في تقرير التخيير بين أشياء لا يقتضي التسوية بينها ولابد، بل قد يكون ذلك وقد لا يكونه.
فالتخير الذى يقتضى التسويةَ كالتخيير في خصال الكفارة، والتخييرُ الذى ليس التسويةُ كتخيير صاحب الدين بالنَّظِرة والِإبراء، وهما غير متساويين، لأن نَظِرةَ المعْسر تجب، وإبراوُهُ مندوب اليه، ومثل هذا قوله تعالى:، "يا أيها المزمل قُمْ الليل
_________________
(١) علق ابن الشاط على جاء عند القرافي في اول هذا الفرق ٤٧، فقال: قوله: ان الامر في خطاب الكفارة متعلق بأحدها صحيح، وقوله: الذى هو قدر مشترك بينها، ليس بصحيح، فإنه ليس مفهوم أحد الامور الا واحدا فها مبْهبًا غير معيّن، لا الحقيقة المشترك بها، ولو تعلق الوجوب بالحقيقة من حيث هي تلك الحقيقة للزم شمول الوجوب لكل شخص مما فيه تلك الحقيقة، وليس الا فرد كذلك - وقوله: لِصدقه على كل واحد منها (اى لصدق المفهوم الذي هو قدر مشترك بين خصال الكفارة)، لا يلزم من ذلك أن يُرادَ به الحقيقة المشترك فيها. والمشترك هو متعلَقُ الامر ولا تخيير فيه، يقولُ القرافي: والخصوصيات هي متعلق التخيير ولا وجوب فيها. قال ابن الشاط عن كون الخصوصيات هي متعلق التخيير: ذلك صحيح إن أراد من حيث تعين كل واحد فها، وإن اراد أنها متعلق التخيير من حيث دخولها تحت المشترك فلا.
(٢) هي موضوع "الفرق الثامن والاربعين بين قاعدة التخيير الذي يقتضى التسوية، وبيْن قاعدة التخيير الذى لا يقتضى التسوية بين الاشياء المخيّر بينها". جـ ٢ ص.٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
إلا قليلا نصفَه أو أنقُض منه قليلا أو زِد عليه" (١٣٧) فقيل في تفسيره: خير بين. قيام نصف الليل وثلثه وثلثيْه، فثلثُهُ أوْ نقَص منه قليلا، وثلثاه: "أو زد عليه"، والثلثُ واجب، وذلك (١٣٨) كما قالت عائشة ضى الله عنها: كان قيَامُ الليل واجبا ثم نُسِخَ، والنصف والثلثان مندوبَانِ، فقد خَير بين المختلفات في الحكم. وكذلك ايضا: ﴿فليس عليكم جُنَاح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١٣٩) خير بين القصر في السفر والإتمام، والركعتان واجبتان جزما، والزائد ليس بواجب، وهذا يَرُد على من يقول: التخيير لا يقع الا بين المتساويات، بل هو كما قلنا. والضابط في الفرق أن التخيير إذا وقع بين المتبايِنَيْنِ فإنه لابد من التساوي بينهما، كما في خصال الكفارة، وبين جزْءٍ كل أو أكثر أو أقل لم يقع التسوية، والله أعلم.
ثم المتباينات إذا وقع التخيير بينها، إن كان قد تباينت بالأجناس كما قلنا في خصال الكفارة فذلك المسمى بالواجب المخير، وان كانت قد تباينت لا بالجنس، بل هى داخلة تحت جنس واحد، فلا يسمى هذا بواجب مخيرٍ، وهذا راجع إلى الاصطلاح. فالعتق يكون بأمة وبعَبْدٍ، والعبيد يتشابهون، والأماءُ كذلك، وللمكلف الخِيرة في ذلك كله، ولكنه لا يسمى مخيرًا من هذا الوجه، واما يسمى مخيرًا إذا
_________________
(١) سورة المزمل، الآيات: ١، ٢، ٣.
