في الفرق بين إثبات النقيض في المفهوم وبين إثبات الضد فيه، فنقول:
- مفهوم المخالفة (٢) هو إثبات نقيض الحكم المنطوق للمسكوت، لا إثبات ضد المنطوق. (٣).
_________________
(١) هي موضوع الفرق الستين عند الإمام القرافي ﵀. جـ ٢. ص ٦٠ ولم يعلق عليه بشيء، الفقيه ابن الشاط ﵀.
(٢) المفهوم عند علماء الأصول قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فالأول هو ما يدل اللفظ فيه على موافقة المسكوت عنه للمنطوق به في الحكم، ويسمى فحوى الخطاب إذا تساوى في الحكم، المنطوق والمفهوم وليس أحدهما أقوى من الآخر، ويسمى لحنَ الخطاب إذا كان المفهوم المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كالنهي عن الشتم والضرب المفهوم بطريق الأولى من النهي عن التأفيف مع الوالدين. ومفهوم الموافقة اتفق أهل العلم على الاحتجاج به في الأحكام كما هو مقرر في علم أصول الفقه. أما مفهوم المخالفة، فهو الذي يدل اللفظ فيه على مخالفة المسكوت عنه في الحكم، وهو أنواع كما سبق ذكرها وبيانها، كلها حجة إلا مفهوم اللقب كما قال تاج الدين ابن السبكي ﵀، وذكره في كتابه جمع الجوامع في أصول الفقه.
(٣) كلمة النقيض، كلمة الضد هي من جملة كلمات ذات مدلولات ومصطلحات خاصة عند علماء أصول الفقه وعلماء المنطق. فنقيض الشيء عندهم هو الأمر الذى لا يجتمع معه في آن واحد، ولا يرتفع معه في آن واحد، وبعبارة أخرى: النقيضان هما الأمران اللذان لا يجتمعان بحيث يكونان صادقين معا، ولا يرتفعان بحيث يكونان كاذبين معا، بل لابد من وجود أحدهما وارتفاع الآخر، أو من صدق أحدهما وكذب الآخر، سواء في المفرد ويسمى تقابل النقيضين، مثل قولك، فلان حاضر، لا حاضر، أو شيء أبيض، أسود في نفس الوقت، أو فى القضيتين مثل قولك: بعض الحيوان إنسان، وهي قضية صادقة، نقيضها لا شيء من الحيوان بإنسان، قضية كاذبة، ولذلك فالتناقض عند علماء المنطق هو اختلاف قضيتين في الإيجاب والسلب، بحيث يلزم لذات الاختلاف صدق إحداهما، فالاختلاف بين مفردين: خالد لا خالد، أو زيد لا زيد، أو بين مفرد وقضية لا يسمى تناقضا عند المناطقة. وإيراد مثل هذه المسائل والتعاربف الأصولية أو المنطقية أو غيرها مما يتصل بالعلوم الإسلامية والعربية، واستطراد ذلك أحيانا في هذه التعاليق يهدف إلى التذكير بها، واستحضارها بشيء من الإشارة إليها والإيجاز في ذكرها، قبل أن يعود القارئ والباحث إلى التوسع فيها في مظائها ومؤلفاتها.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وبيان ذلك بحسب أقسام مفهوم المخالفة، وهى عشرة:
١) الأول مفهوم العلة، نحو: "ما أسكر كَثِيرُهُ فهو حرام"، مفهومه ما لم يسكر كثيره فليس بحرام.
٢) ومفهوم الصفة: "في النعم السائمة الزكاة"، مفهومه ما ليس بسائمة فلا زكاة فيه.
٣) ومفهوم الشرط: "من تطهر صحت صلاتُه"، مفهومه من لم يتطهر لا تصح صلاته.
٤) ومفهوم المانع: لا يسقط الزكاة إلا الدين، مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه.
٥) ومفهوم الزمان، سافرت يوم الجمعة، مفهومه لم يسافر في غيره.
٦) ومفهوم المكان: جلست أمامك، مفهومه لم يجلس عن يمينك".
٧) ومفهوم الغاية: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) مفهومه لا يجب بعد الليل.
٨) ومفهوم الحصر: "إنما الماء من الماء" (٥)، مفهومه لا يجب من غير الماء
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ١٨٧.
(٢) نص حديث أخرجه الإمام مسلم عن عتبان ﵁. ودلالته ومعناه أنه لا يجب الغسل والتطهر بالماء عند مباشرة الرجل لزوجته إلا بنزول المنى وخروجه، وهذه الصورة، أو الحالة محل اتفاق ولا نسخ فيها، على أن أُبي بن كعب ﵁ قال في هذا الموضوع: إن الرخصة التي كان الصحابة يفتون بها: "إنما الماء من الماء" كانت رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال فيما بعد، أي أمر بالإغتسال لمجرد الجماع والمباشرة، وإن لم يحصل إنزال أي خروج للمنى، رواه أبو داود والترمذى. ولما قاله أبي كعب شواهد وأدلة أخرى من الأحاديث النبوية، تقويه وتعضد تفسيره، فمن ذلك قوله ص: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل"، وفي رواية أخرى: "إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل"، وهو ما عليه الفقهاء سلفا وخلفا، قال الفقيه الجليل محمد بن أحمد بن جزى الغرناطي ﵀ في كتابه القوانين الفقهية: وأما مغيب الحشفة أو قدرها فموجب للغسل، أنزل أو لم ينزل، إجماعا بعد خلاف بين السلف، إذ قد نسخ "إنما الماء من الماء" اهـ. فالذي عليه العمل عند الفقهاء جميعا وكافة المسلمين وبه الفتوى هو حديث وجوب الغسل على كل من الرجل والمرأة بمجرد ما تحصل مجاوزة ختان الزوج لختان زوْجِه.
[ ١ / ٢٥٧ ]
٩) ومفهوم الاستثناء: قام القوم إلا زيدا، مفهوم ذلك أن زيدا لم يقم.
١٠) ومفهوم اللقب: وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، مفهومه لا يجب في غير الغنم، عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.
ومفهوم اللقب - وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، نحو في الغنم الزكاة، مفهومه لا يجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.