أما المصالح الأخروية فإنها إذا اجتمعت وأمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر، فإن تساوت تخيرنا بينها، وقد نُقرِعُ فيما يقدّم منها، وإن تفاوتت قدمنا الأصلح فالأصلح، ولا نبالي بفوات الصالح، ولا نخرج بتفويته عن أن نجعله غير صالح.
_________________
(١) في نسخة ع: "لِأعْذَارٍ"، وهذه الكلمة والعبارة غير مفهومة اللفظ والمعنى كما في نسخ ح، حيث جاء فيها: "لِأعوان العرفان". ولعل الصواب فيما يظهر ويتضحِ معناه أن يراد من هذه العبارة: وإلى مبني على ظن وحسبان، لا على عرفان" فليتأمل، وليُحَقَّقْ ذلك، والله أعلم.
[ ١ / ٤٣ ]
وأما المصالح الدنيوية، فلنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الكفاف، ولا نتنافس في تحصيل الأصلح، ونقدم الأصلح فالأصلح في حق من لنا عليه ولاية عامة أو خاصة إن أمكن، فلا نفرط في حق المولَّى عليه في شق تمرة، ولا في زنة بُرّة.
وأما المفاسد إذا اجتمعت، فإن أمكن درؤها درأناها، وإن تعذر درؤها، فإن تساوت تخيرنا، وقد يُقرَع فيما يقدم منها، وإن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد،
ولا يخرج الفاسد بارتكابه عن كونه مفسدة، كما في قطع اليد المتآكلة، وقلع الضرس المؤلم، وقتل الصائل على درهم، وقطع السارق في ربع دينار.
وأما اذا اجتمعت المصالح والمفاسد، فإن أمكن دفع المفاسد، وتحصيل النافع فعلنا ذلك، وان تعذر الجمع، فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب الفاسد، وإن رجحت الفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح.
ثم قد تنشأ المصلحة عن المفسدة، والمفسدة عن المصلحة، وقد تنشأ المفسدة عن الفسدة، والمصلحة عن المصلحة، وقد تُقرَن المصلحة بالفسدة ولا تنشأ إحداهُمَا عن الأخرى. واذا ظهرت المصلحة أو المفسدة بُني على كل واحدة منهما حكمها، وإن جهلنا استدِل عليهما بما يرشد اليهما. وإذا توهمنا المصلحة المجردة عن المفسدة الخالصة أو الراجحة، احتطنا لدفعها. ولا فرق بين مصالح الدنيا والآخرة في ذلك الذي ذكرناه بأجمعه في التقسيم وغيره، إلا فيما قلناه من أن لنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الأدنى، بخلاف من لنا عليه ولاية.