في تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبْيين حالِهما في التنافي أو غَيْرهِ، فنقول:
لا شكَّ أنهُ يوجَد النيى عاماَّ، كقوله: "لا تقتُلوا النفسَ" وخاصا، "لا تقتلُوا الصيد"، ثم إنهما بحسَب التنافي أوْ غيره ينقسمان ثلاثة أقسام:
١) القسم الاول: أن يتضادَّا وَيتنافيا، كقوله: لا تقتُلُوا طلبةَ بنقوله تميم، ولا تُبْقُوا من رجالهم أحدًا، فحكْم هذا القِسْم أن يقدَّم الخاصُّ على العام، ففيه جمعٌ بين الدليليْن.
٢) القسم الثاني: أن لا يتضادّا، ولا يكون لأحدِهما مناسبة يختص بها دون الآخَر، كقولك: لا تَقْتُلُوا النفْسَ، لا تقتلوا الرِّجال، الصحيح أنه لا يُخَصِّصُه، إذْ هُما من قاعِدَةِ ذِكْرِ بعض العَام، وجُزءُ الشىْء لا يكون مخصّصا،
_________________
(١) أىْ جعلتْه مطرِدا، ومنطبقا على جميع الحالات والجزئيات والصور المماثلة، بين أن يكون النهي في نفس الماهية فيقتضى الفساد، أو في أمر خارج عنها فلا، كما سبق بيانه في أول القاعدة الثانية عشرة من هذه القواعد الأصولية.
(٢) هي موضوع الفرق الثامن والثلاثين بين قاعدة النهي الخاص وقاعدة النهي العام. جـ ١، ص ٢٠٩. وقد علق ابن الشاط على هذا الفرق وما يليه من الفروق إلى آخر الفرق السادس والاربعين، فقال: ما قالهُ القرافي في هذه الفروق كلها صحيح، والله أعلم.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقيل على الشذوذ: إنَّهُ يُخَصصه من طريق المفهوم، فإن ذِكْرَ الرِّجال يقتضي مفهُومُه قتلَ غيرهم.
القسم الثالث: أن لا يتنافيا، ويكونُ لأحدهما مناسبة تخصه في متعلّقه، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الاولى: كقوله تعالى "حرمت عليكُمُ الميتة" (١٠٩) وقوله تعالى: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم" (١١٠) فيضْطَرُّ المُحرِم إلى أكل الميتة أو الصيد، قال مالِك: ياكَل الميتة ويترك الصيد، لأنه كان حُرِّمَ جميع ذلك، إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالاحرام، ومَفْسدتُهُ التى اعتمدها النهيُ إنما هى في الاحرام، وأما مفسَدة أكْل الميتة فذلك أمر عام لا تعَلُّقَ له بخصوص الإحرام، والخاصُّ مِنْ (١١١) المفاسدِ أشَدُّ اجْتنابا، وهذا في العرف كعَدُوِّكَ الخاص بك، وعَدُوِّك من حيثُ المِلة وحَذَرُك من العدُوّ الخاص ينبغي أن يكون أشد من الذى عاداكَ لا بخصوصيتك، فإن شغْل عدوك الخاص بك يكونُ أشَّدَ من شغل عدوك الآخرِ بك.
المسألة الثانية
إذا لم يجد المصلى ما يستره إلا حريرًا أو نجسا، قال أصحابُنا: يصلي في الحرير ويترك النَجِس، لأنَّ مفسدة النجاسة خاصةٌ بالصلاة.
فإن قيل: إذا كانت الفْسدة العامة، حميعُ الحالات تَعُمُّها، والخاصةُ ليست كذلك، فالعامة أولى، والقاعدةُ أن المفاسد إذا تعارضَتْ يُصار لِأدناها كما تُقطَعُ اليَدُ المتآكلة لبقاء النفْس، قلنا: هذا مُسَلم، أن الامرَ هكذا يكون إذا لم يكن للمفسدة تعلق بخصوص الحال، وأما إذا كان لها تعلق به فالأمر كما قلنا.
المسألة الثالثة
وقع في المذهب مسألة مشكلة، وهى: أن من استجار دابة إلى بَلد معَيَّن،
_________________
(١) سورة المائدة: الآية ٣
(٢) المائدة: الآية ٩٥
(٣) في نسخة ح: في. ولعل الأُولى، أنسَبُ ؤاظهرُ في الدلالة على المعنى لأن مِنْ بيانيةٌ.
