنا إذا وجدنا خلافا محكيا ولم يذكر سبب الخلاف فيه أن نخرجه على وجوه الشبهين فيه إن وجدناهما، ونشترط ما نشترطه، ونسقط ما نسقطه، ونحن على بصيرة في ذلك كله، فقال ﵀:
[ ١ / ٢٦٢ ]
ثم إن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية ومَا كان كذلك.
أما العددُ فلأِن إلزام المعيّن يتوقع فيه عداوة باطنة لم يطلع عليها الحاكم، حملت الشاهد على التزام ما لا يلزمه، فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر،
_________________
(١) = "الشهادة والرواية خبران، غير أن المخبَرَ عنه، إن كان أمرا عاما لا يختص بمعَين فهو الرواية، كقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات"، و"الشفعة فيما لم يقسم"، لا يختص بشخص معين، بل ذلك على جميع الخلق في جميع الأعصار والأمصار، بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار، إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره، فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة، ثم تجتمع الشوائب بعد ذلك الخ. وهنا علق الشيخ قاسم بن الشاط ﵀ على هذه الفقرة بقوله: قلت: لم يقتصر الإِمام (أي المازرى) في مفتَتَحِ كلامه الذى نقل منه الشهاب ما نقل على الفرق بالعموم والخصوص، ولكنه ذكر مع الخصوص قيدا آخر، وهو (مكان الترافع إلى الحكام والتخاصم وطلبِ فَصْلِ القضاء، ثم اقتصر في مختتم كلامه. على الخصوص والعموم، والأصح اعتبار القيد المذكور، ويتضح لك ذلك بتقسيم حاصر وهو: أن الخبر إما أن يقصد به أن يترتب عليه فصل قضاء، وإبرامُ حكم، وإمضاء أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة، وإن لم يقصد به ذلك، فإما أن يقصد به ترتب دليل حكم شرعي أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الرواية، وإلا فهو سائر أنواع الخبر، ولا حاجة بنا إلى بيان تفاصيلها، لِأن المقصود إنما هو بيان ما يجوز في اصطلاح الفقهاء والأصوليين واعتباراتِهِمْ ودليل صحة اعتبار القيد المذكور (أي إمكان الترافع والتخاصم والتقاضي في الشهادة) أن المخبِر بأن لزيد قِبل عَمْرو دينارا، غير قاصد بذلك الخبر أن يترتب عليه فصل قضاء، لا يسمى في عرف الفقهاء والأصوليين شاهدا على جهة الحقيقة بل يسمى مخبرا، وكذلك المخبر عن الأمور الواقعة التي لا يستفاد منها تعريف دليل حكم شرعي لا يسمى عندهم على جهة الحقيقة راويًا، وإن سمي كما في الأقاصيص ونحوها فهو مجاز من جهة أنهم لا يشترطون فيه ما يشترطون في رواة تعريف أدلة الأحكام". انتهى كلام الفقيه ابن الشاط، وتعليقه على كلام الإِمام المازرى، ونقلِهِ من طرف الإِمام القرافي. وانما نقلت في هذا التعليق كلام هذين الإمامين الجليلين بتمامه وعلى طوله نظرا لأهميته ونفاسته، ولأن الاطلاع على كلامهما وعلى كلام الشيخ البقوري في هذا الاختصار والترتيب للفروق يُلْقِي ضوءا كاشفا، ويعطي بيانا واضحا ما عليه من مزيد في معرفة وإدراك الفرق بين الرواية والشهادة، ولأن الإتيان بهذه الفقرة مطولة بهذا التعليق الذى ليس في ترتيب الفروق قد يغني القارئ والمطلع عن البحث عنها والرجوع إليها إذا لم يكن بَيْنَ يديه كتاب الفروق للإِمام القرافي ﵀ ورحم كافة علماء المسلمين ورضي عنهم أجمعين.
[ ١ / ٢٦٣ ]
طردًا لذلك الاحتمال، فإن بإجماعهما يغلب ظن الصدق وبُعْدُ الكذب، وليس في الرواية ما يثير العداوة، فلم يحتج إلى العددِ فيها.
