نقرر فيها الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية، وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية فنقولُ أولًا.
_________________
(١) هي موضوع الفرق الثاني عشر من الفروق بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب بالحقيقة الزمانية. جـ ١ ص ١١٣. وقد علق الفقيه ابن الشاط على ما جاء عند القرافي في هذا الفرق بقَوله: ما قاله في هذا الفرق صحيح، غَيْرَ أنه ذكر في مثل قاعدة ما لَا يستقل بنفسه من الكلام ان له عَشرَةَ مُثُل، فذكرها، لكنه زادَ عند تعدادِها التمييز والبدل، ولم يذكر مثاليْهما.
[ ١ / ١١١ ]
الترتيبُ في الزمان مُدْرَكٌ بالعقل لا بالوضع، والترتيبُ بالأدوات أمْرٌ وضعي.
وبيان ذلك أن أَجْزاءَ الزمان سَيَّالة، مترتبة بذاتها عَقْلا، مستَحيلة الاجتماع. واذا كانت كذلك فالأقوالُ الموجُودةُ فيها كذلك، والافعال الموجودة فيها كذلكَ مترتية ضرورَةً بِتَرْتيبِ زمانها الذي وقعت فيه، وذلك الترتيبُ المذكور ليس بالوضع، وإنما هو أمرٌ عقلي.
وأما الترتيب بالأدواتِ اللفظية فَهُوَ بإلفاءِ وثُمَّ، وحتّضى، والسِّين، وسوف، ولَا، ولن، ولمْ، وما، وليس، ونحْوِها، وذلك نحوُ قام زيد فعَمْرُو، وقام زيد ثمّ عمْرٌو، وقام القومُ حتى عمرٌو.
قال شهاب الدين ﵀: وذلك في حتى من حيث إنها غاية، فإذا قلت: سِرْتُ حتى مطلِع الفجر اقتضى أن آخِر سَيْرك طلوعُ الفجر، وأنّ هذا الأخير من السير كان مسبوقا بسير قبله، وَلماَ كان هذا هكذا فكذلك إذا قلت: قام القوم حتى عَمرٌو.
قلت: وهذا الذي قاله شهاب الدين -﵀-، خلاف ما عند النحوبين. فهي - عند النحوبين - معنَاها كَمَعْنى الوَاوِ، إلا أنها تزيد علها أن ما بعدها لا يكون الَّا جُزْءًا مِمَّا قبلها، وهو ظاهر في قولك: قام الناسُ حتى الأمِيرُ، أنها غير دالة على تَاخير قيام الأمير. وما في مثال السَّيْرِ لم يكن ذلك التاخيرُ من حيث حتى، ولكن مِن حيث إن أجزاء الزمان مترتبة، بخلاف القوم لا تَرْتيبَ فيهمِ من حيث العقل ولا من حيث الوضع، وحَتَّى جعَلَتْ عَمْرًا من حيث قيامُهُ غايَةً، بمعنى اشتدَّ القيامُ في حقهم وتأكَّدَ حتى إن من تأكيده علهم أن الكبيرَ فيهم - وهو الأمير - قَامَ، واللهُ أعْلَمُ.
قال شهاب الدين -﵀-:
واذا قلت: سيقوم زيد، وسوف يقوم عَمْرٌو، فالترتيب هنا من حيث إن التنفيس بسوف أقوى منه بالسين.
[ ١ / ١١٢ ]
قلت: وفي هذا - أيضا - نظر، فَيمْكِنُ أن يقال بصحتِهِ، ويكونَ نوعًا مما ذكره ابو القاسم جار الله الزمخشى ﵀ عن عربي سأله عن اسم شقذف، ثم سأله عن اسم أكبر منه فقال له: الشقنذاف. قال: فَعَلِمتُ أن العَرَب اسْتَحْكَمَ في لسانها أن المعْنى الذي هو أبلَغُ تَضَعُ له لفظًا بِنِسْبتِه، وقال هذا في الرّحمانِ الرحيم (١٣٤)، والله أعلم.
