نقرر فيها الفرق بين رفع الواقعات وتقْدِير ارتفاعها بأن نقول:
معنى رفْع الواقع ممتنع عقلا، من حيث إنّ ما وقع في زمانٍ ماضٍ لا يصح في زمان متأخِر عنه أن يرفع ذلك الواقع الذي مضى. ومعنى تقدير ارتفاع الواقع أن يكون الشيء موجودًا فيعطاه حكم المعْدُوم، وهذا من حيث الشرع، وهذا صحيح غير مُحَالٍ، فظهر الفرق.
_________________
(١) كذا في نسخة ح. وفي نسخة ع، تؤثر، والصواب الأولى (يؤثر بالياء، باعتبار الضمير يعود على رفض النية لا على النية نفسها، لأن رفضها أثناء الشروع في العبادة هو محَطُّ السؤال والخلاف، وهو ما عند القرافي في هذه الجملة.
(٢) وقد علق ابن الشاط على هذه المسائل بقوله في أول تعليقه على هذا الفرق: ما قاله فيه صحيح، غيْر أنه في المسائل الثانية والثالثة والرابعة، لقائِلٍ أن يقول: إنّ من نوى الصلاة فإن نيته تتضمن إصلاحها إن احتاجَتْ إليه، لكنى لا أذكرُهُ الآن من قوْل الفقهاء، والصحيحُ ما قاله في ذلك، والله أعلم. اهـ.
(٣) هي موضوع الفرق السادس والخمسين بين قاعدة رفع الواقعات، وبين قاعدة تقدير ارتفاعها، جـ ٢، ص ٢٦. قال شهاب الدين القرافي في أوله: هاتان القاعدتان تلتبسان على كثير من الفقهاء الفضلاء، مع أن القاعدة الأولى قاعدة امتناعٍ واستحالةٍ عقليةٍ، لا سبيلَ إلى أن يقع شيء منها في الشريعة، والقاعدة الثانية واقعة في الشريعة في مواقع الإجماع ومواقع الخلاف. قال: "ولقد حضَرتُ يومًا في مجلس، فيه فاضِلان كبيران من الشافعية، فقال أحدهما للآخَر: مَا معْنى قول العلماء: الردُّ بالعيب رفعٌ للعقد، من أصله أو من حينه، قولان، أمَّا من حينه فمسَلّم معقول، وأما من أصْله فغير معْقول، بسبب أن العقد واقع في نفسه، وهو من جملة ما تضمَّنه الزمان الماضى، والقاعدة العقلية أن رفْعَ الواقع محال، وإخراجُ ما تضمنه الزمان الماضي
[ ١ / ٣٣٤ ]
قلت: لَا خفاءَ أن رَفع الواقع إذا فُسِّر بما قاله فهو محال، ولكنه الذي يَسْبِق إلى الفهم في الرَّفْع، كما يقال في النَّسْخ: إنه رفْعُ ما هو ذلك، بل الذي يُرفع اتصال ذلك الحكم بحسب الأزمنة، ولا استحالة في هذا.
قال شهاب الدين ﵀: وأوَضِّح هذا بذكر مسائل.
المسألة الأولى، العيبُ إذا وُجد بالسلعة فكان ذلك موجبًا للرد، هل هو رفْعٌ للعقد من أصله أو من حينه؟، قولان: من حينه لَا إشكال فيه، من أصله ربّما يقال: هذا رفع الواقع، وذاك محال، فيقال: ليسَ هذا من رفع الواقع، وإنما هو من باب تقدير ارتفاع الواقع، إذ لاشك في حصول عقْد البيع، فإذا قلنا: من حين أصل الشراء فمعناه تقديرُ الشرع لذلك العقد بعد ظهور العيب كالعدم، فالأمَة إِن كانتْ هي المبيعة، وهي قد كانت بحَمْلٍ، إذا كان القيام بالْعَيْبِ بعد الوضْع، إِن قلنا: من حينه فالولد للمشتري، وإن قلنا: من أصله فالولد للبائع، ولا شيء للمشتري، وكذا الحال في الغَلَّاتِ وسائر المنافع.
_________________
(١) = مُحَال، فما معْنى قولهم إنه رفعٌ للعقد من أصله؟ قال له الآخَرُ: معنى ذلك أنه يرجع إلى رفع آثاره دون نفس العقد، فقال له: الآثار والأحكام هي أيضا واقعة من جملة الواقعات، وقد تضمنها أيضا الزمان الماضى كسائر الماضيات، فيستحيل رفعها كالعقد، ويمتنع إخراجها من الزمان الماضى كسائر الماضيات، فقال له الآخر: هذا السؤالُ يَرِد على مثلى؟ ! وأظهر الغضب والنفور، لقلقه وقوة السُّؤال، وافترقا عن غير جواب، وما سَببُ ذلك إلا الجهل بهذا الفرق، وها أنا أوضحه لك بذكر مسائل أربع": إلى آخر كلامه هنا. وإيراد مثل هذه المحاورة والمناظرة بين العلماء، وذكرها في هذا المقام مع اختصار البقوري لها يعطى ضوءًا كاشفا عن هذا الفرق بين القاعدتين المذكورتين فيه، وعن أهمية كتاب الفروق ومكانته عند العلماء في تذليل كثير من الإِشكالات والإجابة عن كثير من المسائل الشرعية في الفروع الفقهية. وقد علق الفقيه المحقق ابن الشاط على هذا الفرق بقوله: جميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غيْر قوله بتقدير الملك للمعتَق عنه، فإنه وإن كان التقدير ممَّا ثبت له حكم في مواضع فإنه لا حاجة في هذه المسألة إليه، ولا دليل عليه.، وغير قوله بتقدير ملك الدية في قتل الخطأ فإنه ليس موضع تقدير الملك، أعنِي بَعد إنفاذ القاتِلِ وقبْل زهوق الروح، بل هو موضع تحقيق للمِلْك، والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قلت: قد مضى في القاعدة الأولى أن كلامه على قاعدة التقدير لم يتم، وكلامه هنا ليس إلا إحالة على ذلك. (٥٩)
المسألة الثانية، رفض النية في العبادة، فيها قولان، والمشهورُ في الصلاة والصوم صحة الرفْضِ، وفي الحج والوضوءِ عدمُ الرفض. (٦٠)
قال شهاب الدين ﵀: وذلك من باب التقديرات الشرعية لا من باب رفعُ الواقع، فلا إحالة فيه.
