الفرق بين تقدم الحكم على سببه دون شرطه، أو شرْطه دون سببه، وبين تقدمه على الشرط والسبب جَميعًا.
وتحريرُهُ أن الحكم لا يجوز تقدمه على سببه مطْلَقا، فإذا كان للحكم سبب واحد فلا يجوز تقديمه عليه، وإن كان له أسباب يتقدم عليها فكذلك، فإن كان له سببَانِ فتوسط، اعتبِرَ ذلك الحكم، بناءً على السبب الذي تقدم عليه، وصارتْ الأسباب الأخرى كالعدم، فإن شأن السبب أن يتقدم في تأثيره.
قلت: هذا التقرير يخالف ما قرره في القاعدة الرابعة، وقد قدّمنا الاعتراض عليه هناك. والحقُّ أنَّ السبب يتقدم على مسبَّبه لا أن يتأخر، وقد يفارق كما مضى في الأسباب الفعلية.
قلت: وهذا أيضا مبني على أن الأسباب الشرعية لها التأثير، وليس كذلك، بل هي معَرِّفات.
قال: ومثال الأول، (٣٥) الزوالُ سببُ وُجُوبِ الظهر، فإذا صليتَ قبله لم يُعْتبر ظُهْرا. ومثال الثاني الجَلْدُ، لَهُ ثلاثة أسْبَاب: الزنى، والقذف، والشرب، فمن
_________________
(١) هي موضوع الفرق الثالث والثلاثين بين القاعدتين المذكورتين هنا: جـ ١ ص ١٩٦. وعبارة شهاب الدين القرافي ﵀ في أول هذا الفرق هي: أن الحكم إذا كان له سبب بغير شرط فتقدم عليه لا يعتبر، أو كان له سببان أو أسباب فتقدم على جميعها لم يُعْتبر، أو على بعضها دون بعض، اعتبرناه، بناء على سبب خاص، ولا يضر فقدان بقية الأسباب، فإن شأن السبب أن يستقل ثبوت مسببه دون غيره من الأسباب، ثم أخد يذكر الأمثلة لكل قسم. وقد علق عليه ابن الشاط بقوله عن هذا الفرق: ما قاله هنا صحيح ظاهر. اهـ.
(٢) أي ممّا له سبب واحد، ومثال الثاني، أي الحكم الذي له سببان فأكثرُ.
[ ١ / ٣٢٤ ]
جُلِد قبْلَ ملابَسَةِ شيْء مِنْها لم يُعْتَبَر ذلك حَدًّا، ولا خِلاف في هذيْن القسْمَيِن.
القسم الثالث أن يكونَ لهُ سببٌ وشَرْطٌ، فإنْ تَأخَّر عنهما اعتُبِر إجماعًا، وإن تقدم عليهما لم يُعْتَبر إجماعا، وإن توَسَّطَ بينهُما فيقع الخِلاف في كثير من صوره بحسب اعتباره وَعَدَم اعتباره، ككفَّارة اليمين إن وقعت متوسطة بيْن الحنث واليمين، فقيل: تجْزيء، وقيل: لا. ولو قُدِّمَتْ عليهما لم تُعْتَبَرْ، ولو أُخِّرت عنهُما لَاعتُبِرت، بلا خلاف في القسمين، (٣٦) وكالزكاة تجب بملك النِّصاب وشرْط دوَرَانِ الحَوْل، لو توسطت، قولان، ولا خلاف في الطرفيْنِ، (٣٧) وقد جاء بَعْض المسائل فيها التوسط، واعتُبِر ذلك.
قال شهاب الدين ﵀: لا أعلم فيها خلافًا، وهذا في الشفعة إذا وقعتْ فأسقطها الشفيع بعد البيع وقَبْلَ الأخذِ، سقطتْ، والأخذ شرْطٌ، والبيع سبب (٣٨)، وذكر هنا المرأة تسقط حقها من القَسْم في الوطء، قال مالك: لها
_________________
(١) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي فيها صحيح.