والذكورية اشترطت، لأن الإلزام سلطة وقهر واستيلاء، تأبَى النفوس الْأبية من ذلك، وإبايتها عنها من النساء أشَدُّ، لنقصانهن، فخفف ذلك عن النفوس برفع الْأنوثة. وأيضا فهن ناقصات عقل ودين، فناسب (٣) ألّا يُنصَبْنَ نصبا عاما، بل في موضع الضرورة، ولهذا قال ﵊: "أما نقصان عقلكن فشهادة رجل واحد تعدل شهادة امرأتين" (٤)، والرواية بخلاف ذلك، لِأن الأمور العامة تتسلى فيها النفوس بعضها ببعض، فخفّ الألم، وتقع المشاركة غالبا في الرواية، لعموم الكشف والحاجة، فروى (٥) مع المرأة غيرُها، فيقِل احتمال الغلط، (٦) ويطول الزمان في الكشف عن ذلك إلى يوم القيامة، فيظهر مع طول السنين خلل إن كان، بخلاف الشهادة تنقضى بانقضاء زمانها، ولا يُتَّهَم أحد في عداوة جميع الخلق، فيكتفى بالواحد فيها. (٧)
_________________
(١) في نسخة ح: فناسبن .. وعبارة القرافي: "فناسب ألا ينصبن نصبا عاما في موارد الشهادات، لئلا يعمَّ ضرَرُهَنَّ".
(٢) إشارة إلى جزء من حديث مطول صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: "يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ (أي فصيحة بليغة): وَمَا لَنَا يا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ (أي الخصام والشتم والطعن والكلام فى الناس)، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ (أي تنكرن خير الزوج)، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ، قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ (أي بسبب الحيض) فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ". وفي هذا الحديث إشارة إلي الآية الكريمة ٢٨٢ من سورة البقرة، وفى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
(٣) في نسخة ح، ونسخة أخرى: "فيروى مع المرأة غيرها (بصيغة المضارعة).
(٤) في نسخة ح: اللفظ، والصواب كلمة الغلط، وهو ما في نسخة ع، وغيرها، ويقتضيه المعنى وهو كذلك ما عند القرافي حيث قال: فيبعد احتمال الغلط.
(٥) قال ابن الشاط هنا: هذا صحيح، وهو الفرق بين الشهادة والرواية.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وأما الحرية فالنفوس الأبية تنقبض من سلطة العبد عليها، ويخف ذلك عليها بالأحرار. وأيضا فالرق سبب للحقد، فربما بعث العبدَ ذلك على الكذب على المعين، وقصد أذية الجمهور يبعد، فوقع الخلاف بين الرواية والشهادة. (٨).
وحيث تبين هذا فلنقل: الخبر ثلاثة اقسام: رواية محضة كالأحاديث النبوية، وشهادة محضة كإخبار الشهود عن الحقوق على المعَيّن عند الحكام، ومركَّبٌ من الشهادة والرواية، وله صور:
إحداهما: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، فمن أجْل أن الصوم لا يختص بشخص معيَّن، كان رواية، ومن أجل أن الهلال هو لرمضان ذلك العامَ لا لغيره كان شهادة. (٩)
قلت: اعتبار الرواية في هذه الصورة من أجل تعلق الصوم لا بشخص معين، اعتبار بعيد، فإن الإخبار إنما وقع عن رؤية شخص معين، فمحله محل
_________________
(١) علق ابن الشاط على كلام القرافي هنا، فقال: كلامه الأول صحيح مستقل بالتعليل كما في المرأة، بل أولى، والثاني (وهو أن الرق يوجب الحقد والضغائن) محتمل أن يكون تعليلا مستقلا أيضا لعدم قبول شهادة العبد، ويحتمل أن يكون غيرَ مستقل من جهة أن احتمال العداوة لم يثبت علة في عدم قبول الشهادة في الحُرِّ. ولقائل أن يقول: إن بين الحر والعبد فرقا من جهة أن في الحر مجرد احتمال العداوة، وفي العبد تحقق سبب العداوة، والله أعلم.
(٢) علق الفقيه المحقق ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي في هذه الصورة فقال: أما قوله: إنه (أي الإخبار عن رؤية هلال رمضان) رواية، فإن أراد أن حكمه حكم الرواية في الاكتفاء فيه بالواحد عند من قال بذلك فصحيح، وإن أراد أنه رواية، حقيقة، فذلك غير صحيح، لأنه لم يتقرر ذلك في إطلاق أحد فيما علمت، وأما قوله: أنه شهادة، فإن أراد أيضا أن حكمه حكم الشهادة عند بعض العلماء في اشتراط العدد فذلك صحيح، وإن أراد أنه شهادة حقيقة، فليس كذلك، لأنه قد تقرر أن لفظ الشهادة إنما يطلق حقيقة، في عرف الفقهاء والأصوليين على الخبر الذى يقصد به أن يترتب عليه حكمٌ وفصل قضاء. ثم زاد ابن الشاط ﵀ فقال في هذا: قلت: والذي يَقوى في النظر أن مسألة الهلال حكمها حكم الرواية في الاكتفاء بالواحد، وليست رواية حقيقة، ولا شهادة أيضا، وإنما هى من نوع آخر من أنواع الخبر، وهو الخبر عن وجود سبب من أسباب الأحكام الشرعية. ولا شك أنه لا يتطرق إليه من الاحتمال الوجب للعداوة ما يتطرق في فصل القضاء الدنيوي. اهـ.
