نقرر فيها الفرق بين قول العلماء: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قولهم: حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال، فنقول:
_________________
(١) كلمة البخس ناقصة في نسخة ح.
(٢) هي موضوع الفرق الحادى والسبعين بين قاعدة حكايته الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قاعدة حكايته الحال إذا تُرِكَ فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال" جـ ٢. ص ٨٧. قال القرافي ﵀ في أول كلامه عن هذا الفرق: هذا موضع نُقل عن الشافعي فيه هذان الأمران على هذه الصورة، واختلفت أجوبة الفضلاء في ذلك، فمنهم من يقول: هذا مشكلَ، ومنهم من يقول: هما قولان للشافعي. والذي ظهر لي أنهما ليستا قاعدة واحدة، فيها قولان، بل هما قاعدتان متباينتان، ولم يختلف قول الشافعي ولا نناقضَ، وتحرير الفرق بينهما ينبنى على قواعد الخ. اهـ. وعقب ابن الشاط ﵀ على قول القرافي: "بل هما قاعدتان متباينتان" بقوله: إن أراد بذلك أن معناهما واحد فليس قوله بصحيح، وإن أراد بذلك أنهما متساويتان في كون كل واحدة منهما قاعدة مستقلة مساوية للأخرى في الاستقلال، فقوله صحيح اهـ. وتجدر الإشارة إلى أن عبارة ابن الشاط هنا جاء فيها قوله "بل هما متساويتان" بدل: بل هما متباينتان، مما جعل محقق الفروق يقول: الذى فى نسخ الأصل الذي بين أيدينا متباينتان، فتأمل، اهـ، ولعل التعبير بكونهما متباينتين أنسب وأظهر في المعنى من كونهما متساويتَيْن ..
[ ١ / ٢٢٦ ]
هذا الفرق ينبنى على قواعد:
القاعدة الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في حكايته اللفظ، وإلا سقطت الأدلة بأجمعها، لاحتمال المجاز والاشتراك، وذلك باطل، فالاحتمال المعتبر إنما هو الاحتمال المساوى أو القارب، وأما المرجوح فلا. (١٢)
القاعدة الثانية أن كلام الشارع إذا كان محتملًا احتمالين على السواء صار مُجْمَلًا (١٣).
القاعدة الثالثة أن لفظ الشارع إذا دخل على جنس، فتردد ذلك الجنس بين سائر أنواعه، وكذلك على نوع فتردد ذلك النوع بين أشخاصه لا يُصَيِّره مجملًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، تصدق الرقبة على الطويلة والقصيرة، والذكر والأنثى. (١٤)
_________________
(١) عبارة القرافي في هذه القاعدة الأولى هي: أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ، وإلا لسقطت دلالات العمومات كلها، لتطرق احتمال التخصيص إليها، بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع تلك الألفاظ، لكن ذلك باطل، فتعين أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي والمقارب، أما المرجوح فلا. وعلق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة فقال: ما قاله في ذلك صحيح، وكذلك ما قاله في القاعدة الثَّانية.
(٢) المجمل في اصطلاح علماء الأصول، كما عرفه بإيجاز واختصار، ابن السبكي في جمع الجوامع حيث قال: هو ما لم تتضح دلالته"، وعرفه أبو الوليد ابن رشد الجد في كتابه المقدمات الممهدات بقوله: "فأما المجمل فهو مالا يفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره، مثل قوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فلا يفهم من لفظ الحق جنسه ولا مقداره إلا بعد بيانه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وبعبارة اخرى لبعض العلماء: المجمل هو كل ما دل من الأقوال أو الأفعال أو غيرها دلالة غير واضحة على أحد الأمرين أو أكثر، من غير أن تكون لأحدهما مزية على الآخر، بحيث يستوفيه الأمر أو الأمور من غير ترجيح لأحدهما على الآخر فيما يرجع إلى الدلالة، لدوران الدال بين احتمالين فصاعدًا على السواء.
(٣) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه القاعدة الثالثة فقال: ليس ما مثل به للجنس بصحيح، فإنه ليس لفظ الرقبة في هذا الموضع جنسا، ولكنه واحد غير معيَّن من الجنس، وكذلك قوله: "المطلقات الكليات التى تقدم أنها عشرة، ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال" فإن المطلقات ليست الكليات، وقد تقدم التنبيه على ذلك مرارًا، يقول ابن الشاط ﵀.
[ ١ / ٢٢٧ ]
إذا تحررت هذا القواعد، فنقول:
الاحتمالات، تارة تكون في نفس كلام الشارع فتقدح، وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدحُ. (١٥)
فمن القسم الأول أنه - ﷺ - سئل عن الوضوء بنبيذ التمر فقال: "تمرة طيبة وماء طهور"، فتمسكت الحنفية به، فقلما لهم: قوله ﵊ هذا يحتمل أن يكون لا قبل تغيُّر الماء بالحلاوة، ويحتمل أن يكون لا بعده، فهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يَصْدُق عليهما، والدليل الأعمُّ غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال.
فهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يصدق عليهما، والدليل الأعم غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال.
