نقرر فيها الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي، وبين حمل المطلق على المقيد في الكلية فنقول:
الموجود في كتب الأصوليين كفخر الدين قدس الله روحه الخلاف في هذه القاعدة من غير تفريق، فأنكر البعض كل المطلق على المقيد، قالوا: لما يُفْضي إليه من إلغاء الدليل الدَّال على الاطلاق، وليس الأمر كذلك، بل يحمل المطلق على المقيَّد في المطلق الذي دل على القدر المشترك، وهو المسمى بالكلي، كما إذا قال الشارع: أعْتِقْ رقبَةً، وقال في موضع آخر: أعتق رقبة مومنةً، حُمل المطلق على ذلك المقيد ولمْ يكنْ إلغاءً لأحد الدليلين. وهذا من حيث ان قوله: أعتق رقبة، دلَّ على لزوم رقبة مبهمة، وذلك القدر المشترك بين سائر الرقاب، وهو المراد بالكلي، فإذا قال: رقبة مومنة، فقد أوجب رقبة من حيث القدر المشترك كما قلنا، وزاد الخصوصية، وذلك الايمانُ، فكُنَّا عاملين بالدليلين معا، وهكذا يكون
_________________
(١) هي موضوع الفرق الواحد والثلاثين بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلّي، وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية، وبينهما في الأمر والنهي والنفي. جـ ١ من الفروق ص ١٩٠. قال القرافي ﵀ في أول الكلام على هذا الفرق: إعلمْ أن العلماء أطلقوا في كتبهم حمل المطلق على المقيد، وحكوا فيه الخلاف مطلقًا، وجعلوا أن حمل المطلق على المقيد يفضى إلى العمل بالدليلين: دليل الإطلاق ودليل التقييد، وأن عدم العمل يفضى إلى الغاء الدليل الدال على التقييد، وليس الأمر كما قالوا على الإطلاق، بل هما قاعدتان متباينتان في هذه الأبواب المتقدم ذكرها. وبيان ذلك أن صاحب الشرع إذا قال: أعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر: "رقبة مؤمنة"، فمدلول قوله رقبة، كلي وحقيقة مشترك فيها بين جميع الرقاب، وتَصْدق بأي فرد وقع منها، فمن أعتق رقبة فلان، فقد أعتق رقبة وإذا كانت مؤمنة، فقد وفي بمقتضى الإطلاق والتقييد وجمع بين الدليلين، وهذا كلام حق الخ. وقد عقب ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: قوله: مدلول رتبة كلي، وحقيقة مشترك فيها بين جميع الرقاب، ليس بصحيح، بل مدلول لفظ رقبة مطلق لا كلي، والمطلق إنما هو الواحد المبهم مما فيه الحقيقة، والكلي هو الحقيقة الواقع فيها الاشتراك عند من يقول: بإثبات الحقائق المشترك منها. وقوله: "وتَصْدُق (أي الرقبة) بأي فرد منها" صحيح، لكن لا من الوجه الذي أشار إليه، ولكن من جهة أن مقتضى الإطلاق، الأمر بواحد غير معين، فإذا اوقعه أجزأ، والوجود اقتضى التعبير لا الوجوب.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأمر في الثبوت لو قال أحدٌ: جاء رجل، وقال آخر جاء رجل مومن، والجائى واحدٌ، لحملنا ذلك المطلق على ذلك المقيد، وكان تصديقا للخبرين وعملًا بهما معا، فلو كان النهيُ أو النفْي لما صحّ حمل المطلق على المقيّد، وهذا من حيث أن النكرة في سياق النفي تعُمُّ. فلو قيل: لا تُعْتق رقبة، لدَلَّ على العموم كما يدل عليه النفىُ في قولك: ما أعْتقَ رقبة، فإذا جاء اللفظ المقيَّد مع هذه، كان مخصّصا، إذ قولك: لا تُعْتق رقبة، نَهْيٌ عن عتق رقبة من الرقاب بأى وصف اتصفت. وقولك بعد هذا: لا تعتق رقبة مومنة، تخصيص للنهى بالموصوفة بذلك الوصف، والتخصيصُ خلاف التعْميم، ولا يجْمَعُ معه كما يُجمع عتْقُ الرَّقَبَة المطلَقَة مع عِتق الرقبةِ المقيَّدة بالايمان، فإن المومنة هى رقبة وزيادة، وهذا لا يتجه فيما قلناه. ومثل هذا قوله - ﷺ -: "في كل أربعين شاةً، شاةٌ"، فَقَوْلُه - ﷺ - بعد هذا: "في الغنم السائمة، الزكاة" (٧٢)، من حمل فيه المطلق على المقيد فقد أخطأ، بسبب أن المقيد خصص المطلق، وأخْرج منه المعلوفة، والعموم في قولهِ: في كل أربعين، يَقْتضي وجوبَ الزكاة فيها، فليس جامعا بين الدليلين كما هو في الصورة التي قبلها. وهنا يصدق قول المعترض: فيه إلغاء أحد الدليلين، وإنما يرجع مثل هذا إلى قاعدة أخرى، وهى تخصيص العموم بذكر بعضه، والصحيح عند العلماء أنه باطل، ولا يتخصص بذلك، لأن البعض لا ينافي الكل، فظهر من هذا أن حمل المطلق على المقيد يصح في الكلي المطلق، ولا يصح في الكلية. (٧٣).