قال شهاب الدين - ﵀:
واذا قلت: لم يقمْ زيد، ولا يقومُ عَمْرو، وَمَا يقوم بَكْر، أحَدُها عدمُ قيامه فيما مضى، والثالث في الحال، والثاني في الاستقبال (١٣٥)، وما كان في الوضع (١٣٦)
_________________
(١) جاء في الجزء الاول من تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للامام الشهير محمود بن عمر الرمخشى المتوفى سنة ٥٢٨ هجرية ﵀ عند تفسير كلمتي الرحمان الرحيم من البسملة ما نصه: "ومما طَنَّ على أذني من مُلَح العَرب أنهُم يُسَمُّون مركَبًا من مراكبهم بالشقذف، وهُوَ مَركبٌ خفيفٌ ليس في ثقْل مَحامِلِ العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسْمُ هذا المحْمل؟ أردتُ المَحْمِل العراقي، فقال: ألَيسَ ذلك اسمه الشقذف؟ قلت: بَلى، فقال: هذا اسمه الشقنذاف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى. أقول: وقد ورد ذكر هذه الكلمة في المنظومة الفقهية المسماة بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين لناظمها للمبتدئين في معرفة أحكام، الطهارة واركان الاسلام وأسس ومبادئ التصوف. فقيه عصره، وعلامة دهره عبد الواحد بن احمد بن عاشر الاندلسى الفاسى المتوفي سنة ١٠٤٠ هـ، وذلك اثناء كلامه على ما يجوز الاستظلال به للحاج حالة الإِحْرام بالحج، فقال ﵀. وجاز الاستظلال بالمرتفع لا في المحاصل وشقذف فع اى يجوز للحاج الاستظلال بما هو ثابت كالبناء والشجر والخباء، لا ما هو غيرُ ثابت كالمحمل، فلا يجوز الاستظلال فيه.
(٢) عبارة القرافي هنا: "واذا قلت لم يقم زيد، ولا يقوم، عمرو، ولن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي، وعدمُ قيام عمرو في المستقبل، وقد ترتب العدمان بسبب أن لن ولا موضوعان لنفي المستقبل، ولم ولا موضوعان لنفي الماضى، وما وليس موضوعان لنفى الحال. وبذلك تظهر سلامة العبارة. والمعنى عند البقوري مِنْ هذه الامثلة.
(٣) في نسخة: ح: بالوضع، بالباء، وهي تبدو أوضح في المعنى، وأنسب مع ما بعدها.
[ ١ / ١١٣ ]
قد يتبدل بحسب اللغات، ومَا كانَ بالعقل لا يتَبَدل، وقال: إذا تبيَّن هذا فأنا أذكر هنا ثلاث مسائل (من حيث هاتين القاعدتين) (١٣٧).
المسألة الأولى:
قال مالك -﵀-: إذا قال لغير الدخول بها: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق، لزمه الطلاق الثلاث.
وقال الشافعى: لا يَلْزَمُه إلا طلقة واحدة، وهو الحقُّ. واتفقا على أنه - إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ، فأنت طالقِ، ثم أنت طالق، لا يلزمُهُ إلا واحدة. وقالَ أيضا: وفي العطفِ بالواو اشكال فتوقَّف، ولم يتوقف الشافعى (١٣٨) وهو الحق، وهذا بين من حيث إن الترتيب الزماني حاصل وان لم يكن الترتيب الوضعى، فلا فرق بين وجوده وعدمه، إذ لمَّا قال: أنتِ طالق، فأنت طالق، فما جاء قوله: انت طالق الثاني، الا بعد بَيْنُونَتِها، فلا يَلْحَقُه طلاق آخر، كما إذا كان (١٣٩) بأداة الترتيب.
