خطاب التكليف يطلقه الأصوليون على الخطاب المتعلق به حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحظر، والندْب، والكراهة، والإباحة، وكانَ أصله ألَّا يقال إلا على ما فيه كلفة، وذلك الحرام والواجب، ولكنه اُطْلِقَ على ما ذكرناه اصطلاحًا.
وخطاب الوضع هو الخطاب بِنَصْب الأسباب ونصْب الشروط ونصْب المَوانع ونصْبِ التقادير الشرعية.
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ساق ٢٨ قاعدة
(٢) هي موضوع الفرق السادس والعشرين بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع، جـ ١، ص ١٦١. قال عنه القرافي ﵀، مبرزا أهميته بين بقية الفروق الأخرى في كتابه: "وهذا الفرق أيضا عظيم القدْر، جليل الخطَر، وبتحقيقه تنفرج امور عظيمة من الإشكالات، وترد إشكالات عظيمة أيضا في بعض الفروع. وسأبين لك ذلك في هذا الفرق إن شاء الله تعالى. قال: وتحرير القاعدتين أن خطاب التكليف في اصطلاح العلماء هو الاحكام الخمسة .. وأما خطاب الوضع فهو خطاب بنصْب الاسباب كالزوال ورؤية الهلال، ونصب الشروط كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة، ونصب الموانع كالحيض مانع من الصلاة، والقتل مانع من الإرث، ونصْب التقادير الشرعية، وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو المعدوم حكم الموجود، كما نقدر رفع الاباحة بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرَّد، ونقول: ارْتفع العقد من أصله لا من حينه على أحد القولين للعلماء إلح. وقد علَّق الفقيه العلامة المحقق قاسم ابن الشاط الأنصارى ﵀ على كلام الامام شهاب الدكن القرافي ﵀ في هذا الفرق فقال: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غير قوله "ونقدر وجود الملك لمن قال لغيره: أعتِقْ عبدك عَنِّي لِتثْبتَ له الكفارة والولاء مع أنه لا مِلْكَ له، ونُقدر المِلْكَ قي دية المقتول خطأ قبل موته حتى يصح فيها الإرث "، فإنه ليس بصحيح، وقد سبق التنبيه على ذلك قبل هذا.
[ ١ / ١٢٠ ]
ثم انه يُشتَرط في خطاب التكليف علْمُ المكلَّف وقدْرتُه على ذلك الفعلِ، وكونُهُ من كسبه، بِخلاف خطاب الوضع لا يشترط فيه ذلك، غيرَ أنه استثنى الشارع في خطاب الوضع قاعدتين يشترط فيهما العلم والقدرة (٢):
القاعدة الأولى: أسباب العقوبات وهي الجنايات (٣).
فالقصاص يشترط فيه العلم والقدرة والقصد. فلا قصاص في قتل الخطأ، ولاحد على المكرَه على الزنى، ولا على من وطئ أجنبية يظن أنها زوجته، (٤) ولا على شارب خمر يعتقدهُ خَلًّا، فمِثلُ هذه الأسباب يُشترَط فيها العلمُ والقدرة والإرادة، واستثناء هذه القاعدة رحمة من الشارع، ولطفٌ منه (٥)، لأن الغالب على نظر الله قلبُ العبد. (٦)
القاعدة الثانية المستثناة: قاعدة أسباب انتقال الأملاك، كالبيع والهبة والصدقة وغير ذلك مما ينتقل به المِلْكُ، هذا كقوله - ﷺ - "لا يحل مال امرئ
_________________
(١) قال ابن الشاط هنا: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.
(٢) عبارة القرافي هنا كثر ظهورًا ووضوحًا حيث قال: القاعدة الأولى: الأسباب التي هي أسباب للعقوبات، وهي جنايات، كالقتل الموجب للقصاص، يشترط فيه القدرة والعلم والقصد الخ.
(٣) في نسخة ح: زوجة بالتنوين والتنكير، والمعنى لا يختلف عنه في التعريف.