إذا اتضح هذا فهنا أربع مسائل:
المسألة الأولى (٧٤): ذكر شهاب الدين رحمه الله تعالى: أنه سمع قاضي القضاة صدر الدين الحنفي -﵀- يقول يوما: إن الشافعية تركوا أصلهم
_________________
(١) في نسخة ح: في النعم، وهي شاملة للابل، والبقر والغنم من الضأن والمعز، فتكون رواية النعم أعم من رواية الغنم.
(٢) علق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الموضوع من أوله فقال: ما قاله في هذا الموضع مسلَّم.
(٣) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه المسألة والتي بعدها صحيح.
[ ١ / ٢٥١ ]
في حمل المطلق على القيد لا لموجب، وذلك فيما ورد عن رسول الله - ﷺ -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب"، وورد أولاهن بالتراب، فكان حقهم أن يقيدوا إحداهن بأولاهن، قال شهاب الدين -﵀-: فأجبته بأنهم ما خرجوا عنه إلا لموجب، وذلك أنه جاء أولاهن بالتراب، وجاء: "أخراهن بالتراب"، فلما تعارض التقييدان لم يكن تقييدهم بأحد القيدين أولى من الآخر، فأبقوا المطلق على إطلاقه.
المسألة الثانية.
جاء عن النبى - ﷺ - النهي عن بيع ما لم يضمن (٧٥)، وأَخذَ الشافعى بعموم هذا الحديث. وجاء نهيه - ﵊ - عن بيع الطعام قبل قبضه، فخصَّص أصحابنا ذلك الحديث بهذا، وجوزوا بيع الطعام قبل قبضه. ثم منهم من يقول: هو من باب حمل المطلق على المقيد، وهو لا يصح، لأن الكلية لا تقيد، إذ هو عام. ومنهم من يقول: الأول عام والثاني خاص، وهذا أيضا لا يصح، لأن من شرط المخصص للعام أن يكون منافيا له. وأما بعض الشيء فيجوز ذكره ولا يكون مخصصا، لأنه ليس منافيا لما هو له بعض، وكذلك هو ها هنا.
_________________
(١) كذا في نسخة ع، ونسخة ح، ونسخة ثالثة: ما لم يضمن. والذي عند القرافي ﵀ هو قوله: ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله - أنه نهى عن بيع ما لم يقبض. ونصه في الموطأ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: من ابتاع طعاما فلا يقبضه حتى يستوفيه (أو حتى يقبضه)، وأخرجه كذلك الامام البخاري ﵀. على أن ما فيِ نسخ ترتيب الفروق هنا من عبارة ما لم يضمن لها أصل فيما روي أصحاب السنن أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ربح ما لم يضمن، أو عن بيع ربح ما لم يضمن، وهذا فى المدلول والمعنى يؤول إلى رواية النهي عن بيع ما لم يقبض فهو بمعناها إلا أنها أعم من رواية النهي عن بيع الطعام، ولذلك جاء في شرح العلامة الزرقاني على الموطأ أن الامام مالكا ﵀ ألحق بالابتياع سائر عقود المعاوضة (أي النهي عن البيع فيها قبل الاستيفاء) كأخذه مهرًا أو صلحًا، وكدفعه عوضا من مهر أو خلع أو هبة ثواب أو صلح أوْ إجارة فيمنع ذلك قبل قبضه، فإذا ملك الشيء بلا معارضة كهبة وصدقة وسلف جاز بيعه قبل قبضه. الخ
[ ١ / ٢٥٢ ]
المسألة الثالثة.
قال مالك -﵀-: من ارتد حبط عمله. وقال الشافعي: بشرط الوفاة على الكفر. وهذا لأن قوله تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٧٦) وإن كان مطلقا فقد تقَيَّدَ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. (٧٧)
والجواب أن الآية الثانية لا يصح أن تكون مقيدة للأخرى، لأنها ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، وهما: الارتداد والموتُ على الكفر. وإذا كان كذلك أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، ويبقى المطلق على إطلاقه. (٧٨)
المسألة الرابعة.