[ ١ / ٢٦٥ ]
معَيَّنٌ، فهو أشبه شيء بالإخبار عن مائة دينار قِبَلَ فلان المعيَّن، فإن كان اعتبار الأشخاص الذين يصومون ليسُوا معَيَّنين في الصوم فالدراهم أو الدنانير التي تؤدَّى في الدَّين ليست بمعَينة، وهذا الاعتبار هنا لا يرده للرواية، فكذلك الآخر، والله أعلم.
لكنه يمكن أن يقال في الجواب: هذه مُغالطة أو غلط، فقد قدمنا أن الفرق بين الرواية والخبر هو من حيث أن الرواية خبر عن أمْر عام لا يتعلق بشخص معين، والشهادة متعلَّقها شخص معين، والصوم لا خفاء أنه لا يتعلق بشخص معين فهو إلى الرواية أقْربُ، وغاية ما يرد عليه أنه ينتقض بالشهادة على قتل الخطأ فإنها شهادة، وإن كان الحكم المتعلق بتلك الشهادة تعلّقَ لا بشخص معين، والله أعلم.
_________________
(١) = قلت: والذي عليه فقهاء المالكية، واعتمدوه في مختلف مؤلفاتهم الفقهية أن خبر الهلال في الصيام والإفطار لَا يثبت ويعم إلا بِعَدليْنِ، وهذا يعني أنه عندهم من باب الشهادة، ولذلك قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد الجد: "ولا يجب صيام شهر رمضان إلا برؤية الهلال او إكمال شعبان ثلاثين يوما. ورؤية الهلال تكون على وجهين: رؤية عامة (وهي الرؤية المستفيضة من جمع كثير من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب)، ورؤية خاصة (وهي النفر اليسير من الناس)، ثم قال ابن رشد: وهذه الرؤية الخاصة تختص بالحكام، فإذا ثبت عند الإِمام رؤية الهلال بشهادة شاهدين عدلين أمرَ الناس بالصيام أو الفِطر، وحمل الناسَ عليه. وهذا هو ما اختصره الشيخ خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الشهير حيث قال "باب، يثبت رمضان بكمال شعبان أو برؤية عدلين أو جماعة مستفيضة الخ .. "، وذكره ونص عليه كذلك الفقيه المالكي محمد بنِ جزي في كتابه القوانين الفقهية فقال: يجب صوم رمضان وإفطارُ يوم الفطر برؤية الهلال، فإن غُمَّ أُكمل ثلاثين يوما، ثمَّ ذكر ذكر أنواع الرؤية: أنْ يرى الإنسان هلال رمضان فيجب عليه الصوم عند الجمهور، ولا يجوز له الإفطار، فإن رأى هلال شوال لم يفطر عند مالك، خوف التهمة، وسدًا للذريعة. والوجه الثاني أن يشهد برؤيته شاهد واحد فلا يجب به الصوم، ولا يجوز به الفطر (أي بالنسبة لعامةِ أهْل البلد). والوجه الثالث أن يشهد شاهدانِ عدلان خاصة عند الإِمام، فيثبت بهما الصوم والفطر في الغيم إجماعا، فإن كان الصحو، والمصر كبير، ثبت بهما على المشهور. والرابع أن يراه الجمُّ الغفير من الناس رؤية عامة فيثبت وإن لم يكونوا عدولًا، ولا يفتقر إلى شهادة. والوجه الخامس أن يخبر الإِمام بثبوته عنده (أي فيتعين على رعيته الأخذ به). ثم فرع ابن القيم على أوجه الرواية السبعَة فروعا أربعة، منها: الفرع الأول إنْ غُمَّ الهلال أُكملت العدة ولم يُلتفت إلى قول المنَجِمين، خلافا لقوم. الفرع الثاني: إذا رآه أهل بلد لزم الحكم غيرهم من أهل البلدان، وفاقا للشافعي، وخلافا لابن الماجشون، ولا يلزم في البلادِ البعيدة جدا كالأندلس والحجاز إجماعًا.
[ ١ / ٢٦٦ ]
الصورة الثانية: القائف المثبت للأنساب بالخلْق (١٠)، هل يشترط فيه العدد أوْلَا؟ قولان: والظاهر الأرجح شبهه بالشهادة، فإنه خبر متعلق بشخص معين. وإنما شبهوه بالرواية، لأنه منتصب انتصابا عاما، فيقال: وكذلك الشاهد منتصب انتصابا عاما.