(٤) في كل من نسختي ع، وح: ولطفا به، والذى هو موجود في نسخة أخرى، لطف عل اعتبار أن كلمة لطف معطوفة عل كلمة رحمة، وهي خبر للمبتدأ الذى هو كلمة استثناء، واللطف يكون من الشارع، وهو الله حقيقة، والنبي - ﷺ - مجازا، اذ هو مبلغ عن الله رسالته إلى العباد، ويكون اللطف بالعباد فيما شرعه الله لهم من أحكام ميسرة، وما أودعه فها من مقاصد حكم وأسرار مثلما يكون بالرحمة بهم في كل الاحوال. عل حد قوله تعال: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾.
(٥) هذا التعبير بالغالب يظهر غير مناسب، في جانب الله تعالى، إذ نظر الله إلى قلوب العباد دائم ومستمر، والانسان يعامل ويؤاخَذ عند الله تعالى بما في قلبه، وبما نتج عن اعتقاده من عمل صالح وغيره. وفي الحديث الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. والله أعلم، والموفق لكل صواب في القول والعمل.
[ ١ / ١٢١ ]
مسلم إلا عَن طيب نفسه" (٧) ولا يحصل الرضى إلا مع الشعور والإرادة والمُكْنَةِ من التصرف. (٨)
إذا تقرر هذا، فأزيد ذلك (٩) بيانا بذكر ثلاث مسائل: (١٠)
المسألة الأولى:
إعْلَم أن خطاب الوضع قد يجتمع مع خطاب التكليف، وقد ينفرد كل واحد منهما بنفسه.
أمّا اجتماعهما فكالزنى فإنه حرامٌ، فهو خطابُ تكليفٍ، وهو سَبب الحَدِّ، وهو من هذا الوجه خطابُ وضْعٍ؛ وهذا كثير في الشريعة الاسلامية. وانفرادُ خطاب الوضع كالزوال وطلوع الهلال، ودَوران الحولِ ونحوها. وخطاب التكليف بدون خطاب الوضع كأداء الواجباتِ واجتناب المحرّمات.
_________________
(١) أوْرَده السيد سابق في كتابه فقه السنة، نقلا عن الإمام الدارقطني ﵀، ورواية عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يَحِل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه.
(٢) علق الشيخ ابن الشاط على ما جاء عنذ القرافي في استثناء هاتين القاعدتَيْن فقال في الأولى: ليس ذلك باستثناء من خطاب الوضع، ولكنه ازدواج في هذه الامور خطاب التكليف والوضع، فلحقها اشتراط العقل وما معه من جهة خطاب التكليف لا من جهة خطاب الوضع، فإنه يرتفع التكليف مع عدم تلك الاوصاف، فيرتفع خطاب الوضع المرتب عليه، والله أعلم. وقال في تعليقه على القاعدة الثانية: هى أيضا ليست بمستثناة من خطاب الوضع، ولكن ازدوج فيها الخطابان، أما خطاب الوضع فظاهر، وأما خطاب التكليف فمن جهة إباحة تلك التصرفات، لكنها لم تُبْحْ إلا مع العلم والاختيار والرشد، فإذا وقعت عارية عن تلك الأوصاف، غير مصاحبة لها، لم تترتب عليها مسبباتها من وجوه انتقال الأملاك، والذى يوضح ذلك أن اشتراط العلم وما معه في خطاب التكليف مناسب ومطرد، واشتراطه في خطاب الوضع غير مناسب ولا مطرد الخ.
(٣) في نسخة ح: فأزيده لك.
(٤) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي فيها صحيح، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٢ ]
ولا نقول (١١) في مثل هذه: إنها أسباب أيضا من حيث إنها سبب لبراءة الذمة، لأن برآة الذمة ليس من فعل المكلف، ونحن ما نسمى السبب إلا ما كان كذلك.
