في تقرير مقتذى إذا، وتقرير الفرق بينها وبيْن إن الشرطية.
فاعْلَمْ إنَّ إذا تَرِدُ للظرفية المحْضَة، كقوله تعالى: "وَالَّلِيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٨٦). وقد ترِدُ إذا هَذِهِ ومعها المعْنَى الشَّرْطِي، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٨٧)، ثم قال ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.
فعَلَى هذا قد اشتركتْ مع انْ في الشرطية، لكنهُما افترقا من حيث إن الشرطيةَ دخيل (٨٨) في إذا، وهُوَ في إنّ أصْل، وأنَّ إنْ حَرْفٌ وإذا اسْمٌ.
_________________
(١) سورة فاطر: الآية. ٤
(٢) هي موضوع الفرق الخامس والسبعين من كتاب الفروق. جـ ٢ ص ٩٧. وقد علق عليه ابن الشاط بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، إلا قوْله في أنْ: إنها تدل على الزمان التزاما، فإن أراد أنها تدل على ذلك بنفسها وعلى مما شرطوه في دلالة الالتزام من أنها يسبق ذلك فهم السامع فليس بصحيح، وإن أراد أنها تدل على الزمان التزامما، بمعنى أنها من الحروف التي تلازم الدخول على الفعل، والفعل يدل على الزمان فهي تدل على الزمان التزاما من هذا الوجه فذلك صحيح.
(٣) سورة الليل: الآية ١.
(٤) سورة النصر: الآية ١.
(٥) في نسخة ع: الشرط دخيل، وهو يتطابق مع مما بعده من ضمير التذكير بالشرطية فإن الوصف فعيل بمعنى مفعول يستوى لفظه في التذكير والتأنيث فيقال: رجل جريح، وامرأة جريح، ولذلك قال ابن مالك في ألْفيتِه: وناب نقلا عنه ذو فعيل نحو فتاةٍ أو فتىً كحِيلٍ
[ ١ / ٩٠ ]
ومنَ الفروق المذكورة بينهمَا: أنّ إنْ تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط بالمطابَقة، وهو ما تقدم ذِكْرهُ والإِشارة اليه، وإذا على العكس من ذلك.
ومنها: أنَّ إنْ لا يُعَلَّقُ عليها إلا مشكوك فيه، وإذا أعمُّ، تَدْخُل على المحقَّق وإلمشكوكِ فيه.
قلت: وقد تقدم البحث في هذا المعنى وأنه مشْكِل.
ومن الفروق النحوية - زيادةَ على ما سَبَقَ ذِكرُه أولا - أنّ إنْ لا يكون ما بعدَها إلا مجزومًا في اللفظ أو في الوضع، وإذا يكون ما بعدها مخفوضا بها في الأكثر.
وأيضًا، فإنْ، بُنِيَتْ بالأصالَةِ، لأنَّها حرف، وإذا بالفرعية لأنها اسم. (٨٩)
وقال شهاب الدين - ﵀ - هنا: إذا ظَرْفٌ، والظروف يجوز أن تكونَ أوسعَ من المظروف، فيجوز لهذا أن يُقال: إذا قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالق، يلزمه الطلاق، لأن الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فظرفُ الموت يحتمل دخول زمن من أزمنة الحياة فيه، فيقعُ في ذلك الزمانِ الطلاقُ في زمن الحياة فيلزمه، بخلاف ما إذا قال: إن مِتُّ فأنت طالق، لأنه لا طلاق بعد الموت.
قال: وأوْرَدَ بعض الفضلاءِ سؤالًا، فقالَ: الشرط وجوابه إذا جعل الشرط ظرفا، لابد أن يكونا معًا واقعيْن فيه، نحو: إذا جاء زيد فأكرمه، فالمجيء والإِكرام في زمن واحدٍ، ولذلك جوَّزُوا أن يعمل في إذَا كِلا الفِعْلَيْنِ، واختاروا الثاني، لأنه لَيس مضافا إليه، ومن حيث أنهم أجازوا عمل كل واحد منهما فيه دلَّ على ما قلناه، لأن من شرط العامل في الظرف، أن يكون واقعًا فيه.