جاء قوله - ﵊ -: "وجُعِلَتْ لي الأرض (٧٩) مسجدا وطهورا"، وورد: "وترابُها طهورُ". فقال الشافعية: هو من باب حمل المطلق على
_________________
(١) سورة الزمر: الآية: ٦٥ وأولها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الآية ٦٦.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢١٧: وتمامها: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقال ابن الشاط في هذه المسألة الثالثة: ما قاله الشافعية هو الأصح، والله أعلم.
(٣) قال ابن الشاط: ليس هذا الجواب عندى بصحيح. وقوله: "واذا رتِّب شرطان على مشروطين (أمكن التوزيع" صحيح، لكن بشرط أن يصح استقلال كل واحد من المشروطين عن الآخر، أما إذا لم يصح الاستقلال فلا، والمشروطان مما فيه الكلام من الضرب الثاني الذى لا يصح فيه استقلال أحد المشروطين عن الآخر، لأنها سبب ومسبب، والسبب لا يستغني عن مسببه وبالعكس. فالأمر في جوابه ليس كما زعم، والله أعلم.
(٤) هو جزء من حديث صحيح عن جابر ﵁، وتمامه عن النبى - ﷺ - قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (أي مطهرة بالتيمم عند انعدام الماء أو العجز عن استعماله) فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِن أُمَّتى فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الغنائم وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الناس عامة» رواه الشيخان البخاري ومسلم، وكذا الترمذي والنسائي ﵏ ورضي عنهم اجمعين.
[ ١ / ٢٥٣ ]
المقيد. فيحمل الأول على الثاني، فلا يجوز التيمم بغير التراب، وهذا لا يصح، فإن الأول عام كلية، ولا يصح فيها حمل المطلق على المقيد، لما تقدم. وقالوا أيضا: هو من باب تخصيص العموم بذكر بعضه، وهو - أيضا - لا يجوز، لما تقرر. فأصاب الشافعي في هذه المسألة ما أصاب المالكية في بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف (٨٠).
قلت: ولنذكر ها هنا أمثلة ذكرها شهاب الدين ﵀ في غير هذا الوضع، نختم بها الكلام على العموم فنقول:
قال -﵀-: جرت عادة الفقهاء في الكفارات، هل هي على التخيير أو الترتيب، أن يقولوا: إذا ورد النص بصيغة أو فهي على التخيير، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أو إطعام كذا، وإن كان بصيغةِ مَن الشرطية فهي على الترتيب، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، قال: وهو غير صحيح.
بيانه أن مقتضى ما ذكروه أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٨١) ألَّا يجوز إشهاد رجل وامرأتين إلا عند عدم رجلين، والإحماع على خلاف ذلك، فنستفيد من هذه الآية سؤالين عظيمين: أحدهما أن الصفة لا تقتضى الترتيب. وثانيهما أنه لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وهو خلاف الإجماع، وهو ها هنا كذلك.
فأجاب بأن قال: المرادُ في الآية انحصار الحجة التامة من الشهادة بعد الرجلين في (٨٢) الرجل والمرأتين، فإنه لا حجة تامة من الشهادة في الشريعة إلا الرجلان، والرجُلُ والمرأتان، هذا هو المجمع عليه.
وأما شهادة الصبيان وشهادة أربع نسوة عند الشافعي، وشهادة امرأتين وحدهما فيما ينفردان فيه كالولادة، فهذه الآية حجة على بطلان ذلك كله،
_________________
(١) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في هذه المسألة الرابعة صحيح.
(٢) سورة البقرة: ٢٨٢.
(٣) في النسختين معا: «من الرجل والمرأتين»، ولعل الصواب «في الرجل والمرأتين»، حيث إن الفعل «انحصر»، وكذا مصدره «انحصار» يتعدى بحرف الجر «في»، فيقال: انحصر الأمر في كذا.
[ ١ / ٢٥٤ ]
لدلالتها على الحصر، إلا أن يقال: إن الآية إنما سيقت في إثبات الديون والأموال
فقط، فلا تدل حينئذ على بطلان الصور التي ذكرنا.
وأما الشاهد واليمين، واليمين والنكول، وغير ذلك، فلم تكمل فيه الحجة من الشهادة، بل لا شهادة فيه البتة، كالنكول واليمين، أو بعضه شهادة فقط كالشاهد واليمين، فلا توجد حجة تامة مجمع عليها إلا ما في الآية، فإذا فرض عدم إحداهما تعيَّن الحصر في الأخرى.
وإذا وضح لك أن الشرط كما يستعمل للترتيب فكذلك يستعمل لإثبات الحصر، والكل حقيقة لغوية. فيكون التعليق أعم من الدلالة على الترتيب، والدال على الأعم غير دال على الأخص، كالحيوان لا يدل على الإنسان، فلا يستقيم الاستدلال بصيغة التعليق، التي هى أعم من الترتيب. على الترتيب، بل لابد من قرائن أخرى، والله الموفق للصواب.
[ ١ / ٢٥٥ ]