نقرر فيها المقاصد ما هي، والوسائل ما هي؟،
ثم نذكر الفرق بينهما فنقول:
المقاصد تنقسم إلى مَصَالِحَ ومَفَاسدَ.
فالمقاصد هي المتضمنة لهذيْن، والوسائل: الطرق الفُضِية إلى المقاصد التي المصالح أو المفاسد، ولهذا نقول:
أحْكَامُ الوسائل تَتبَعُ أحكام المقاصد، فإذا كَان المقصِدُ واجبًا فالوسيلة إليه تجبُ، وإن كان حرامًا فالوسيلة إليه تحْرُمُ، وإن كان مندوبًا فكذلك، أو مكروها فكذلك، أو مباحا، فكذلك. إلا أنه يشكل هذا بإمرار الموسى على من لَا شعر له في الحج، فإن إمرار الموسى وسيلةٌ لإِزالة الشعر إلا في هذا الموضع. فيمكن أن يقال: هو مستثنى، وتبقى لنا القاعدة من تبعيَّة الوسائل للمقاصد.
ومما يخرجُ أيضا من الوسائل عن التبعية دفعُ مال للكفار في فكِّ أسارَى، وهذا من حيث إن إعانتهم بالمال وغيره حرام، ودفع المال إليهم وسيلة إلى الإعانة التي هي محرمة.
_________________
(١) هي موضوع. الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل، جـ ٢، ص ٣٢. قال في أوله القرافي ﵀: "وربّمَا عُبِّر عن الوسائل بالذرائع، وهو اصطلاح أصحابنا (المالكية)، وهذا اللفظ الشهور في مذهبنا. ومعناه حَسْم مادة وسائل الفساد، دفعًا لها". ثم قال: وليس سدُّ الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية، بل الذرائع ثلاثة أقسام: قسم أجْمَعَتْ الأمة على سدِّه ومنْعِهِ وحسْمه، كحفر الآبار في طريق المسلمين، وإلقاء السُّم في أطعمتهم "، وقسم أجمعُوا على عدم منعه كزراعة العنب خَشيةَ الخمر، (أي خشية أن يؤول إلى استعماله خَمْرًا)، وقسم اختلفوا فيه هل يُسَدُّ أم لا كبيوع الآجال عندنا، مثل مَنْ باع سلعة بعَشرة دراهم إلى شَهر، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر، فهذه عند مالك وسيلَةٌ لسلَف خمسةٍ بعشرة إلى أجل، توسُّلا بإظهار صورة البيع، "أيْ فتكون هذه الصورة ممنوعة: والشافعي يقول: يُنظَرُ إلى صورة البيْع ويُحْمَلُ الأمر على ظاهره فيجُوز". اهـ. وقد علق الشيخ ابن الشاط على هذا الفرق بقوله: جميع ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح، غير ما قاله من أن حكم الوسائل حكم مما أفضتْ إليه من وجوب أو غيره، فإن ذلك مبنى على قاعدة أن ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب. والصحيح أن ذلك غيرُ لازم لم يصرح الشرع بوجوبه"، والله أعلم. اهـ.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وأيضا فأكْلُ ذلك المال عليهم حرام من حيث إنهم مخاطَبون بفروع الشريعة، والدفع إليهم سبب لذلك الحرام فيكون حراما، ولكنه ما كان كذلك، ترجيحا للمصلحة الحاصلة فيه من فك الأسارَى، ومثل هذا ما يدفع لقطاع الطريق إذا كان يسيرًا.
ومنها (٢٩) مسألَةٌ يقع الغلط فيها وهي: أن الترخيص لا يكون بسبب (٣٠) المعْصِية، ويكون الترخيص لمن قارَنته المعصية ولم تكن معصيته سببًا، فالمقارنة كفاسِقٍ يَعْدَمُ الماء، يجوز له التيمم، أو يعجز عن القيام في الصلاة فيصلي جالسًا، والمعصيَّةُ لا تكون سببا للترخيص، كسَفر المعصية لا يكون سببا للفطر في رمضان ولا للقصر.
وهذا الفرق يبطل قول من قال: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها، لأن سببَ أكلِهِ خوفُه على نفسه لا سفَرُه، فالمعصية مقارنة للسبب لا أنها هي السببُ.
قلت: ولقائل أن يقولَ: وكذلك سفر المعصية، لَيس لِصاحبه أن يَقْصُرَ، لا يَصْدُقُ، لأن العلة في التقصير المشقةُ وقد وُجدت، والسفر مقارن، كما الأمرُ على قولك في الميتة، والله أعلم.