فإن قيل: القائف لما كان مستندا في ذلك إلى جعل الحاكم (أي تعيينه في ذلك) خفَّت الضغائن، وضعفت العداوة الحاملة على ظن الكذب، بخلاف الشاهد، فإنه لا يستند في شهادته إلى أمر الحاكم له، قلنا: هذا لو كان لا يقبل قول القائف إلا بعد جعل الحاكم، فَهُوَ يُقبَلُ بجعل الحاكم وبغير جعله، بدليل قبول رسول الله - ﷺ - له لما قال في أسامة بن زيد ما قال، ولم يامرْه النبي - ﷺ - بشي في ذلك. (١١)
_________________
(١) القائف كما جاء في تعريفه هنا هو المثبت للأنساب بالخلْق، وهو مشتق وماخوذ من القيافة، وفي تتبع الأثر، والتعرف على نسبة الولد إلى أبيه من خلال النظر والتأمل بحذق ونباهة في خلقته وملامحه، وإدراك ما بينهما من شبه، فينسب المولود إلى أبيه من خلال ذلك كما سيأتي فى آخر الكلام على هذه الصورة من الإشارة إلى ذكر قصة أسامة بن زيد ﵄. وعقب ابن الشاط على كلام القرافي فى مسألة القائف هذه، فقال: ذكر فيه القرافي شبه الشهادة، ولاخفاء على ما تقرر قبلُ في أنه من نوع الشهادة، وذكر شبه الرواية وهو ضعيف لاخفاء به، وذكر السؤال الذى أورده، وهو ضعيف أيضا، وذكر الجواب عنه وهو صحيح لا ريب فيه.
(٢) إشارة إلى الحديث الصحيح المتفق عليه عن عاثشة ﵂ قالت: "دخل على رسول الله - ﷺ - ذات يوم مسرورًا تبْرُق أسارير وجهه (أي يتهلل وجهه من الفرح والاستبشار)، فقال: يا عاثشة، ألمْ تَرَىْ أن مجززًا المدلجي دخل على فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، وبَدتْ أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض". فزيدٌ هذا كان مولى للنبي - ﷺ -، وكان قد تبناه (أي اعتبره ابنًا له حتى كان يُدْعى زيد بن محمد) واستمر ذلك حتى نزلت آية تحريم التبني في الإسلام بقوله تعالى في أوَّل سورة الاحزاب، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وكان لون زيد بن حارثة أبيض، ولون ابنه أسامة أسود، لأن أمه بركة الحبشية كانت سوداء، وكان هذا يسوء ويقلق النبي - ﷺ - لنسبهم زيدا إليه، فلما دخل القائف المدلجي وقال فى حق زيد وأسامة ابنه: هذه الأقدام بعضها من بعض، أي أحَدُ هذين الرجلين ولد للآخر، فرح النبي - ﷺ -، وفرحُه لا يكون إلا لحق.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الصورة الثالثة: المترجم للفتاوى والخطوط، قال مالك: يكفي الواحد، وقيل: لابد من اثنين. ومنشأ الخلاف اعتبار الشبهين، والأمر فيه كالقائف على السواء. (١٢)
الصورة الرابعة: المقوم للسلع في أُروش الجنايات والسرقات والغصوب وغيرها، (١٣) فقال مالك: يكفى الواحد في التقويم، إلا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد من اثنين، وروى لابد من اثنين في كل موضع، فشبه الشَّهادةِ فيهِ ظاهر، وقيل: يشبه الرواية من حيث الوجه المذكور في القائف، وقد قلنا بضعفه ثمَّة، فكذلك هنا في هذه الصورة، الشبه بالحاكم، لأن حكمه ينفذ في القيمة، والحاكم ينفذه.
الصورة الخامسة، القاسم، قال مالك: يكفي الواحدُ، والأحسَنُ اثنان، وقال أبو إسحاق التونسي: لابد من اثنين، وللشافعى في ذلك قولان. ومنشأ
_________________
(١) = قال بعض شراح هذا الحديث: فقول القائف حجة، وبه حكم عمر وابن عباس، وعليه عطاء ومالك والشافعي وأحمد وعامة المحدثين. وقال الحنفية: لا عِبرة بقول القائف لأنه حكم بالظن، والظن يصيبُ ويخطئ. اهـ.