قلت: قد مضى في القاعدة التي قبل هذه أن ذلك الرفض هو رفع النِّيةِ الحكمية لا الفعلية، من حيث إنه لو قدِّر هذا الرفض من النية الفعلية لضَادَّتْها وأبطلتها، فإذا كانت مع الأصل هكذا فمع الحكمي الذي هو فرعٌ أوْلى أن تضادّه، وعلى هذا فلا تقديرَ.
قال شهاب الدين - ﵀: فإن قلْتَ: وأيّ دليل في الشَّريعة يَقْتَضى تمكُّن الكلف من هذا التقدير وأن هذا التقدير يتحقق؟، ولو صح ذلك لَتَمَكَّن الكلّفُ من إسْقَاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير والقصد إليه، دُونَ أن يأتي بكفر، وكذلك يَقصدُ. صحيح أعماله السيئة من زنى وغيره ممَّا تقدم فيَسْتريحُ من مؤاخذتها، وذلك كله غير متقرر، بَلْ المتقرر في الشريعة أن عَدم اعتبار ما وقع في الزمان الماضي متوقف على أسبابٍ غير الرفض، كالإسلام يهدِمُ ما قبله، والهجرة والتوبة والحج، وعَكسُها في الأعمال الصالحة تُبْطلها الرِدة، والنصوص دَلَّتْ على اعتبار ما ذكرناه، وأمّا الرفض فما نعلمُ فيه دليلًا شرعيًّا يقتضي اعتباره، ثم قال: هذا سؤال قويٌّ، والأفضلُ الاعترافُ به.
_________________
(١) التقديرات كما قال القرافي هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاءُ المعدوم حكم الوجود، وهي من قواعد الشرْع.
(٢) قال القرافي: وذلك كله من المشكلات، فإن النية وقعت، وكذلك العبادَة، فكيف يصح رفع الواقع، كيف يصح القصد إلى المستحيل؟ والجواب أن ذلك من باب التقديرات الشرعية، بمعنى أن صاحب الشرع يقدر هذه النية أو هذه العبادَة في حكمِ ما لم يوجد، لا أنه يبطل وجودها المندرج في الزمن الماضي، بل يُجْرِي عليها الآن حكم عبادَةٍ أخرى لم توجد قط.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قلت: وكذلك قاعدة التقدير، عدَمُ الاعتراف بها أولى من القول بها، ولا دليل يوجد عليها في الشريعة دلالةً قَلةً، كما الأمر لا الرفض، فلا يُعتَرَف بواحد منهما.
ثم لقائل أن يقول بعد هذا الفرق بين قاعدة التقدير وقاعدة الرفض حَتَّى يصح القول بالرفض ولا يصح القول بقاعدة التقدير: إنه وجد دليل عقلي امتزج بدليل شرعي يمنع من اعتبار النية التي رفضتْ ويَعْتبِرُ الرفض، وهذا كما تقرر عن قريب، من المضادة، وقاعدة التقدير ما وُجد دليل مركَّبٌ من الشرع والعقل، ولا شرعيٌّ مجردٌ يدل عليها، فلا نقول بها، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قال لامرأته: إن قدم زيدٌ آخر الشهر فأنتِ طالق من أوله، فهى مباحة الوطء بالإِجماع إلى قدوم زيد، فإذا قدِم زيد آخر الشهر، هل تطلّق من الآن أو من أول الشهر - وهذا الذي يراه ابن يونس من أصحابنا، فرفع الإِباحة الكائنة في وسط الشهر، وقد كانت واقعة، فيؤدي إلى رفع الواقع وهو محال، فقال شهاب الدين ﵀: هو من باب التقدير الشرعي، بمعنى تقدير أن تلك الإباحة في حكم العدم، لَا أنا نعتقد أنها ارتفَعَتْ في الزمان الماضي.
قلت: كيف يُقدَّر ذلك، والوجود على خلافه؟ والحكم الشرعي على ذلك الحسَب، فإنه قد قلنا: إن وطأها كان سباحا شرعًا، فكيْف يكون حراما -شرعا- بالتقدير، وقد مضى ما في هذا أول قاعدة، والله أعلم.
ثم ذكر شهاب الدين مسألة العتق عن الغير، والكلامُ فيها قد تقدم، وهذا الذي مضى لنا الآن من قبيله ومن الرد عليه، فلا فائدة في ذكر ما ذكره من مسألة العتق عن الغَيْر.
[ ١ / ٣٣٧ ]