قال شهاب الدين - ﵀:
وقد يُعَبِّر الفقهاء عن الوسائل بالذرائع، والذرائع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) في نسخة ح: وهنا مسألة. والعبارة الأولى أظهر وأنْسَبُ. وقد تعرض لها الإِمام القرافي في التَّنْبيه الرابع من الكلام على الفرق ٥٨ قائلا: تفرع عن هذا الفرق فرق آخر وهو: الفرق بين كون العاصى أسبابا للرُّخص، وبين قاعدة مقارنة المعاصى لأسباب الرخص، فإن الأسبَاب من جملة الوسائل، وقد التبست ها هنا على كثير من الفقهاء. فأما المعاصى فلا تكون أسبابا للرخص، فالعاصى بسفَره لا يقصر ولا يفطر الخ)، وأمَّا مقارَنَةُ المعاصى لأسباب الرخص، فلا تمتنع إجماعا، فيجوز لِأفسق الناس وأعْصاهم التيممُ إذا عَدِمَ الماءَ وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضرّ بهِ الصومُ، والجلوس إذا أضرَّ به القيام في الصلاة وهكَذَا تبدو هذه المسألة أو القاعدة عند الإِمام القرافي أبْيَن وأوضح.
(٢) في نسخة ح: سبب، والأولى أظهر وأصوَبُ.
[ ١ / ٣٢١ ]
قسم وقع الاتفاق على مَنْع العمل بها كسَبِّ آلهة الكفار وحفْرِ بِئر ليقع فيها مُسلم، فهذِه يجب القول بتحريمها.
وقسم اتفق على أنها غير معتبرة كبيع العنب، يقال: إنه يَعصِر مِنه خمرًا، أو زرْعه مخافة ذلك، فلا أحدَ يقول: هذا سَبَبٌ لمنع زراعة العنب. وقسم مختلَفٌ فيه، هل يَفْسُدُ أمْ لَا، كبيوع الآجال قال بها مالك ولم يقل بها الشافعي، وكالنظر إلى النساء، لأنه وسيلة إلى الزنى، والمسائل لهذا القسم كثيرة.
قال شهاب الدين ﵀: وهذا القِسْم (٣١) يُظهِر خطأ الأصحاب في استدلالهم على بيوع الآجال بِسَدِّ الذرائع التي اتُّفق عليْها، وإنما ينبغي أن يستدَلّ عليها بمثل ما ذكره مالك في موطئه في قضِية أم ولد زيد بن أرقم مع سيدها،
_________________
(١) هذا القسم المختلف فيه من سد الذرائع ذكره شهاب الدين القرافي ﵀ في الفرق الرابع والتسعين والمائة بين قاعدة ما يُسَدُّ من الذرائع وقاعدة ما لا يسد منها. جـ ٣، ص ٢٦٦ أعاد فيه الكلام على الذرائع وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام، بعد ذكره لها في الفرق الثامن والخمسين بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل كما سبق ذكره والإِشارة إليه في بداية الكلام على هذه القاعدة الثامنة عند الشيخ البقوري ﵀. وبعد تقسيم الإِمام القرافي لها إلى ثلاثة أقسام: قسم مجمع على عدم منعه، وقسم مجمع على سده، وقسم مختلف فيه، وتبْيينه أن سد الذرائع ليس خاصا بمذهب الإِمام، لأن منها ما هو مجمع على سَدِّه وعَدم فتحه، قال ﵀: "والمختلَفُ فيهِ كالنظر إلى المرأة لأنه ذريعة للزنى بها، وكذلك الحديث معها. ومنها بيوع الآجال عند مالك ﵀. ويُحْكَى عن المذهب المالكي اختصاصه بسد الذرائع، وليس كذلك، بل منها ما أجمع عليه كما تقدَّم، وحينئذ يظهر عدم فائدة استدلال الأصحاب على الشافعية في سَدّ الذرائع بقوله تعالى: "ولا تسُبُّوا الذين يدعون من دون الله فيسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علم ". وقول النبي - ﷺ -: "لَعَنَ اللهُ اليهود، حُرِّمتْ عليهم الشحوم فباعوها أكلوا أثمانها"، وكمنع شهادة الأبناء للآباء والعكس، وكشهادة خصمٍ وظنين لا تُقْبل، خشية الشهادة بالباطل. فهذه وجوهٌ كثيرة يستدلون بها وهي لا تفيد، فإنها تدل على اعتبار الشرع سَدَّ الذرائع في الجملة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وإنما النزاع في الذرائع خاصة، وهي بيوع الآجال ونحوُها، فينبغي أن نذكر أدلة خاصة لمحل النزاع، وإلَّا فهذه لا تفيد ) إلى آخر ذكره القرافي هنا وأوْرَدَهُ البقوري في اختصاره هذا الفروق، رحمهما الله جميعا.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وإخبار عائشة لها، لمّا أخبرتها أنه رِبا، فتلك القضية نصٌّ في المعنى المختلَف فيه (٣٢).