قلت: هذا ضعيف جدًا، فالجواب مرتب على السؤال، وهو: نبيذ التمر هل يتوضأ به؟ فقد عين الحالة الواحدة، فإن من شرط الجواب أن يطابق السؤال (١٦)
_________________
(١) قال ابن الشاط عن هذه الفقرة: ما قاله القرافي هنا صحيح.
(٢) علق ابن الشاط على كلام القرافي في هذه المسألة حين قال: "قوله ﵊: "تمرة طيبة وماء طهور" لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير ولا لما بعده"، فقال ابن الشاط: لا يجوز على الشارع صلوات الله وصلامه عليه أن يسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه، ولا يجوز عليه أن يخبر بما لا فائدة فيه، وهو - ﷺ - إنما سئل عن الوضوء بالنبيذ، والنبيذ اسم الماء المستنقع فيه التمر حتى يتغير حقيقة، أما قبل التغير فلا يسمى نبيذا إلا مجازًا، بمعنى أنه يؤول إلى ذلك، فلا شك أن ظاهر الحديث أنه أراد أن أصل النبيذ تمرة طيبة وماء طهور، وأنه باق على حكم الأصل من الطِّيب والطهورية اهـ. فليتأمل هذا التعقيب والتعليق من ابن الشاط على كلام القرافي، فإنه دقيق وهام في توضيح المسألة كسائر تعليقاته التي يأتي بها، تكميلا وتصحيحا لما عند القرافي من القواعد والمسائل المتفرعة عنها، ويستعين بها المطلع على فَهْمِ ما اختصره ولخصه البقوري منها. رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين، ونفع بعلمهم آمين.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ومن القسم الأول ايضًا أنه قال - ﷺ -: "الخير بيديك، والشر ليس إليك" (١٧)، فاستدلت المعتزلة على الأشعرية به، من حيث إنه سَلْبٌ عام، فنقول: قوله - ﷺ -: "ليس إليك" يحتمل أن يكون كما قلتم - ليس منسوبًا إليك، ويحتمل أن يكون ليس قُرْبةً إليك، وهذا لأن الملوك يتقرب إليها بالشر، إلا الحق ﷾ (١٨)، وهما (أي الاحتمالان) على السواء، فيسقط الاستدلال (١٩).
قلت: قوله - ﷺ -: "الخير بيديك" يرجح احتمال المعتزلة، ويضعف الاحتمال الآخر، فأين السواء؟
ومن القسم الأول قوله - ﷺ - في المُحْرِم الذى وقصَت به ناقته: "لا تمسوه بطيب، فإنه يُبْعَثُ يوم القيامة ملبيًا، هل النظر إلى صفته، فيكون كل
_________________
(١) جاءت هذه الجملة في تلبية الحج من قول عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) كذا في كل من النسختين المعتمدتين في التحقيق: ع، وح: "وهذا لأن الملوك يتقرب اليها بالشر، إلا الحق ﷾" وهو ما عند القرافي كما أوردناه في هذه المسألة في التعليق بعد هذا. وفي نسخة أخرى من تونس: "وهذا لأن الملوك لا يتقرب اليها بالشر، كيف الحق سبحانه" .. وهذا المعنى وإن كان في حد ذاته سليمًا إلا أن المعنى الأول هو ما يتناسب مع السياق الذي جاء فيه الاستدلال بالحديث، فليراجع وليتأمل، والله أعلم.
(٣) عبارة القرافي في هذه المسألة تزيدها وضوحًا وبيانًا حيث قال في أولها: استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله، بقوله ﵊ لذلك الحديث. فكان جوابهم عن ذلك أن الجار والمجرور لا بد له من عامل يتعلق به، تقديره عند المعتزلة الشر ليس منسوبًا إليك حين يكون من العبد على زعمهم، وتقديره عندنا: الشر التي ليس قربة إليك، لأن الملوك كلهم يتقرب الهم بالشر، إلا الله تعالى لا يتقرب إليه إلا بالخير، وهذا معنى حسن جميل يحمل اللفظ عليه، وعلى هذا يكون لفظ صاحب الشرع محتملًا لما قلناه ولما قالوه، ليس اللفظ ظاهرًا في أحدهما من حيث الوضع، بل الاحتمالان مستويان، فيسقط استدلال المعتزلة به، لحصول الاجمال فيه". وقد رجح الشيخ البقوري احتمال المعتزلة كما سبق في تعقيبه على هذه المسألة، وهو ما نجده عند الشيخ ابن الشاط في تعقيبه كذلك على هذه المسألة حيث قال: الأظهر أن ما قدرته المعتزلة أظهر، ولكن المسألة قطعية لا يكفي فيها بالظواهر، مع ان الدليل العقلى القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته، كما أن الخير كذلك. فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل. وما قاله في المسألة الثالثة: مسألة المحرم الذي وقصت به ناقته والمسألة الرابعة مسألة الوتر بركعة، والمسألة الخامسة مسألة إمساك أربع نسوة فقط. ومفارقة سائرهن، صحيح ظاهر، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٩ ]
مُحْرم يتفق له الموت على حالة الإحرام كذلك، أو هذا متعلق بعين ذلك المحرم؟ يحتمل المعنيين) (٢٠).