المسألة الثانية
الصَبيُّ إذا أفْسَدَ مالًا على غيره وَجَب على وليه جَبْرُ ذلك من مال الصبي، فالإتلاف سببُ الضمان، وهو من خطاب الوضع، فإذا بلغ الصبيُّ، ولم تكن القيمة أخذَتْ من مالِهِ وجبَ عليه إخراجُها من ماله بعد بلوغه، فقد تقدم السبب وتأخر أثره إلى بعد البلوغ، ومقتضى هذا أن ينعقد بيعُهُ ونكاحهُ وطلاقه، فإنها أسبابٌ من باب خطاب الوضع الذى لا يُشترط فيه التكليفُ فَينعقدُ من الصبي العالِم، الراضى بانتِقَال ملكه، لأجْل ما تقدم في القاعدتين، والرضَى من الاُسباب، ويتأخر الحكم إلى بعد البلوغ، فيُقضَى (١٢) حينئذ بالتحريم أو غيره كما تأخر ايجاب الضمان إلى بعد البلوغ، قياسا على الضمان. (١٣)
قال شهاب الدين ﵀:
ولَمْ أرَ أحدًا قالَ بِه، ثم قال:
والجوابُ، الفرقُ بين الضمانِ وهذهِ الامور من وجهين:
الوجْهُ الأول: أن هذه الأمور يشترطُ فيها الرضَى وإن كانت من باب خطاب الوضع كما قررناه في القاعدتين. والرضى من الصبي معدومٌ شرعًا، والمعدومُ
_________________
(١) في نسخة ح: ولا يقال.
(٢) في نسخة ع: فيقضى بالياء، مبنيا للفاعل، والصواب والأظهر فيقْضى بضم الياء وفتح الضاد مبنيا للمجهول) أى فيقضي الفقيه والمفتي أو القاضي ممن له أهلية الفتوى والقضاء.
(٣) علق الفقيه ابن الشاط على هذه المسألة فقال: ما قاله القرافي فيها صحيح، غير قوله: قد تقدّم استثناء قاعدة الاملاك بن قاعدة خطاب الوضع"، فإنه قد سبق التنبيه على ما فيه وإنما لم تصحَّ تلك الأمور من الصبي لأنه يشترط فها اعتبار المصالح، والصبي ليس بأهل لذلك، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٣ ]
شرعا كالمعدوم حِسًّا، إذ الشارع لمّا علِم عدَمَ معرفته بمصلحته لم يَعتبرْ رضاه رضىً، وغير الراضى لا يلزمه شئ مِمَّا ذكر، وقاعدة الإِتلاف لا أثر فيها للرضى الْبَتَّةَ.
الوجه الثاني: أن أثر الطلاق التحريم، وأثر البيع الإلزامُ، والصبيّ ليس أهلًا للتكليف بالتحريم والإلزامِ.
فإن قيل: تتأخرُ هذه الاحكام كما تأخر الإلزامُ دَفعْ القيمة (١٤)، قيل: الفرق أن تأخُّرَ المسبَّبَاتِ في أسبابها خلاف الأصل. وخولف هذا الأصل في الإتلاف، لضرورة حق الْآدَمى، مخافة أن يذهب مالُه مَجَّانا، ولا ضرورةَ تدعو لتقديم الطلاق وتأخير التحريم. (١٥).
المسألة الثالثة:
الطهارة، وسَتْر العورة، واستقبال القِبلة في الصلاة، الفتاوى متطابقة على أنها واجبة، مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت، واستتر، واستقبل الكعبة، ثم جاء الوقتُ وهو على تلك الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا البتَّة (١٦) في هذه الثلاثة، أجزأته صلاته إجماعا، وفعْلُه قبل الوقت لا يوصَف بالوجوب (١٧)، فإن
_________________
(١) كذا في نسخة ع، وح، وفي نسخة أخرى: كما تأخر زمان دفع القيمة. وعبارة الفروق: فإن قيل: فلِمَ لَا تتأخر هذه الأحكام بعذ البلوغ كما تأخر إلزام دفع القيمة؟ قلت: الفرق الخ وهي عبارة اكثر ظهورا ووضوحا في سلامة اللفظ والدلالة عل المعنى.
(٢) زاد القرافي ﵀ هنا في آخر هذه الفقرة قوله: بل إذا اسقطنا الطلاق واستصحبنا العصمة لم يلزم فساد ولا تفوت ضرورة، وكذلك إذا أبقينا الملك في البيع للصبي كنا موافقين للاصل، ولا يلزم محذور، البتة، أما لو أسقطا إتلافه ولم نعتبره لضاع مال المجني عليه وتلف، وتعَيَّن ضرره، وهذا فرق كبير، فتأملْه.