(٢) في نسخة ح: لما (الظرفية)، وعلق ابن الشاط على ما جاء عند القرافي هنا وتضمنته هذه القاعدة فقال: لو كان المشترك متعلِّق الوجوب لوجب الجميع، بل متعلق الوجوب واحد عمر "معين، والخصوصيات من عتق كسوة وإطعام هي متعلق التخيير، وحكم كل خصلة حكم الاخرى، وهذا صحيح، لا ما قاله القرافي من كونها أمورا متباينة" ثم قال ابن الشاط: ليس الثلث (اى قيامه) واجبا من حيث هو ثلث، ولو كان ذلك لكان واجبا معينا، ليس النصف والثلثان مندوبَيْن، ولو كان ذلك لجاز تركهما مطلقا، ليس كذلك بل لا يجوز تركهما إلا عند قيام الثلث.
(٣) وقع في النسختين معا: "لا جناح عليكم أن نقصروا من الصلاة". والصواب: "فَلَيْسَ عليكم جناح أن تقْصُروا من الصلاة" وهو ما في كتاب الفروق: وأول الآية قوله تعالى". "وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا" سورة النساء الآية ١٠١. وهذه الآية الكريمة اصل في سنة قصر الصلاة للمسافر، وكذا ما ورد فيها وثبت من السنة القولية والفعلية عن الله - ﷺ -.
[ ١ / ١٨٠ ]
كانت الأفراد ترصح إلى "أجناس متباينة، كالعتق والإطعام والكسوة، وهذه قاعدة أدرجْتها في التي قبلها، لا كما فعل شهاب الدين ﵀.
ثم لِتعلَم أن ما وقع في قول الفقهاء من قولهم: الإمام مخيَّر في الأسارى، وكذلك في التعزير، وكذلك في حق المحارب، وكذلك تفرقة الأموال راجعة إلى خِيَرَتِه قَوْلٌ مَجَازي، لا خِيرة (١٤٠) في شئ من هذا، كما الامر في خصال الكفارة من حيث التخيير، بل يجب عليه بذل جَهده في فعل الأرجح من ذلك، ولا يصح له أن يفعَل بهواه ما شاء من ذلك، كما يصح للمكفر أن يُعَيِّنَ من الخصال ما شاء بِهوَاه.
ولكنه قيل له: مخيَّرٌ، من حيث إن النظر رجع اليه في الترجيح، ولم يعَيَّن له في ذلك شئ، بل فُوِّضَ التعيين اليه بعد اجتهاده، وتنفيذ الأصْلح للمسلمين، فذاك الذى يصح له ويحل" وهذه قاعدة اخرى أيضا أدرجتها هنا. (١٤١)
_________________
(١) في نسخة ح: "بل لا خيَرَةَ" بزيادة بل للاضراب عما قبلها، ولكن المعنى واحد في نفي الإختيار في هذه السائلِ والامثلة.
(٢) هي موضوع الفرق التاسع والاربعين بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد" جـ ٢. ص ١١. قال القرافي ﵀ في أوله: وتحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يرجع إلى تحرر اصطلاح العلماء لا لمعنى يترتب عليه، وذلك أنهم يسمون خصال الكفارة واجبًا مخيرا، ولا يسُّمون تخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها واجبا مخيرا، وكذلك التخيير بين شِياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة، ودينار من اربعين دينارا، لا يسمون ذلك واجبا مخيرا، بل يقصرون ذلك على خصال الكفارة ونحوها. وضابط الفرق بين القاعدتين أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة فهو الذي اصطلحوا على أنة واجب خير، ومتى وقع بين أفراد جنس واحد لايكون هو المسمى بالواجب الخير، فالعتق والإطعام والكسوة أجناس مختلفة، والغنَم كلها جنس واحد، وكذلك الدنانير، وغيرها من النظائر، فهذا هو ضابط الفرق بين هاتين القاعدتين
[ ١ / ١٨١ ]