(٢) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة والصورة الثالثة فقال: لم يحرر الكلام في هذا الضرب، فإنه أطلق القول فيه، والصحيح التفصيل، وهو أن الترجمة تابعة لما هي ترجمة عنه، فإن كان من نوع الرواية فحكمه حكمها، وإن كان من نوع الشهادة فكذلك، وهذا واضح، بناء على ما تقرر قبل. وما ذكر فيه من شبه الرواية لنصبه نصبا عاما فضعيف، وكذلك ما ذكره من شبه الشهادة بكونه يخبر عن معين من الفتاوي والخطوط. وما ذكره من وُرُودِ السؤال والبحث فيه كما في القائف، صحيح. اهـ.
(٣) الأرش، جمعه أروش، مثل نفس ونفوس، وهو تعويض الجناية على عضو من الجسم، أو على متاع في ملك الغير، سواء عن عَمْدٍ أو خطأ، إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء كما يقول الفقهاء، ويكون ذلك تعويضا عما أصاب العضو والمتاع من آفة أو نقص في وظيفته وقيمته. وقد علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه الصورة الرابعة فقال: ذكر فيه شبه الرواية وهو ضعيف كما قال، وشبه الحكم وهو ضعيف ايضا، والصَّحيح أنه من نوع الشهادة لترتب فصل القضاء بإلزام ذلك القدر المعيَّن من العوض عليه الخ.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الخلاف شبه الشهادة أو الرواية أو الحكم، والأظهر شبه الحكم، لأن الحاكم استنابه في ذلك. وهو المشهور عندنا وعند الشافعية ايضا. (١٤).
الصورة السادسة: الإخبار عن قِدَم العيب أو حدوثه في السلع عند التحاكم في الرد بالعيب، أطلق الأصحاب فيه أنه شهادة، وأنه يشترط فيه العدد، لأنه حكم جرى على شخص معين لشخص معين، لكنهم قالوا: إذا لم يوجد فيه المسلمون قُبِلَ فيه أهل الذمة من الأطباء، قاله القاضى أبو الوليد وغيره، قالوا: لأن طريقه الخبرُ فيما ينفردون بعلمه، وهذا مشكل من حيث إن الكفار لا مدخل لهم في الشهادة ولا في الرواية (١٥).
الصورة السابعة: قال ابن القصار: يجوز تقليد الصبى والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان، وهذا على خلاف الأصل، لأنه خبر تعلق بمعينين، فإن المهدى والمهدى إليه معين، فكان من باب الشهادة.
وأجاب الشافعية عنه بأن القرائن لما احتفت بهذا الخبر قُبِل مع دعوى الضرورة في ذلك أيضًا، إذ لو كان لا يدخل أحد بيت صديقه حتى يأتي بعدلين يشهدان له بإذنه لشق ذلك. (١٦)
_________________
(١) قال ابن الشاط: ذكر القرافي في هذه الصورة أن مشأ الخلاف شبه الحكم أو الرواية، وليس ذلك عنده بصحيح، بل منشأ الخلاف شبه الحكم أو التقويم، وقد تقدم أن الصحيح أنه نوع من الشهادة، فمن نظر إلى أن القَسْم من نوع الحكم اكتفَى بالواحد، ومن نظر إلى أنه من نوع التقويم وبنى على الأصح، اشترط العدد، والله أعلم.
(٢) قال ابن الشاط عن هذه الصورة: ما حكاه القرافي عن الأصحاب من أنه شهادة، صحيح، وما استشكله من قبول بعضهم أهل الذمة، مشكل كما قال. اهـ.
(٣) قال ابن الشاط في هده المسألة: ليس هذا من نوع الشهادة، لأنه لا يقصد به فصل قضاء، فهو في حكم الرواية، وجَازَ فيه ما لا يجوز في الرواية من قبول خبر الصبي والكافر، لإلجاء الضرورة إلى ذلك من جهة لزوم المشقة على تقدير عدم التجويز، مع ندور الخلو عن قرائن تُحَصَّلُ الظن. وقال في الصورة الموالية المتعلقة بقبول قول المرأة فى (هدية الزوجة لزوجها ليلة العرس). هذه المسألة في معنى التي قبلها كما ذكر.
[ ١ / ٢٦٩ ]
الصورة الثامنة: نقل ابن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس، مع أن الأصل فيه ألا يقبل إلا رجلان، لأنها شهادة متعلقة بالنكاح، لكنه جاز ذلك، للقرائن المنضافة إلى ذلك الخبر، التي يبعد معها التدليس (١٧) والوقوع فيما لا ينبغي، ويكفي هذا القدر فيما أردنا بيانه.
