ولنذكر أولا، أن الصلحة عبارة عن لذة أو سببها، أو فرحة أو سببها، وأن المفسدة عبارة عن ألم أو سببه، أو غم أو سببه.
فإذا تقرر هذا فأقول: هذا كان أصله، ولكن خصصه العرف الشرعي بشئ دون شئ، فلذات المعاصى وأفراحها وأسبابها لا يصدق عليها اسم المصلحة وإنما يصدق على ما عدا ذلك. ومشاق العبادة ومكارهها وأسبابها كذلك لا يصدق عليها اسم المفسدة، وقد قال - ﷺ -: "حُفَّتْ الجنة بالمَكاره، وحُفت النار بالشهوات" (٢)، ولكنه لا يقال لتلك الشهوات: مصلحة، ولا لتلك المكاره: مفسدة.
_________________
(١) هذه القواعد الكلية الثلاث عشرة المذكورة في هذه الترجمة هى مما أضافه الشيخ أبو عبد الله محمد ابن ابراهيم اليقوري في كتابه هذا إلى كتاب شيخه الإِمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القراقي في الفروق رحمهما الله. وإضافة بعض المسائل والفوائد والتعليقات هى إحدى المرتكزات والأسس الأربعة التي يقوم عليها كتاب الترتيب هذا، كما سبق أن ذكره مؤلفه في مقدمة الكتاب ودياجته. ولذلك لم أذكر لها ما يقابلها من الفروق عند القرافي، كما هو الشأن مع بقية القواعد الأخرى التي أذكر معها الفرق المقابل لها، بقصد تسهيل وتيسير الرجوع اليها لن أراد التوسع فيها. ولعل الشيخ اليقوري استفاد هذه القواعد واستقاها من كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام لشيخه العالم الأجل اللقب بسلطان العلماء الامام الأكبر أبي محمد عز الدين بن عبد السلام ﵀. فلينظر ذلك وليتامل، والله اعلم.
(٢) أخرجه الامام أحمد والامام مسلم والترمذي عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٣٩ ]
وحيث تحقق هذا فأقول:
لا شك أن الشارع اعتبر المصالح بحسب العبيد، والمفاسد بحسبهم، فأمر باكتساب ما للمصلحة من الأسباب، ونهى عن اكتساب ما للمفسدة من الاسباب. فالشريعة انبنت على قوله تعالى: . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وهو إنما يرشدنا ويأمرنا بما فيه مصلحتنا، وينهانا عما فيه مضرتنا. فبالسلامة من المنهيات نسلم من النار، وباكتساب الأوامر ندخل الجنة ونصل إلى ما فيها من الخيرات، ونسلم بما تقدم من النار وما فيها من المضرات (٤). قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٥). وهذا بين من طريق الآخرة.
وبقي لنا النظر أيضًا بحسب مصلحة الدنيا ومفسدتها، فنقول:
وكذلك أيضًا جاءت بهذا كما جاءت بالآخر من حيث الجملة، فينهانا عن القرب من المهلكات كالسموم وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
_________________
(١) سورة الحشر: الآية ٧.
(٢) هكذا في نسخة الخزانة العامة بالرباط، المشار إليها بحرف ع، وكذا في نسخة الخزانة الحسنية بالرباط، والمشار إليها بحرف ح: (فنسلم بما تقدم من النار". وهو تعبير واضح ومعنى سليم. فإن امتثال الأوامر الشرعية، واجتناب النواهي الشرعية يكون سببا في دخول المرء إلى الجنة وسلامته من النار، بفضل الله ورحمته على الانسان. وتحتمل العبارة معنى آخرَ، حيث إنها جاءت غير واضحة الخط والكتابة في بعض النسخ التي بين أيدينا، وهو: "فنسلم مِمَّا يقرب من النار"، وهو كذلك معنى جلي واضح. ويشهد له حديث الإِمام ابن ماجة ﵀ عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن النبي - ﷺ - كان من جملة دعائه: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب اليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا". اهـ. والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.
(٣) سورة الزلزلة: الآية: ٧، ٨.
[ ١ / ٤٠ ]
التَّهْلُكَةِ﴾ (٦). وقال: ﴿وكلوا واشرلوا ولا تسرفوا ..﴾ (٧) وقال: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٨).
وغاية ما في هذه أنه إذا عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية (٩). غلِّب عليها جانب المصلحة الأخروية، وأُمرنا بترك تلك المصلحة الدنيوية، ومن هنا كان التخصيص، حتى لا يقال للشهوات التي حفت النار بها، إنها مصلحة، ولا للمكاره التى حفت الجنة بها: إنها مفسدة.
ثم استقراء الشريعة والنظر فيها يحقق هذه القاعدة حتى يقطع الناظر فيها بما قلناه، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله سبحانه أعلم وأحكم.