_________________
(١) فإذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافضة لشرطها، منصودة بجوابها، بمعنى أن الفعل الواقع في جوابها هو العامل في نصبها، وهي مبنية، وأن الجملة الشرطية الواقعة بعدها هي في محل جر مضاف إليه، وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته النحوية: وألْزَموا إذا إضافة إلى جُمَل الأفعال كهُنْ إذا اعتَلَى
[ ١ / ٩١ ]
فإذا تقرر هذا، فالِذكْرُ ضدُّ النسيان، فكيف اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٩٠)، والضِدَّانِ اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، والضِدَّانِ لا يجتمعان، فجوابُهُ أن يقال: الظرف أوسع من المظروف.
ومثل هذا الاشكال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعُكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (٩١)، فإذْ بدلٌ من اليوم، واليومُ يومُ القيامة، وإذ ظلَموا يومُ الدنيا، فيكف يكون ذلك، والدنيا ليست عينَ الآخِرة، فقال ابن جِنِّي: الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فَزَمَنُ الظلم يجوزُ أن يكون أوسعَ منهُ حتى يمتدّ ليوم القيامةِ فينطلِق عليه يومُ الظلم، فيتحِدانِ، فتحسُنُ البدَلية.، وقد يكون الظرف مساويًا للمظْروف نحو صمتُ يوم الخميس. (٩٢)
قلت: ولْنذُكْر هنا مسألة متعلقة بالشرط، من حيث هو شرط، فنقول:
الشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة أإحدة كالنية، وإلى مالا يقع إلا مُستَدْرَجًا، كقراءة السورة، وإلى ما يقبل الوجْهَيْن، كعطيةِ عشرةِ دراهم.
قال الإمام في المحصُول (٩٣): فإن كان الشرط وجود هذه الحقائق اعتبر من
_________________
(١) سورة الكهف: الآية: ٢٤.
(٢) سورة الزخرف: الآية: ٣٩.
(٣) علق ابن الشاط على الأشكال المذكور في هذه الآية بقوله: إنما وقع الاشكال في الآية بناء على أن إذ بدل من اليوم، وليس ذلك بصحيح بلا إشكال. وما المانع من إن يكون معنى الكلام ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب بسبب ظلمكم إذ ظَلمتم. هذا لا مانع منه البتَّةَ.
(٤) المراد بالإمام صاحب المحصول: هو الفقيه الضليع الموسوعي الاصولي المدقق الجامع بين المنقول والمعقول فخر الدين الرازي. وقد شرح كتابه المحصول شهاب الدين القرافي ﵀، واختصره الإمامان: سراج الدين الارموى، وتاج الدين الارمرى في كتابيهما التحصيل، والحاصل، فجاء القرافي ولخصه من كل ذلك كتابه المسمى بتنقيح الفصول في أختيار المحصول، وجعله مقدمة لكتابه الذخيرة في الفقه، ثم لما رأى الناس اهتموا به وضع لهم عليه شرحا مختصرا يكون عونا لهم على فهمه وتحصيله، وبيان بعض المقاصد التي لا نكاد تُعلمُ إلا من جهته لانه لم ينقلها عن غيره وسماه: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الاصول، وهو مطبوع طبعة جديدة منقحة عن دار الفكر.
[ ١ / ٩٢ ]
الأول والثالثِ اجتماعُ اجزائه، ووجودُها في زمن واحد، لإمكان ذلك، واعتبر من الثاني وجودُ آخِرِ أجزائه، لأنه الممكن فيه، وان كان الشرط عدم هذه الحقائق اعتبر من الجميع أول أزمنة العدَم، لصدق العدم حينئذ في الجميع.
قال شهاب الدين، ﵀:
ويَرِدُ عليه سؤالان: الأوَّلُ أن القائل: إن أعطيتتى عشرة دراهم فأنت حُرٌّ، يخرج عليه حرًا إذا أعطاه العشرة مجموعة كما قال ومتفرقة. ولا خلاف في هذا السؤال.
والثاني، أن كلامه في العدم لا يتلخص، لأن لن ولا، وضعا لنفي المستقبل العام، فإن جعل العلق للشرط العدم بصيغة لا ولن كان الشرط استغراق العدم أزمنة العمر، أو الزمان الذي عينه، لا ما قاله، والله أعلم.