تنبيه: قال ابن القصار: قال مالك: يقبل قول القصاب في الذكاة، ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كتابيا، ومن مِثله يَذبح، وليس هذا من باب الرواية أَو الشهادة، بل القاعدة الشرعية أنَّ كل واحد، مؤتمنٌ على ما يدعيه مما هو تحت يده. فإذا قال الكافر: هذا مالى صُدِّق، وكذلك إذا قال: هو مُذَكّىً صُدِّق، ولا يُعَد ذلك شهادةً ولا رواية، فليس هذا من الفروع المترددة بين القاعدتين. (١٨)
فإن قلت: ما قررته من الفرق ينتقض بالشهادة بالوقف على الفقراء
_________________
(١) هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ بتذكير اسم الموصول، وتأنيث العائد عليه، وهو غير متناسب، فلعله من الناسخ، فإما أن يعود الضمير بالتأنيث على اسم الموصول المؤنث التي فيكون وصفًا للقرائن، وإما أن يكون العائد مذكرا مطابقا لاسم الموصول الذى هو وصف للخبر، إذ القاعدة إن اسم الموصول تأتي بعده جملة صلة لا محل لها من الإعراب، وتكون مشتملة على ضمير مناسب له في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وهو ما أشار إليه محمد بن مالك. في بيت من ألفيته حيث قال: وكلّها يلزمُ بَعْدَهُ صِلَة على ضِميرٍ لائقٍ مشتملةٌ
(٢) قال ابن الشاط هنا: هذه المسألة وإن لم تكن من تينك القاعدتين فهي من جنس المسألتين قبلها. وما ذكره القرافي فيها من أن كل واحد، مؤتمن على ما يدعيه مما هو تحت يده ومصدَّق فيه، معناه أنه لا يتعرض له برفع يديه عنه، وليس المعنى بذلك أنه محق عندنا في دعواه، ومسألة القصاب مع ذلك ليست من هذه القاعدة، بل هي من جنس المسألتين اللتين قبلها: (مسألة تقليد الصبي والأنثى، ومسألة قبول قول المرأة الواحدة في هدية الزوجة لزوجها) كما تقدم ذكره، لأن المقصود من هذه المسألة ليس تركه وما يدعيه بالنسبة إلى ملك ما تحت يده، بل المقصود منها، هل يستباح أكلها، بناء على خبره أم لا؟، فلا أعْلم لتجْوِيز الاستباحةِ بناء على ذلك إلا إلجاء الضرورة إلى ذلك، للزوم المشقة عند عدم التجويز، مع ندور الخلو عن القرائن المحصلة للظن كما سبق، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٠ ]
والمساكين إلى يوم القيامة، (١٩) فهي شهادة تعلقت بكلي لا بمعين، وكذلك كون الأرض عنوة أو صُلْحا (٢٠) أو غير ذلك، من النظائر.
وأما الرواية فهي أيضا في الأمور الجزئية كالإخبار عن النجاسة وأوقات الصلوات وأشياء أيضًا كثيرة، (٢١) قلنا: أما ما ذكر من فروع الشهادة، فالعموم فيها إنما جاء بطربق العرض والتبع، ومقصودها الأول إنما هو جزئي.
_________________
(١) هذا التساؤل من كلام القرافي، وليس من كلام الشيخ البقوري وتعقيبه كما قد يتبادر إلى الذهن. والمراد ما ذكرهُ القرافي من كون حقيقة الشهادة تتعلق بجزئى، والرواية حقيقتها التعلق بكلي لا يطرد ولا ينعكس، حيث إن الشهادة تقع في أمر كلي كالشهادة بالوقف على الفقراء والمساكين،والرواية تقع في أمر جزئي كالإخبار عن أوقات الصلاة وغيرها، فأجاب القرافي عن ذلك بقوله فيما بعد: قلت أما ما ذكر من فروع الشهادة فالعموم فيها إنما جاء بطريق العَرَض والتبع إلى آخر ما ذكره، واختصره تلميذه البقوري.
(٢) أي كون الأرض فُتحَتْ من طرف المسلمين عنوة وبالقوة والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، أو فتحت بالصلح والتصالح مع ساكنيها من غير المسلمين، حيث يدخلون في ذمة المسلَمين ويؤدون لهم الجزية المشروعة في ذلك.