(٢) ولا خلاف في الطرفيْن: أىْ إذا أخرجتْ الزكاة قبل ملك النصاب لا تجزئ إجماعا، وإذا أخرجت بعد ملك النصاب ودوران الحول أجزأت إجْماعا، وبعد ملك النصاب وقبل دَوَرَاهِ الحول، فيها خلاف. قال القرافي هنا: وكذلك إذا أخرج زكاة الحَب قبل نضج الحب وظهوره لا تجزئه، وإن أخرجها بعد ييسِهِ أجزأت، ولم يختلفن في هذه الصورة في الإجزاءِ، أعنى العلماء المشهورين في إجزاء المُخْرَج، بخلاف زكاة النقديْن إذا أخْرِجَتْ بعد ملك النصاَب وقبْل الحول، لأن زكاة الحب ليسَ لها سببٌ وشرط، بل سببٌ واحد، فلا تتخرج على هذه المسألة، بل على مسألة الصلاة قبل الزوال. وبهذا يظهر بطلان قياس أصحابنا عدم إجزاء الزكاة إذا خرجت قبل الحول على الصلاة قبل الزوال في قولهم: واجبٌ أخْرج قبلْ وقت وجوده، فلا يجزى، قياسا على الصلاة قبل الزوال، فهذا قياس باطل، بسبب أن ما يساوي الصلاة قبل الزوال إلا إخراج الزكاة قبل ملك النصاب، وهم يساعدون على عدم الإِجزاء قبل ملك النصاب. وقد علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في مسألة الزكاة، وزكاه بقوله: ما قاله فيهما صحيح ظاهر.
(٣) قال القرافي هنا في الشفعة: فإن أسقطها (الشفيع) قبل البيع لم يُعْتَبر إسقاطه، لعدم اعتبارها حينئذ، واعتبار الِإسقاط فرعُ اعتبار المسقط، أو أسقطها بعْد الأخْذِ سقطت إجْماعا، وإن أسقطَهَا بعد البيع وقبل الأخذ سقطتْ، ولا أعلم في ذلك خلافًا " قال ابن الشاط معلقا على كلام القرافي هنا: ما قاله في هذه المسألة ليس بصحيح، فإن الأخذ بالشفعة هو الحكم بعينه أو متعلقه، فكيف يكون شرطا في نفسه؟ هذا مما لا يصح، وإنما هذه المسألة من الضرب الذي له سبب دون شرط، ولذلك لم يقع خلاف فيما إذا أسقطها بعد البيع وقبل الأخذ، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الرجوع والمطالبة، لأن الطباع يشق عليها الصبرُ عَن مثل ذلك، بخلاف ما لو تزوجَتْهُ مجبوبًا أو عِنِّينًا فإنه لا مقال لها في ذلك لِتَوَطُّنِ النفسِ على ذلك.
قلت: وَذِكْرُ هذه المسألة هنا فيما يظهر ليس مناسِبًا للقاعدة، فإنه ليس فيها ذكرُ سبَبٍ وشرطٍ وَقَع ذلك في الطرفيْن، والله أعلمُ، إلا أن يقال:
وقعَ الإسقاط للوطْءِ بعْدَ ثبوتِ سببه وهو النكاح، وقَبْلَ شَرْطِهِ وهو التمكين، ومثل هذا إذا أسْقَطَتْ المرأة نفقتها فلها المطالبَةُ عند أصحابنا، مع أنه إسقاط بعْدَ السبب الذي هو النكاح، وقَبْلَ الشَّرْطِ الذي هو التمكين (٣٩) وقد يقال: ويمكن أن يقال هنا: ما كان لها المطالبة إلا لإسقاطها قبل سببه، وذلك التمكين، وهو كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك، والأَوّل أَظهر. (٤٠)
_________________
(١) قال القرافي هنا متوسعا في المسألة: أو يقال: السبب هو التمكين خاصة، وما وجد في المستقبل عند الِإسقاط في الحال، فقد أسقطت النفقة قبل سببها، فيكون كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك، والأوّلُ عندي أظهر، وإسقاط اعتبار العصمة بالكلية لا يتَّجهُ، فإن التمكين بدون العصمة موجود في الأجنبية ولا يوجب نفقة، والأحسَنَ أنْ يُقال: هو من ذلك، غير أنه يشق على الطباع ترْك النفقاتِ، فلم يَعتبِر صاحب الشرع الِإسقاط، لطفا بالنساء، لا سيما مع ضعف عقولهن. وعلى التعليلين يشكِلُ بما إذا تزوجتْه وهي تعلم بفقره، قال مالك: ليس لها طلب فراقه بعد ذلك، مع أنه بعْدَ العقد وقبل التمكين. والفرق أن المرأَة إذا تزوجَتْ بمن تعلَمُ بفقره، فقد سكنتْ نفسُها سكونًا كليا، فلا ضرر عليها في الصبر على ذلك، كما إذا تزوجته مجبولا أو عنينا فلا مطالَبة لها، لفرط سكون نفسها.
(٢) قال ابن الشاط معلقا على هذا الكلام عند القرافي في هذه المسألة: ما قاله فيها ظاهر، وما اختاره هو المختار، وما اعتذر به عن المذهب ظاهر. وما فرّق به بين المسألة وبين ما إذا تزوجته، عالمةً بفقره ظاهر أيضا، وكذلك ما قاله في مسألة إسقاط المرأة حقها في الوطء ظاهر.
[ ١ / ٣٢٦ ]