[ ١ / ١٦٦ ]
كمجاوزَ بها تلك البلدة متعَدِّيا، فإن لربها تضمِينَه الدابَّةَ وإنْ رَدّها سالمة، والغاصِبُ إذا تعَدَّى بالغصب في الدابة ورَدّها سالِمةً لا يكون لربها تضْمِينُه إجماعًا، وغايةُ هذا المتعدِّى أن يكون كالغاصِب، والغاصب لا يضمَن، فكيف كان هذا؟ فرده بعضُ الفقهاء إِلى هذه القاعدة بأن قال: إن النهيَ عند الغصب نهيٌ عامٌ لا يختصُّ بحالةٍ دون أخرى ولا عيْنٍ دون عين، وفي قضية الدابة وُجدَ نهْى خاص في عين خاصةٍ (١١٢) فإنه لمَّا آجَرَهُ إلى الغاية المتعينة فقد نهاه أن يجاوزَها، والقاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام ولا يتعلق بخصوص تلك الحالة، فهذا فرق ما بين الغاصب والمتعَدِي، فلا يلزَمُ من عدم تضمين الغاصب مع الرد أن لا يضمن المتعدى مع الرَّد، لقوة النهي في حقه.
قال شهاب الدين ﵀: ويَرِدُ عليه أسئلة:
أحدها أن القاعدةَ إنما هى في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض، فلم يجتمع نهْى الغصب ونهْىُ التعدي فقُدِّمَ أحدهما على الآخر، بل انفردَ نهْى المُتَعَدِّي وحدَه في هذه الصورة.
قلت: القاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعيَّنةِ أقوى منْ النَّهي العام مطلقا، وقد وجِدَ في القاعدة المقرَّرة وجد: إذا وُجد نهيَانِ فترجح أحدهما بأن كان خاصا بحالة معيَّنة قُبِل به (١١٣)، وليس الأمرُ أن ذلك لا يكون إلا في تِلْكَ القاعدة، ولهذا قررناها بأن الْحَذَرَ من العَدُوِّ الخَاص يكون أشَدَّ من الحَذَرِ من العَدُوِّ العام.
قال شهاب الدين: وثانيها أن النهي الخاص ها هنا نهْى آدمى، والنهي
_________________
(١) هكذا في النسختين المعتمدتين في المراجعة والتصحيح، والمقابلة والتحقيق، خاص بدون تاء التانيث، ولعل الصواب: خاصةٌ بالتانيث، لأن كلمة عيْن مؤنثة في جميع مدلولاتها ومعانيها اللغوية والشرعيةكما يستفاد من تتبع مواقعها واستقرائها في السياق، وهنا يراد بها مسألة وواقعة خاصة، والله أعلم.
(٢) في نسخة ح: قيل به، والمعنى في النسختين يعْني تقديمه وقبوله والأخذ به.
[ ١ / ١٦٧ ]
العام نهْيُ الله تعالى: وَلا يُرَجَّحُ نهىُ الآدَمِى لاجْل خصوصه على نَهْى الله تعالى مع عمومه.
قال: فإن قلت: اذا نَهى الآدمىُّ فقد صحِبَهُ نهىُ الله تعالى، ففى الحقيقة إنما رجّحنا بين نهييْن لله تعالى: أحدهما عام والآخر خاص، قال: قلت: هذا كلام صحيح، ولكن النهي الذي صحِب نهْيَ العَبْدِ هو نهْيٌ عامٌّ، وهو نهْيُ الغَصْبِ بِعَيْنِهِ.
قلت: ليْسَ كذلك، بل النهى الذي صحِبَ نهىَ العبد هو نهيٌ خاص لله تعالى كنهى العبد، غاية ما فيه أنه يستند إلى أدلةٍ عامَّة دالة على ذلك.
قال شهاب الدين ﵀: وثالثها أنا إذا قِسنا ترْكَ الضمَان في هذه الصورة على ترْك الضمان في سورة الغصب كان القياس صحيحا، سالما عن المعارض، ولوْ قسْنا هنالك الحرير على النجِس والميتةَ على الصيد لَأدَّى ذلك إلى مفسَدة، مِن حيث بقاء المصَلى عُريانا، وهلاكُ المُحرِم بالجوع، فكيف سُوِّيَّ بين موضع لا مُعارض للقياس فيه، وموضعِ للقياس فيه مُعارض.
قلت: هذا كلام على قياس لم يبدُلَهُ فارق، كيف، والحالة الخاصةُ ليست كالحالة العامة؟ فعَدَمُ حمل الحريرِ على النجِس هو الأصل، وعدَم حمْل الميتة على الصيد هو الأصْلُ، ولا نَقُول: خرج شئٌ من ذلك عن الأصل لما يلزم عَليه من المفسدة، واللهُ أعلَمُ.