(٣) كثيرا ما ترد في علم أصول الفقه والمنطق كلمات الكلي والجزئي، والكلية والجزئية، والكل والجزء، وهي كلمات إصطلاحية ذات مفاهيم ودلالات ومعاني خاصة، يجدر التذكير بها في هذا الموضوع، والتعليق عليها، تيسيرا على المطلع والباحث. فالكلي هو اللفظ الذى لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه بين أفراد عديدين. وبعبارة أخرى: هو الذى لا يمنع نفس تصور معناه وحصوله في الذهن من فرض صدقه على كثيرين، لقبوله الشركة فيه، كإنسان وأسد، فإن كلا منهما يصدق على أفراد متعددة تشترك في معناه. والكلي يقابله الجزئي، وهو اللفظ الذى يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه بين اثنين فأكثر، مثل زيد، وعمرو، وبكر، وغيرها من أسماء الأعلام الشخصية، وهو الجزء الحقيقي، في مقابلة الجزئي الإضافي، وهو الذى يندرج تحت غيره بأن يكون أخص منه، مثل زيد وعلى بالنسبة للإنسان. أما الكل، ويقابله الجزء، فهو المركب من أجزاء، كجسم الحيوان المركب من عدة أعضاء، وجسم غيره من الكائنات الحية الأخرى. وبتعريف آخر عند العلماء المنطق: الكل هو الموضوع المحكوم عليه بحكم من الأحكام من حيث هو مجموع أفراد دون أن يستقل كل فرد من أفراده بالحكم، نحو المثل المشهور عندهم وهو قولهم: كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة، أي هيئتهم المجتمعة من عدة أفراد لا كل فرد على حدة، ومنه الآية الكريمة في سورة الحاقة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[ ١ / ٢٧١ ]
أما الوقف فالمقصود بالشهادة فيهِ الواقف وإثبات ذلك عليه، وهو شخص معين ينتزع منه مال معين، فكان ذلك شهادة، ثم اتفق أن الموقوف عليه، فيه عموم، وليس ذلك من لوازم الوقف، قد يكون على معين وقد يكون على غير معين، وهكذا في كل شيء، الأصل ما ذكرناه، وغيره جاء بالعَرَضِ، ولا يلتفت إليه. غير أن كون الأرض عنوة أو صلحا يمكن أن يقال: هو من باب الرواية، ويمكن أن يقال: هو من باب الشهادة لكون الأرض جزئية لا يتعداها الحكم إلى غيرها.
_________________
(١) = أما الجزء فهو على عكس الكل، هو الذى يتركب منه ومن غيره من الأجزاء الأخرى كل، مثل الوجه، واليد، والرجل بالنسبة لجسم الإنسان الذى هو كل، ومثل الرجل والمرأة من قبيلة معينة. أما لفظ الكلية في اصطلاح المناطقة فهى القضية المسوَّرة بالسور الكلي (أي المحاطة به) مثل كل، ومن، وما من صيغ العموم، المحكوم فيها على كل فرد من أفرادها، مِثْل قوله تعالى: " ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ويقابلها الجزئية، وهي القضية المسورة بالسور الجزئي، المحكوم فيها على بعض أفراد الموضوع، مثل قول القائل: حضر بعض الطلبة في المحاضرة، أو بعض الإنسان كاتب، أو بعض الحيوان ليس بإنسان. والملاحظ من خلال تعريف هذه الألفاظ والمصطلحات أن الكل والجزء، وكذا الكلي والجزئى يتعلق بالأسماء المفردة وينصَب عليها وعلى مدلولاتها، بينما الكلية والجزئية وصف للقضايا التركيبية والجمل المركبة، وتتعلق بها. وقد جمع هذه المصطلحات، ونظمها العلامة الأخضري فى منظومته المعروفة بالسلّم على المنطق، فقال فيها ﵀: الكل حكمنا على المجموع ك كل ذاك ليس ذا وقوع وحيثما لكل فرد حكما فإنه كلية قد علِمَا والحكم للبعض هو الجزئية والجزء معرفته جلية وقول الناظم هنا: ككل ذاك ليس ذا وقوع، إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الصحابى ذى اليدين، قال أبو هريرة: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: بل بعض ذالك قد كان، فقال رسول الله - ﷺ -: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعَمْ، فقام رسول الله - ﷺ - فصلى ركعتين أخريين ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجد سجوده أو أطول، ثم رَفع" اهـ. وإنما أتيت بهذا التعليق على ما فيه من طول، لاستحضار مصطلحات تلك الكلمات ومدلولاتها ومعانيها عند علماء الأصول والمنطق، وتيسير استذكارها عند ورودها في مثل هذه المؤلفات، وذلك بشيء من الإيجاز والاختصار، والتوسع فيها يستلزم من الدارس والباحث الرجوع إليها في مظانها من كتب أصول الفقه والمنطق. اهـ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وأما ما ذكر من الرواية فنقول: شبِّه المخْبِرُ بالنجاسة وبأوقات الصلوات بالمفتى، غير أنه يفارقه في أن المفتى يذكر الحكم من حيث هو الحكم الذي يعم الخلائق إلى يوم القيامة ولا يذكرُ سبَبَه، وهو أن يذكر أن سببه من حيث وقوعه في شخص معين فأشبَه الشهادة بهذا الوجه، فكان فيه شائبتان وشبهان لسائر الصور المذكورة قبلُ. (٢٢)
مسألة: ذكر شهاب الدين ﵀ أن بعض شيوخه المعتَبرين رأى منقولا أن العبد إذا روى حديثا يتضمن عتقه تُقْبل روايته. (٢٣).
