تقرر فيها الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية، فنقول:
السببُ العَقْلي أولى كالضياء عن قُرْص الشمس، والشرعى نحو بِعت وطلقت، وغير ذلك من الأسباب التي تَتَرتَّبُ عليها أحكام شرعية.
فإذا تقرر هذا، فنقول:
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَرايْني ﵀: يَثْبُتُ مسبَّبُ هذا القسم مع آخرِ حَرْف منه تشبيها للأسباب الشرعية بالأسباب العقلية، من حيث إن العلل العقلية لا يوجَد معلوُلها إلا حالةَ وجودها لا حالةَ عدمها (١٣)، فكذلك هذه الأسبَابُ الشرعية، إذا عُدِم آخرُ حرْف منها عُدِمتْ جملتها فلا توجب حكْمًا،
_________________
(١) هي موضوع الفرق الواحد والثمانين بعْدَ المائة، جـ ٢. ص ٢١٨ بين قاعدة الأسباب العقلية، وبين قاعدة الأسباب الشرعية نحو بعْتُ، واشتريتُ، وأنت طالق، وأعتقْتُ ونحوه من الأسباب". ومع أن الشيخ ابن الشاط ﵀ تتبع كلام الإِمام القرافي في هذا الفرق وعقب عليه بما عقب عليه من تصحيح وتصويب لبعض الفقرات والمسائل، فإنه قلل من أهميته، وفائدته، وقال: هُو فَرْق لا طائل وراءهُ، والكلام فيه تعمّق في الدين وتكلف، ولا يتوصل فيه إلى اليقين. قلت: لا أظن أن الإِمام القرافي ﵀، يغيب عن ذِهْنهِ وفكره ذلك الملحظ لهذه الدرجة، على جلالة قدره ومكانته العلمية وطُولِ باعِهِ في هذه القواعد الفقهية، فلعل التأمل في كلامه بتأنٍ، والنظَرَ فيه بتعمق يهدي ويوصل إلى أن وراء كلامه في هذا الفرق طائلا وفائدة، وقد سبق لي في قاعدة قبل هذه أن أشرتُ إلى أن إيراد مثل هذه المسائل هي بهدف شحذ الذهن وتقوية الفكر وتكوين ملكةٍ المناقشة والمناظرة العلمية، إضافة إلى ما ترمي إليه بالأساس من تقعيد قاعدة فقهية وتأصيلها، أو استنباط واستخلاص الوصول إلى الحكم الفقهى فيها، وما يتفرع عن ذلك من تبين وجهات نظر الفقهاء وأساس اختلاف الأئمة في بعض الفروع والجزئيات الفقهية، والله أعلم.
(٢) عبارة القرافي هنا: تشبيها للأسباب الشرعية بالعلل العقلية، لأن العقلية لا توجبُ معلولها إلا حالة وجودها الخ.
[ ١ / ٣١١ ]
وجُعِل آخرُ حرف منها كوجودها بجملتها، لأنَّهُ الوجود الممكن في حقها، لأنها مصادِر سَيَّالَةٌ يستحيل وجودُها بجملتها.
وقال غيرُهُ من العلماء ﵃: ينبغي أن لا يكون تقدير مسبَّباتِ هذِه الأسباب إلا عَقِيب آخِر حرف وإن عُدمت جملة الصيغة، لأن المُسَبَّبَ إنما تحقق، عادةً، حينئذ، وعلى هذه الطريقة تحقق الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية.
والأسباب الشرعية أيضا تنقسم إلى ما يوجب مسبَّبها كبعْتُ، والى ما يوجبُه استلزاما كالعتق عن الغير، (١٤) فقيل: يقدَّرُ المِلك قبل النطق بالصيغة بالزمن الفرد، لضرورة ثبوت الولاء له، ولبراءة ذمته من الكفَّارةِ.
وقال بعض الشافعية: يثبت المِلك مع العتق، لأن التقدم (١٥) على خلافِ الأصل.
وقال شهاب الدين: هذا المذهبُ غير متجه، لأن المِلك مضادٌّ للعتق، واجتماعُ الضدين محال.
قلت: وقد تقدم أيضا أن قاعدة التقدير ما تحققتْ له، واستدلاله عليها ضعيف.
_________________
(١) عبارة القرافي هنا أوسع وأظهر، وهي قوله: "ومن وجه آخر يَحْصُلُ الفرق، لأن هذه الأسباب الشرعية تنقسم إلى ما يوجب مسبَّبه إنشاء، نحو عتْق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز، والطلاق الناجز، وإلى ما يوجبه استلزاما كالعتق عن الغير، فإنه يوجب الملك للمعتَق عنه بطريق الالتزام، بأن يقدّر الملك قبل النطق بالصيغة بالزمَن الفرْدِ، لضرورة ثبوت الولاء له، ولبرآة ذمته من الكفارة المعتقِ عنها. وعقب عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله منِ استلزام العتقِ والوطء إمضاء البيع المحصِل للملك، صحيح، وحصول المِلك هنا محقَقٌ لا مقَدَّرٌ.
(٢) في نسخة: لأن التَّقْدِيمَ.
[ ١ / ٣١٢ ]
قال شهاب الدين ﵀: وتنقسم الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا وإلى ما يقتضى إبطالا كالبيع في الأول، والطلاقِ في الثاني، وبالله التوفيق. (١٦)