وذكر في المسألة سؤالا، وهو أن زيد بن أرقم ﵁ هو من خيار الصحابة، وما وقع في ذلك إلاَّ من حيث أنه رأى أن الربا لا يقع بين السيد وعبدِهِ، وعائشة تقول بوقوعه بينهما، وقصَدتْ عائشة التغليظَ في ذلك القول ليرجع الناس عن الاقتداء به في ذلك.
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البيْعَ وحرَّم الربا﴾، قُلْنا: هذا عامٌّ، وما أتيْنا به نحن خاصٌّ. واستدل أيضا بما في الصحيح من أنه أُتِىَ بِتَمْرِ خَيْبَرَ (٣٣)، فقال: أتمْرُ خيبَر كلُّه هكذا؟، فقالوا: إنَّا نبتَاعُ الصاع بالصاعَيْن،
_________________
(١) وهذه المسألة - كما أوْرَدَهَا شهاب الدين القرافي هنا، هي أن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، إنِّى بِعْتُ من زيْد بن أرقم عبدا بثمانمائة درهم إلى العطاء (أي إلى أجل)، واشتريته بستمائة نقدًا، فقالتَ عائشة ﵂: بيس ما شريتِ (أي بعتِ)، وبيسَ ما اشتريتِ، أخْبِرى زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب. قالت: أرأيت إن أخذته برأسمالي (أي بثمانمائة)؟، فقالت عائشة ﵂: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله مما سلف، وأمْرُهُ إلى الله". قال القرافي ﵀: فهذه صورة النزاع (أي لما يكون فيها من الربا)، وهذا التغليظ العظيم لا تقوله عائشة إلا عن توقيف (أي عن استناد إلى أثر مرفوع إلى النبي - ﷺ -) فتكون هذه الذرائع واجبة السد، وهو المقصود.
(٢) هكذا في نسخة ع، وفي نسخة ح بتمرجنيب، وهي كذلك عند القرافي، ولعلها رواية أخرى للحديث، وحينئذ يكون الجنيب وصفا للتمر، ويُؤَيِّدُ ذلك ما في الصحيح، وما في الموطأ في باب ما يُكْرَهُ من بيع التمر، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول - ﷺ - استعمل رجلا (هو سَواد بن غَزية) على خيْبَر (أي ولاهُ عاملا علا) فجاءهُ بتمرٍ جَنيبٍ، فقال له رسول الله - ﷺ -: أكلُّ تمر خيْبَر هكذا؟ فقال: لا، والله يا رسولَ الله، إنَّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعيْن بالثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ - لا تفْعَلَ، بعْ الجمْع بالدراهم، ثمَّ ابْتَعْ (اشترِ) بالدراهم جنيبا". والجنيب من التمر هو نوع من أعلى التمر وأجْوَدِه، قيل: الكَبيس، وقيل: الطيب، وقيل الصلب، ويقابله الجمع بفتح الجيم وسكون الميم، وهو الردئ من التمر. فالنبي - ﷺ - نهى عن بيع التمر بجنسه، متفاضلا، وقال: "التمر بالتمر مثلا بمثل، وأمر ببيع كل جنسٍ على حدةٍ بالدراهم، وشراء الجنس المرغوب فيه من جيّد أو غَيْره. والسؤال الذي طرحه القرافي عن زيد بن أرقم في وقوع هذه المسألة له، ذكر جوابه منقولا عن أبي الوليد بن رشد في المقدمات، ومختصرا في كتابه في هذا الفرق، فقال: ولعل زيدًا ابن أرقم لا الربا بين السيد وعبده اهـ.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فقال: ربًا، ولكن بيعُوا تَمْرَ الجمْعِ بالدراهم، واشتَرُوا بالدراهم جنيبًا.
وجوابنا أنه ليس في الحديثِ أن الجنيبَ يُشْتَرَى مِمَّن يباع له الجَمْع، وحينئذ تكون التهمة، ومع ذلك فلا دليل لكم عليه، واللهُ أعْلَمُ.