مسألة: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إذا تعارضت البينتان في الشهادة ففى الترجيح ثلاثة أقوال: قول بأنه يقبل الترجيح مطلقا، وقول بأنه لا يقبل مطلقا، والثالث المشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد.
والفرق أن الحكومات إنما شرعت لدرء الخصوم ورفع المنازعة، وفي الترجيح بكثرة العدد إطالتها، لأنه إذا زاد الواحد يدعي الآخر الزيادة، وهكذا أبدا، بخلاف الترجيح بالعدالة، فإنها صفة راجعة إلى القاضى لا إلى صاحب الحق، والعدد يرجع إلى المتخاصمين، فقد يدعي كل واحد الزيادة وياتي بغير عدل. (٢٤)
_________________
(١) قبل وبعد، كلمتان معربتان بالخفض أو النصب على الظرفية، حالة ذكر المضاف اليه، أو في حالة حذفه مع نية ثبوت لفظه، فلا يقع تنوينهما، أو مع عدَم نية المضاف إليه، فيقع تنوينهما، أو في حالة حذف المضاف إليه مع نية معناه دون لفظه، تُبنَيَانِ على الضم، كما هو مقرر في محله ويكونان مبنيتين على الضم في حالة انقطاعهما عن الإضافة على حد قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾.
(٢) أي أن الزيادة في عدد أفراد البينة على التوالى من كل واحد من المتخاصمين يطيل النزاع وينشر الشغب؛ ولذلكم جاء عند القرافي في مسألة تعارض البينتين قوله هنا: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إذا تعارضت البينتان في الشهادة يقبل الترجيح بالعدالة، وهل ذلك مطلقا أو في أحكام الأموال خاصة؟ وهو المشهور، أو لا يقضى بذلك مطلقا؟ ثلاثة أقوال، والمشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد والفرق أن الحكومات (أي التحاكم والتقاضى بالأحكام الشرعية أمام القضاء) إنما شرعت لدرء الخصومات ورفع التظالم والمنازعات، فلو رجحنا بكثرة العدد لأمكن للخصم أن يقول: أنا أزيد في عدد بينتي، فنمهله حتى يأتي بعدد آخر أيضا، فيطول النزاع ويبطل مقصود الحكم.
[ ١ / ٢٧٣ ]
فوائد:
الأولى: الشهادة خبر، وكذلك الرواية، والدعوى، والإقرار، والمقدمة، والنتيجة، والتصديق والإنشاء، ولكل واحد من هذه خصوصية يتميز بها.
فالتصديق هو الواقع على القدر المشترك بين هذه كلها، من حيث إنه يلزمه أن نقيضه إنما هو التكذيب، ولكنه ذكر أحد النقيضين، والمقدمة جزء الدليل، والنتيجة هى القضية بعد أن صارت محققة بالدليل، وهى الدعوى والمطلوب قبل أن يستدل عليها.
الثانية: يقال: شهد بمعنى حضر، ومنه: فلان شهد بدْرًا، (٢٥) وبمعنى أخْبَرَ، ومنه: شهِد عند الحاكم، وبمعنى علمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢٦)، يحتمل أن يكون من باب العلم، ويحتمل أن يكون من باب الإخبار.
الثالثة: روي معناه حمل، فراوى الحديث يحمله عن شيخه (أي بأخذه عنه، ويتلقاه منه)، ولهذا قال الناس: الراوية بناء مبالغة، هو حقيقة على الذي كثر منه الحمل، فهو - إذن - على المزادة التي فيها الماء بالمجاز، لمجاورتها للحامل، وذلك الجمل، فهو الذي يكثر منه الحمل.
_________________
(١) = أما الترجيح بالأعدلية فلا يمكن للخصم أن يسعى في أن تصير بينته أعدل من بينة خصمه بالديانة والعلم والفضيلة، فلا تنتشر الخصومات ولا يطول نزاعها لانسداد الباب عليه. وهنا قال ابن الشاط ﵀: ما ذكره القرافي من الفرق بين الترجيح بالعدالة ظاهر صحيح، وكذلك ما ذكره من الفوائد الثلاث التي ختم بها هذا الفرق، ظاهر، والله اعلم.
(٢) ومنه الآية الكريمة في الصيام، من سورة البقرة، وهى قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
(٣) الآية بتمامها: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
[ ١ / ٢٧٤ ]