(٣) في نسخة ح: فِعْلَ النية. والذى في كتاب الفروق للامام القرافي ﵀، وكذلك في حاشتيه لعمدة المحققين ابن الشاط ﵀ هو ما في نسخة الخزانة العامة، وهو: "من غير أن يُجَدِد فِعْلا البتَّةَ. وهو أظهر، في المعنى فليراجِع وليُحَقَّقْ.
(٤) علق الفقيه ابن الشاط على هذه الجملة عند القرافي بقوله: قول القرافي: "وفعْلُهُ قبلَ الوقت لا يوصف بالوجوب" ممْنوع، بل يوصف بالوجوب عند من يقول غنه من الواجب الموسَّع.
[ ١ / ١٢٤ ]
الوجوب لهذه متأخر عن وجوب الصلاة، والصلاة متأخرة عن زوال الشمس مثلا، فَقَبْلَ سبَبِ الوجوب لا وجوبَ
فإن قلنا: لا وجوبَ، قَامَ مَعَنا اشكال آخرُ وهو: فكَيْفَ أجزأ ما ليس بواجِب عما هو اجب، والقاعدة المقررة خلاف هذا، ولَمَّا توجه الإشكال اضْطَرَبَتْ أجْوِبة الفقهاء.
فقال القاضى: أبو بكر ابن العربي: "الوضوءُ واجبٌ وجوبًا مُوَسَّعا قبل الوقت وفي الوقت" (١٨). وهذا لا يصح، لأن ما ترتب حكمُه على سببٍ لا يتقدم سَبَبَه، وهو مرتب على ما رتب على الزوال أو غيره من الاسباب للصلوات، فالوضوء وسيلة للصلاة التى هي مقصُودة، ووجوبُ الوسائل تَبَع لِوجوبِ المَقَاصِد.
وقال غيْرُهُ: تَقَعُ غيرَ واجبةٍ وأجزَأتْ عن الواجب إجماعا، فهى مستثناة بالإجماع، وهذا لا يصح، لأن المجمع عليه الإجزاء، وأما أنها مستثناة بالإجماع فلا.
وقال آخَرُ: دوام ذلك فِعْل له، فَيَجبُ عليه الدوام على ذلك الحال عند دخول الوقتِ وقد فَعَلَهُ، وهذا - ايضًا - غيرُ مرضي، فإنَّا لا نقول: دوام تلك الحالة فِعْل لها، لأنه قد يدوم وهو غير شاعِر بها، وشرطُ الفعلِ المعتبَرِ في السّنِّة شعورُ فاعِله بِهِ.
وقال شهاب الدين: الجوابُ الصحيحْ عندي، أن نَقُولَ: هذه الاشياء قد
_________________
(١) = وقوله: فقبْل سبَب الوجوب لا وجوب، ذلك مسلَم، لكن ليس سبب وجوب الطهارة المعيَّنة هو بعينه سبب وجوب الصلاة المعينة بل العزْم على استباحتها بتلك الطهارة، ولا استحالة في مغايَرة سبب المشروط سببَ الشرط، فإن هذه الأمورَ وضْعِيَّة تقع بِحسب قصد واضعها، والله أعلمُ.
(٢) قال القرافي: وهذا احسن الأجوبة التي رأيتُها، وهو لا يصح الخ ما ذكره القراني والبقوري، وعلق ابن الشاط هنا على كلام ابن العربي فقال: ما قاله الامام ابو بكر صحيح، والله أعلم، وعلى ما قاله القرافي من أن الوجوب قبل سببه لا يُعقل في الشريعة لا مضيقا ولا موسَّعا، بأنه أمر مسلم.
[ ١ / ١٢٥ ]
تكون من خطاب الوضع وقد تكون من خطاب التكليف (١٩)، فإن كان لم يفعل شيئا من ذلك حتى دخل الوقتُ فَفِعْلُهُ لَها امتثالٌ لخطاب التكليف،، وإن كان قد فَعلها قبل دخول الوقت فهي من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. غايةُ ما فيه أن يقال: يجبُ الوضوءُ في حالةٍ دون حالة، وهذا لا مُنْكر فيه، فإن شأن الشريعة تخصِيص الوجوبِ ببعض الحالاتِ وَبَعْضِ الأزمنة وبَعْضِ الأشخاص (٢٠).