نقرر فيها أن الفعل إذا دار بين الوجوب والندب فُعل، وإذا دار بين الندب والمحرّم ترك، تقديما للراجح على المرجُوح، وما يتخيَّل من أن صوْمَ يوم الشك ممنوع منه يقدح في هذه القاعدة ليس كذلك.
بيانه أنا نقولُ: لا خفاءَ بوجهِ تلك القاعدةِ من حيث إنّ الأرجح ظاهر تقديمه في الشريعة على المرجُوح، وأما صومُ يوم الشك فقد يقول القائل: صَوْمُه هو الظاهر كما يقول الحنابلة، لِأنه أنّ كان من شعبان فهو ندْبٌ، وإن كان من رمضان فهو واجب فيفعَل، فالقول بأنه لا يصام، مُخالفة لها (٢٣٨)، فنقول: يُمنع من ذلك، بل هو مما دار صومه بين التحْريم والندب، فيتعيّن ترك صومه.
وبيانه أن رمضان شرط صحة صومه أن يكون بنية جازمة، وصومُه بطريق الترداد حرام، فهو إذا صامه كذلك، إن كان من شعبان كان ندْبا، وإن كان من رمضان فقد كان ذلك الصوم محرّما، لأجل الترداد. والقاعدد فيما كان كذلك أن يُتْرك، وأيضًا فقد جاء النهي عن صيام يوم الشك. (٢٣٩)
_________________
(١) هي موضوع الفرق الرابع والمائة (١٠٤) بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فُعِل، ومتى دار بين الندب والتحريم ترك، تقديما للراجح على المرجوح، وبين قاعدة يوم الشك، هل هو من رمضان أم لا؟ جـ ٢ ص ١٨٦.
(٢) علق ابن الشاط على قول القرافي هنا: "فإن يوم الشك يحرم صومه مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب، بقوله: ليس بمسَلم، بل هو من شعبان لا على القطع بل على الشك، وهو ممنوع الصوم للنهي عنه، الوارد في الحديث، وعلى هذا، الإشكالُ في قولنا بالمنع من صومه، أما على قول الحنابلة فصومه على وجه الاحتياط جارٍ على قاعدة الفرق المذكور، وذلك، والله أعلم - لعدم صحة الحديث عندهم.
(٣) روى أصحاب السنن، والبخاري، تعليقا عن عمار بين ياسر قال: "من صامَ اليوم الذي يشك فيه الناسُ فقد عصى أَبا القاسم" وأبو القاسم كُنْيَةً للنبى - ﷺ - بأحَدِ اولاده القاسم، كما هو معلوم من كتب الحديث الشريف والسيرة النبوية الطاهرة. وقد علق ابن الشاط على قول القرافي بأن صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم لتعذر النية الجازمة وبين الندب، فتعين الترك إجماعًا على هذا التقدير، لأن النية الجازمة شرط، وهي هنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها حرام، فصوم هذا اليوم حرام، فقال أي ابن الشاط: ليس قوله ذلك بمسلم، لأن لِقائلٍ أن يقول: ليست النية الجازمة شرطًا الا مع عدم تعذرها، وما ذكره لم يأت عليه بحجة، فلا يبقى إلا الحديث إن صح". اهـ.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ومما يُظَنُّ فيه مخالفة القاعدة، إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا فإنه يأتي بركعة، مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة، وإذا تعارض الواجب والمحرَّم قُدِّم التحريمُ، لأن التحريم يعتمد المفاسدَ، والوجوب يعتمد المصالح. (أي فعناية صاحب الشرع والعقلاء، بِدَرْء المفاسد أشد من عنايتهم بجلب المصالح كما قال القرافي ﵀.
وكذلك إذا شك في وضوئه، هل هي ثالثة أو ثانية، فإنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الندب والتحريم، والتركُ هنا أقوى، لأن الندب أخفض رتبة من الواجب.
فأجيبَ عن الصلاة بأن الخامسة إنما هى محرمة إذا تَيَقَّنا الرابعة، لا في الصورة التى وقعت فيها بالشك، وكذا الأمر في الوضوء ايضا.
قال شهاب الدين -﵀-: وأشكل قولُ مالك ﵀:
إذا شك هل طلع الفجر أو لا، فإنه لا يأكل، مع أنه قال: إذا شك في اليوم فإنه لا يصومه، فأجابَ بأن الليل كان أصله الصوم، وخفف بعد ذلك، فهذا المشكوك فيه بيقيه على أصله في أنه يصام، ولا يخرجه إلى الأكل فيه كما خرج المتيقن. (٢٤٠)
قلت: والأظهرُ عندي أن يقال: هذا خرج عن القاعدة من حيث إن ترْكَ أكله دائر بين أن يكون واجبًا أوْ جَائزًا، فيصيرُ إلى تركه ولا بد، عملًا بالأرجح، والله أعلم.
_________________
(١) علق ابن الشاط على كلام القرافي هنا فقال: ليس ما قاله القرافي من أن الأصل في الليل الصوم، بصحيح، وإنما كان الممنوع بالليل الأكل والوطْءُ بعد النوم خاصة، أما غير ذلك وهو ما قبل فلا. ثم إن جوابه معارض للنص في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فنصَّ على أن الغاية تبيُّن الفجرِ. وما أرى المالكية ومن قال بقولهم في وجوب إمساك جزء من الليل ذهبوا إلى مخالفة الآية، عملًا بالاحتياط، بل حملوا الآية على المراقب للفجر وهو قليل في مجرى العادة، فأطلقوا القول، بناء على الغالِب، وهو عدم المراقبة، والله أعلم، ثم قال ابن الشاط: وما قاله القرافي بعد ذلك في هذا الفرق من السؤال والجواب عنه في المسائل المذكورة لحد مسألة الصيام، فصحيح، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢١ ]