نقرر فيها الفرق بين قاعدة السبب الشرعي، سالما عن المعارض مِن غَيْر تخيير، يترتب عليه مسببه، وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض، مع التخيير، فلا يترتب عليه مسببه.
وبيان هذا أن الشافعية تقول: إن المرأة إذا حاضت بعد زوال الشمس ترتب (٢) عليها وجوب الظهر وبقي في ذمتها، حتى إذا طهرت قضت تلك الصلاة. والمالكية تقول: لا تَقْضِيهَا إذا حاضت في آخر وقتها بمقدار ركعة من الصلاة، فالشافعية تقول: وجد السبب الشرعي في حقِها سالما عن المعارض، فترتب الوجوب عليها، ولا تفرق بين ما فيه تخيير وما لا تخيير فيه.
والمالكية تقول: لا يترتب من حيث التخيير، وإنما يترتب إذا ارتفع التخيير، وذلك إذا وجد السبب سالما عن المعارض من غير تخيير، وهذا يكون آخر الوقت، فإن التخيير حينئذ يزول ويتعين الوقت، فأشكل قول مالك في هذا وصار ملتبسا بمذهب الحنفية التي تقول: الوجوب تعلق بآخر الوقت.
والجواب عن هذا حتى (٣) يتحقق الفرق بين هاتين القاعدتين ويظهر، أنا لا نقول: الوجوب تعَلَّقَ (٤) بآخر الوقت بل بأوله، ومع ذلك نقول بما نقول، لأجل
_________________
(١) هذه القاعدة هي موضوع الفرق الثامن والثمانين من كتاب الفروق جـ ٢ ص ١٣٧. وتمامه عند القرافي مما لم يذكره البقوري، قوله: "ولم يميز أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن المعارض". ثم قال القرافي ﵀ في أوله: "وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين، فيه صعوبة وغموض، ويظهر لك الغموض والصعوبة بما ورد على المالكية لما خالفوا الشافعية فقالوا: المعتبر من الأوقات في الصلوات أو آخرها دون أوائلها .. الخ".
(٢) في نسخة ح: يترتب.
(٣) في نسخة ح: حين، وكلمة حتى أظهر وأبين في تمام المعنى.
(٤) في نسخة ح: يتعلق (بالمضارع).
[ ١ / ٣٠٧ ]
التخيير الموجود هو أن نقول: مما يدل على صحة الفرق الذي ذهب إليه مالك،
صور كثيرة موجودة لا نزاع فيها هي مثلها (٥).
فمنها أن من اشترى صاعا من صُبْرَةٍ، فلمن باعه أن يبيع سائر الصيعان من غير المشترى لذلك الصاع، فلو فعل ذلك وبقي صاع فتلف بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينتقل الصاع للذمة، كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية.
والسبب في ذلك أن العقد تعلق بالقدر المشترك بين صيعان الصبرة وهو مطلق الصاع، فتصرف بِمقْتَضَى التجويز فيما عدا الصاع الواحد، وأتت الجائِحَةُ على ذلك الصالح، فكان التخيير في غيره مع الآفة فيه كالآفة في الجميع، كذلك أجزاء الوقت كالصيعان يجب منها واحد فقط، فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الأخير منها بالإِتلاف ثم طرأ العذر في آخرها قام ذلك مقام وجود العذر في جميعها. ولو وجِد العذر في جميعها سقطت الصلاة، فكذلك إذا وجد ما يقوم مقامه وهُوَ التخيير مع العذر في الآخر، وبالتخيير حصل الفرق بين سبب الوجوب الذي هو القدر المشترك بين أجزاء القامة وبين رؤية الهلال، فإنه سبب الوجوب، فإذا وُجِد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب، فالفرق من حيث التخيير وعدمه.
ومثل هذا لو وجب عليه عتق رقبة في كفارة الظهار، وكان له عدة من العبيد، فله أن يتصرف فيما عدا الرقبة الواحدة بما شاء من البيع والعتق، فلو فعل ذلك ثم إنه طرأ على الرقبة الباقية للكفارة آفة لا ينتقل إلى الصيام. ولا يقال: هي متعلقة بذمته، وَمَا سبب ذلك إلا التخيير، وأما سبب الوجوب (٦) فقد وجد في حقه سالما عن المعارض، ولكنه كان ذلك على التخيير.
_________________
(١) عبارة القرافي هنا ﵀: "ونوضحه بذكر نظائر من الشريعة".
(٢) في نسخة ع: الوجود، ولعل ما في نسخة ح من الوجوب أظهر وأبين، وهو الصواب، ويتماشى ويتناسق مع قوله في أول هذه الفقرة: ومثل هذا لو وجب عليه عتق رقبة، ويستفاد من كلام القرافي ﵀ في هذا الموضع.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ومثل هذا لو كان له عِدَّة ثِياب للسترة (أيْ في الصلاة) فتَصَرَّف أيضًا فيها عدَا الواحد، ثم ضاع ذلك الواحدُ لسقط عنه الوجوب.
ومثل هذا لَوْ كان عنده من الماء كفايتُهُ للوضوء مِرارا فتصرّف في الزائد، ثم طرأ على الكفاية ذلك لَما وجب عليه.
وكذلك مَنْ كان عليه قدرٌ معلوم للزكاة الواجبة عليه لأجْل الفِطر وزيادةٌ عليها، فتصرف في الزائد ثم ضاع، لسَقط عنه الوجوب.
فهذه الصور وغرها لو استُقرئتْ تَحَقَّقَ أن الحق ما اعتبَرهُ مالك ﵀ من الفرق بين وجود السبب سالما عن المعارض يترتب عليه الوجوب إذا لم يكن تخيير. ولا يترتب عليه إذا كان ثَمة تخيير.
ولا يقال: هو رجُوعٌ إلى مذهب الحنفية في مسألة الأوقات، بل الوجوبُ موسَّعٌ من أوّله إلى آخره، ولكنه للتخيير الذي فيه تصوَّر ما تَصَوَّر، واللهُ أعلم. (٧)