وقول الأصحاب في الجواب عن هذا: إنه طلَّق بالأول ثلاثا، ثم فسَّرَهَ بعد ذلك، لا يصح، لأن الكلام ما وقع إلا فيما كان لَا نية فيه، فَلَوْ نَوى لا نعقَد
_________________
(١) ما بين قوسين، ناقص في نسخة ح. وبالنسبة للفصيح في اللغة فإن حيث تضاف دائما أو غالبا إلى الجملة: الفعلية او الاسمية، وذلك ما يقتضى أن يقال في العبارة: من حيث هاتان القاعدتان، لقول ابن مالك في الفيتهِ. "وألزموا إضافة إلى الجُمَل، حيثُ وإذ، وإن يُنَوَّن يُحتمل. وورد في كلام العرب إضافة حيث إلى المفرد كما في قول القائل، "أمَا تَرَى حيثُ سهيل طالعا نجْمًا يضئ كالشهابِ لامعًا ولذلك تكون إن بعدها كسورة، لقوله ايضا في مواضع كسر همزة إن: "واكْسِرْ في الابتداء وفي بدْء صلة وحيثُ إن لِيَمِين مُكملةٌ. واكسِرْ في الابتداء وفي بَدْء صِلَة وحيْثُ إن ليمين مُكْمِلَةٌ أو حُكيتْ بالقول أوْ حَلَّتْ مَحَلَّ حَالٍ كَزُرْتُهُ وإتى ذُو وأمَلٍ والجملة بعد إن هى في محل جر مضاف اليه.
(٢) اى لم يتوقف الشافعى في اعتبار تكرار النطق بالطلاق بعطف النسق بالواو. طلقة واحدة.
(٣) في ح: كما إذا قال (اى كما إذا نطق في العبارات بأداة الترتيب) فيتقارب اللفظان على معنى واحد.
[ ١ / ١١٤ ]
الاتفاق بين الإمامين على لزوم ما نواه. وقولُ بعضهم هو محمول على قوله أنت طالق ثلاثًا، باطِل أيضا، لفرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية، وهو أن كل لفظ لا يستقل بنفسه - اذالَحِقَ لفظًا مستقِلا بنفسه - صيَّر المستقِلّ بنفسِهِ غير مستقل بنفسه.
ولهذه القاعدة مثالات:
الشرط، والغاية، والاستثناء، والصفة، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور والمفعول من أجله، والحالُ، والبدَل، والتمييز. ولا شكُّ أن قول القائل ثلاثا، بعد قوله: انت طالق، صيَّرَ قوله: "أنت طالق" غير مُسْتقل بنفسه، لانضمام التمييز اليه، فهو مُباين "لقوله (١٤٠) انت طالق أنت طالق، أنت طالق.
قال شهاب الدين: ينبغي - لو قضى قاض بهذا الحكم - أن ينقض هذا الحكم.
المسألة الثانية:
جاء أن خطيبا قال عند رسول الله - ﷺ -: من يطِع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوَى، فقال - ﷺ -: بِيسَ خطيبُ القوم أنتَ.
استدل بهذا الحديث من يقول: الواو للترتيب، ولا دليلَ فيه، لأنه - ﷺ - أمَرَه بأن يُرتب بالحقيقة الزمانيةِ، بأن ينطق بلفظِ الله أوَّلًا، ثم يذكر الرسول ﵇ ثانيا، فيحْصُل الترتيبُ بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم، وقد فات بِسَبب جَمْعِهِما في الضَّمير، فلذلك ذَمّه، لَا لأنه لمْ ينطق بالواو.
قلت: ويمكن أن يقال: المَذَمة، ما هى إلا من حيثُ إن الفخامة مطلوبة في هذا الموضع، ومن أجْلِها صَلُح إيقَاعُ الظاهِرِ مَوْقِع المضمَر، فلهذا ذمّهُ، لا لِغير ذلك، فليس فيه تعَرض لترتيب، لا من حيث الحقيقة الزمانيةُ ولا مِنْ حيْثُ الأداةُ، والله أعلمُ.
_________________
(١) في ح: بَايَنَ قوله.
[ ١ / ١١٥ ]
المسألة الثالثة:
استدل من يقول بأن الواو للترتيب، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٤١)، من حيث، قولُ رسول الله - ﷺ -: إبْدأو بما بدأ الله به لمّا سألوه عن ذلك.
قلت: بل للخصم أن يعكس عليه ويقول: بلْ الحديث يدل على أنها ليست للترتيب، وذلك من حيث سؤالهم عن المبدوء به ما هو؟ ولو أفادت الترتيبَ ما سألوا ذلك السؤال. (١٤٢)