قلت: هذا أقرب شيء لهذا القسم، بخلاف المثالين الأولين.
ومن القسم الأول أيضًا قالت الحنفية: لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة، لنهيه ﵊ عن البتراء، وهي الركعة الواحدة المنفردة (٢١)، قلنا: يحتمل ما قالوه، ويحتمل أن يريد ركعة منفردة ليس قبلها شيء، والاحتمالان ظاهران.
قلت: الاحتمالان ظاهران، ويترجح ما قلناه بالحديث الآخر: "فإذا خشى أحدكم الصبح فليصل ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".
ومن القسم الثاني قوله ﵊ لمن أسلم على عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٢٢). قال أبو حنيفة: إن عقد عليهن عقودا مرتبة لم يجز له أن يختار من المؤخَّرات، لفساد العقد عليهن، والخيار في الفاسد لا يجوز. وإن كان عقد عليهن عقدًا واحدًا جاز له الخيار لعدم التفاوت بينهن، وسوَّى
_________________
(١) أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، وكذلك الإمام الترمذي ﵏ عن ابن عباس ﵄ بلفظ: إن رجلًا كان مع النبي - ﷺ - فوقصته ناقته (أي وهو محرِم، فمات، وقال - ﷺ -: إغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبيه، فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا.
(٢) عن ابن عمر ﵄ قال: "صلاة الليل مَثْنى مثنى (أي ركعتين ركعتين)، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما قد صليت".
(٣) هو غيلان بن سلمة الثقفي، رواه الترمذي وابن ماجه رحمهما الله عن عبد الله بن عمر ﵄. ومثله حديث أبى داود ﵁ أن قيس بن حارث أسلم وعنده ثمان نسوة، فأمره النبي - ﷺ - أن يختار أربعًا. فالوقوف عند حد أربع نسوة، وعدم تجاوزه إلى أكثر هو أمر صريح واضح شرعًا، من خلال هذه الأحاديث النبوية، والتى هي تفسر وبيان لقوله تعالى في محكم كتابه الحكيم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي أبيح لكم التزوج بما طاب لكم من النساء في حدود اثنتين إلى ثلاث أو أربع، وتزوج النبي - ﷺ - بأكثر من أربع نسوة هو خصوصية من خصوصياته ﵊ بإجماع علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، وتلك حدود الله وشرعه الحكيم وسبيل المؤمنين.
[ ١ / ٢٣٠ ]
مالك والشافعي، لأنه ﵊ أطلق في القضية ولم يستفصل، فكان
ذلك كالتصريح بالعموم، ولو أراد أحد القسمين لاستفصل.
فإن قيل: لعله عَلِمَ حال غيلان، قلنا: الأصل عدم العلم. وأيضًا فهذه قضية يتقرر حكمها بحسب الكل لا بحسب غيلان، ومثل هذا شأنه البيان والإِيضاح.
ومن القسم الثانى أيضًا قوله ﵊ للمفَرط في رمضان: "أعتق رقبة"، فهو ظاهر في وجوب الإعتاق، ولا إجمال فيه من حيث احتمال الرقبة أن تكون سوداء أو بيضاء، أو ذكرًا أو أنثى، وهذا لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله (٢٣).
ومنه أيضًا قوله - ﷺ -: "إذا شهد عدلان فصوموا وأمسكوا"، فالعدلان يحتمل أن يكونا عربيين أو عجميين، أو شيخين، أو غير ذلك فلا يعتير، لأن الاحتمال في محل الحكم لا فى الدليل (٢٤).
ومنه أيضًا قول الله -﷿-: "فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم"، والمرجوع إليه يحتمل المشرق والمغرب وغير ذلك، فلا اعتبار به، فظهر الفرق بين المعنيين، والله أعلم (٢٥).
_________________
(١) علق ابن الشاط على هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذا القسم الثاني، فقال: هذه المسأله (أي مسألة عتق الرقبة من المفطر في رمضان) والمسألتان بعدها ليست من مسائل ما يجرى مجرى العموم لترك الاستفصال، بل هي مسائل الإطلاق المقتضى تخيير المكلف في مختلف الأشخاص والصفات والأحوال، فليس ما أورده القرافي من هذه المسائل الثلاث لما وقع تصديق الكلام به بمثال، والحمد لله الكبير المتعال.
(٢) عن حسين بن الحارث قال: خطب أمير مكة (وهو يومئذ عبد الله بن عمر ﵄)، ثم قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك للرؤية (أي أن نتعبد الله إذا رأينا الهلال بعبادة الصوم أو الحج في شهره)، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، (أي اعتمدناها في الرؤية وأخذنا بها وعملنا بها) رواه أبو داود والدارقطني، وصححه، رحمهما الله ورحم سائر أئمة الحديث وأهل العلم والفقه في الدين ورحم كافة المسلمين.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
[ ١ / ٢٣١ ]