نقرر فيها أن المفرَدَ المعرَّف بالألف واللام يفهَم منه العمومُ، وأن ما قاله الفقهاء في الطلاق جاء على غير الأصل، فنقول:
أمّا أنّها تفيد العموم فظاهر من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) إذ لَو لم تكن للعموم لمَا صَح الاستثناء الآتي بعد ذلك. وكذلك - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤).
قلت: المشهور عن الأصوليين أن المفرد المعرّف بالألف واللام لا يفيد العموم، فإن جاء العموم في بعض المواضع فما ذلك لِلألِف واللام، فإنه لو كان لها لا طرَّد كما الألف واللامُ مع الجمع، وسيأتي تحقيق لهذه المسألة في موضع آخر بعدها. (٥).
_________________
(١) هي موضوع الفرق الثالث والسبعين بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق، نحو ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وبين قاعدة المعرَّف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم". جـ ٢، ص ٩٤.
(٢) سورة العصر: الآية ٢
(٣) سورة الأنعام الآيه ١٥١.
(٤) سورة البقرة: الآية ٢٧٥. وقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند الإِمام القرافي ولخصه البقوري ﵀ في هذه المسألة، فقال: ما قاله صحيح إلا في قوله. ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ أنه للجنس، فإنه إن كان يعني الحقيقة فذلك صحيح، وإن كان يعني أنه للاستغراق فلا، اهـ. ﵏ ورضي عنهم أجمعين وعن سائر علماء المسلمين.
(٥) العام عند علماء الأصول، وكما عرفه تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي ﵀ في كتابه الشهير، جمع الجوامع في أصول الفقه: هو لفظ يستغرق الصالح له من عير حصر". ثم قال عن صيغ العموم: "والجمعُ المعرف باللام أو الاضافة للعموم، والمفرد المحلى باللام مثله، خلافًا للإِمام الرازي".
[ ١ / ٢٢٢ ]
قال شهاب الدين ﵀: والفقهاء خالفوا هذه القاعدة في لفظ الطلاق، فإذا قال الرَّجل: الطلاق يلزمني ولا نية له حملوه على طلقة واحدة، وكان حق هذا اللفظ أن يحمل على عدد لا نهاية له، لولا أن الشرع جعل آخر الطلاق هو الثلاث، كما إذا قال: طلقتك مائة تطليقة يحمل على الثلاث. وسبب هذا أنَّهم رَأوا الألف واللام في المفرد، تارةً للجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦)، وترِدُ تارةً للعهد، كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، وترد لمعقول الجنس، كقولهم: أكلتُ الخبز، كقوله ﵊: "إذا ولغ الكلب. في إناء أحدكم" (٧) فقال الفقهاء: المراد بها في الطلاق معقول الجنس وهو المشترَك، والمشترَك يحصل بفرد من أفراده، وهذا كله من حيث إنهم رأوا العرف
_________________
(١) = وبعبارة أخرى أوسع وأوضح: هو اللفظ الذي يتناول ويستغرق، دفعة واحدة وفي إطلاق واحد، جميع الأفراد التى تشترك في مفهومه من غير حصر لأفراد مدلوله باعتبار اللفظ ودلالة العبارة لا باعتبار الواقع ومنْ صِيَغهِ الألف واللام إذا أريدَ بها الاستفراق دون العهد ودخلت على الاسم، فإنها تفيد العموم فيما دخلت عليه، سواء اكان جمعا، مثل ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أو كان مفردًا، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقد رأيت أن أنقل هذا التعريف، وأورده هنا بقصد التذكير به، والبيان للقاعدة، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصرره، والمصطلحات الأصولية والمنطقية والبلاغية والنحوية، وغيرها من مصطحات العلوم وقواعدها قد تغيب أحيانًا عن بعض الأذهان إذا لم يقع التعهد لها والتمرس بها بين الحين والآخر، فإن العلم يحصل ويرسخ بذلك، ويزداد بالعطاء والانفاق منه كما يقول العلماء.
(٢) سورة المزمل، الآية ١٦. وأولها: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾: الآيتان: ١٥، ١٦. فالعهد هنا بال ذكرى، في مقابلة العهد الذهني، والحضوري. ذلك أن كلمة رسول سبق ذكرها نكرة وأعيدت معرفة بأل، فهي نفس الأولى وعينها، كما تقول القاعدة النحوية المقررة، والتسمية نظمها بعضهم في بيتين فقال: ثمَّ من القواعدِ المشتهرة إذا أتتْ نكرة مكرَّرة تخالَفا، وأن يُعَرَّفْ ثانٍ توَافَقَا كَذا المعَرّفان
(٣) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، ونصه بتمامِه: إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيُرقْه، ثم ليغسلهُ سبعًا، أُولاهن، أو إحداهن، أو السابعة بالتراب .. على اختلاف في روايات هذا الحديث الصحيح المتفق عليه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
غلب عليها في هذا القسم فقالوا بمقتضى العرف، وكأن القائل قد قال حقيقةً: جنس الطلاق يلزمني، والعرف يقضي على اللغة، ولا تقضي اللغة عليه. (٨)
قلت: شهاب الدين ﵀ يقول في مواضع أخرى: المفرد الذي تدخله الألف واللام يختلف، فإن كان مثل مال، فالألف واللام إذا دخلت على مثله للعموم، فقبضْت المال، المراد جميعُه، وإن كان مثل رجل، فالألف واللام في مثله لا يَعُم. والمراد بمثل مال ما يتصف بالكثرة والقلة، وبمثل رجل مالًا يتصف بذلك.
_________________
(١) قال القرافي هنا ﵀: "إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد الأمور الثلاثة: لاستغراق الجنس، وللمعهود من الجنس، ولحقيقة الجنس، كقول السيد لعبده: (الإنسان لخادمه مثلًا: إذهب إلى السوق فاشترِ لنا الخبز واللحم، يريد إثبات هذه الحقيقة ولا يربد العموم، فما علم أن أهل العرف قد نقلوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس، فيصير معنى كلام المطَلق أن حقيقةَ جنس الطلاق تلزمني، وإذا لزمته هذه الحقيقة، وهذه الحقيقة تصدُق بفرد، لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة، لأن الأيمان مبنية على العرف في اليمين بالله والطلاق وغيره. فإذا حدث عرف بعد اللغة قدم عليها، لأنه ناسخ لها، والناسخ مقدم على المنسوخ. وهاتان القاعدتان في الاصول خالفهما الفقهاء في الفروع، وهما: قاعدة: الإستثناء من النفي إثبات، ومن الأثبات نفي، ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من الخلاف، وقاعدة المعرف بلام التعريف، قالوا: لأنه للعموم ولم يقولوا به في الطلاق، والسبب ما تقدم بيانه. وقد علق ابن الشاط على هذا الكلام عند القرافي، فقال: تبين أن الحقيقة الكلية لا وجود لها في الخارج (اى خارج الذهن، وفي الواقع)، فلا يمكن أن تكون هي المقصودة في قوله: الطلاق يلزمني، ولكن يمكن أن يكون المقصود الاستغراق أو العهد، فعل هذا كان ينبغي أن نُلزمه الثلاث احتياطًا، كمن طلق ولا يدرى أواحدة أم ثلاثًا، نلزمه الثلاث احتياطًا، ولكن لا اعلم أحدًا ألزم الطلاق بذلك اللفظ، فهو عرف في مطلق الثلاث، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٤ ]